البحرية الأميركية تبحث عن سلاح جديد لمواجهة حروب الاستنزاف: صاروخ اعتراضي رخيص يُنتج بالمئات

بدأت البحرية الأميركية البحث عن صاروخ اعتراضي منخفض الكلفة وقابل للإنتاج الكمي لمواجهة المسيّرات والصواريخ الجوالة والتهديدات الجوية منخفضة الارتفاع، في خطوة تقنية تحمل دلالات تتجاوز تطوير صاروخ جديد. وتحمل المبادرة اسم المعترض البحري ميسور الكلفة (Naval Affordable Interceptor – NAI)، وقد أطلقتها البحرية عبر طلب رسمي وجّهته إلى الصناعة للحصول على حلول قابلة للتطوير السريع.

وبحسب ما أوردته USNI News بتاريخ 17 سبتمبر/أيلول 2026، تريد البحرية منظومة تُركَّب على السفن بواسطة قاذف حاويّ يضم 60 صاروخاً على الأقل، مع طاقة إنتاجية تبلغ 500 صاروخ سنوياً أو أكثر، وإمكانية بلوغ القدرة التشغيلية خلال 12 شهراً من منح العقد.

برنامج بلا شركة ولا تصميم بعد

لم يصل البرنامج بعد إلى مرحلة اختيار شركة أو تصميم محدد، إذ تقتصر المرحلة الحالية على طلب “الأوراق البيضاء” (White Papers) من الشركات، على أن تنتقل الحلول المناسبة إلى مرحلة عروض أكثر تفصيلاً. ولذلك لا يوجد حتى الآن اسم رسمي للصاروخ، ولا سعر معلن للوحدة، ولا مواصفات نهائية للمدى والسرعة والباحث والرأس الحربي.

غير أن البحرية الأميركية تملك بالفعل خبرة في أنظمة اعتراض منخفضة الكلفة نسبياً، بينها “كويوت” (Coyote) من شركة “آر تي إكس” (RTX)، و”رودرانر” (Roadrunner) من شركة “أندوريل” (Anduril)، إضافة إلى “فامباير” (VAMPIRE) من شركة “إل3 هاريس” (L3Harris). إلا أن برنامج إن إيه آي يبدو موجهاً نحو طاقة إنتاجية أكبر ومنظومة بحرية أكثر مرونة، وهنا تكمن الرسالة الحقيقية.

فالبرنامج مؤشر على معضلة تسعى البحرية الأميركية إلى حلها، وهي الحاجة إلى منظومات اعتراض بحرية عملية ومرنة في التركيب والاستخدام، وإلى أعداد كبيرة جداً من الصواريخ الاعتراضية، بما يمنح قطعها حماية أوسع في ظروف الهجمات المركبة وحروب الاستنزاف التي قد تمتد طويلاً، ولا سيما القطع التي يصنفها الخصوم أهدافاً عالية القيمة (High-Value Targets – HVT) مثل حاملات الطائرات. فالمطلوب إذاً ليس صاروخاً اعتراضياً بحرياً فعالاً فحسب، بل صاروخ أرخص يمكن إنتاجه بكميات كبيرة تؤمّن للبحرية احتياطيات استراتيجية.

اعتراض ناجح تكتيكياً وعبء اقتصادياً

لم يأتِ هذا القرار من فراغ، بل جاء في سياق مراجعات وتحليلات لما شهده مضيق هرمز والخليج العربي والبحر الأحمر. فقد كشفت التجربة العملياتية هناك مشكلة اقتصادية وعسكرية متنامية، إذ قد ينجح استخدام صاروخ اعتراضي مرتفع الكلفة ضد مسيّرة أو هدف منخفض الكلفة تكتيكياً، لكنه يتحول إلى مشكلة حين تصبح المواجهة سلسلة هجمات مركبة طويلة الأمد.

ووفقاً لـ”يو إس إن آي نيوز”، تسعى البحرية الأميركية إلى معالجة هذه الفجوة بزيادة عمق مخزونها الدفاعي، خصوصاً في مواجهة التهديدات المركبة والأعداد الكبيرة. ولذلك يكتسب رقم 60 صاروخاً في الحاوية الواحدة أهمية عملياتية تفوق كونه تفصيلاً هندسياً، فهو يعكس مفهوم “عمق المخزون” (Magazine Depth)، أي قدرة السفينة على مواصلة الاعتراض قبل استنفاد ذخيرتها.

أي تهديد تراه البحرية الأميركية في المستقبل؟

يُطرح في خضم ذلك سؤال عن رؤية البحرية الأميركية لبنيتها وقدراتها المستقبلية، وعن تعريفها للتهديدات ومصادرها وطبيعتها ودرجة خطورتها في المكان والزمان الحرجين. ونشير هنا صراحةً إلى القدرات البحرية الصينية المتعاظمة. فبحسب موقع “غلوبال فاير باور” (Global Firepower – GFP) للعام 2026، تملك الصين أكبر بحرية في العالم من حيث العدد، بواقع 841 قطعة بحرية، مع استمرار توسع أسطولها وتزايد قدرته على العمل خارج بحر الصين، ولا سيما في منطقة المحيطين الهندي والهادئ (الإندوباسيفيك).

وأشار مشروع “القوة الصينية” (China Power) التابع لمركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS) في تحليل نشره عام 2026 إلى توسع النشاط البحري الصيني خلال عام 2025 حول تايوان وبحر الصين الجنوبي واليابان، وإلى عمليات نفذتها حاملتا الطائرات “لياونينغ” (Liaoning) و”شاندونغ” (Shandong) خارج سلسلة الجزر الأولى.

حين يصبح المخزون هو المعركة

من هنا تتضح فلسفة البرنامج. ففي أي مواجهة بحرية عالية الكثافة في غرب المحيط الهادئ، قد تواجه السفن الأميركية مزيجاً من الصواريخ المضادة للسفن والصواريخ الجوالة والمسيّرات والأهداف الخادعة والهجمات متعددة المحاور. ولا تكمن المشكلة في قدرة الدفاع الجوي على اعتراض الهدف وحده، بل في عدد الاعتراضات التي يستطيع الأسطول تحملها قبل نفاد مخزونه.

ومن الشرق الأوسط إلى الإندوباسيفيك، يبدو برنامج إن إيه آي محاولة لإعادة صياغة معادلة التوازن البحري. ورغم أننا لا نعرف حتى الآن الشركة الفائزة، ولا الكلفة النهائية، ولا التصميم الذي سينجح في المنافسة، فإن الرقمين اللذين أعلنتهما البحرية، 60 صاروخاً في الحاوية و500 صاروخ سنوياً، يكشفان تحولاً مهماً في استراتيجية الولايات المتحدة تجاه التهديدات البحرية.

تقرير العقيد ظافر مراد