لم تعد القطع البحرية غير المأهولة مشروعاً مستقبلياً قيد التخطيط والتحضير، بل دخل في مراحله التنفيذية المتقدمة، وبدأت نماذجه بالظهور في أكثر من مسرح عمليات، ابرزها مياه البحر الأسود ومياه الشرق الأوسط، الحرب بدأت بالفعل والجميع يراقب هذا التحول السريع في بيئة العمليات البحرية، التي تداخلت فيها تكنولوجيا الأنظمة الماهولة مع التحولات المفاهيمية للجيوبوليتيك الحديث، جيوبوليتيك الطاقة والممرات البحرية.
في 24 أيلول/سبتمبر 2026، أعلنت البحرية الأميركية إنشاء مركز تطوير الحرب للأنظمة الروبوتية والمستقلة RASWDC، ليكون الجهة المتخصصة في تطوير التكتيكات والإجراءات ودمج الأنظمة غير المأهولة في عمليات مجموعاتها البحرية، وأكدت البحرية الأميركية أن مهمة المركز هي تحويل الروبوتات والأنظمة المستقلة إلى قوة قتالية قابلة للتعظيم والتوسع والنشر، ما يعني أن واشنطن انتقلت من مرحلة اختبار التكنولوجيا إلى مرحلة بناء القدرة القتالية وتطوير القدرات البحرية.

لكن الدليل الأهم جاء من الميدان، في 13 تموز/يوليو 2026، ذكرت USNI News أن القيادة المركزية الأميركية استخدمت ثلاث قطع سطحية غير مأهولة من طراز Saronic Corsair في هجوم على منشأة صيانة الغواصات والسفن في قاعدة بندر عباس الإيرانية؛ وأكدت القيادة المركزية أن العملية كانت أول استخدام قتالي معلن للقطع البحرية غير المأهولة الأميركية، وتبلغ سرعة الـCorsair نحو 35 عقدة، ومداه نحو 1,000 ميل بحري، ويمكنه حمل حمولة تصل إلى 1,000 رطل، وذلك وفقاً للبيانات التي أوردتها USNI News بتاريخ 13 تموز/يوليو.

هناك ايضاً نقطة أكثر أهمية ودلالة تشير إلى أن هذه المنصات لم تستخدم للضرب فقط، فقد ذكرت Janes بتاريخ 13 تموز/يوليو 2026 أن قطع Corsair نفسها شاركت خلال حزيران/يونيو في مساعدة القوات الأميركية على العثور على طاقمي مروحية AH-64 Apache بعد سقوطها قرب الساحل العُماني. أي أن القطعة غير المأهولة تستطيع تنفيذ مهام الاستطلاع والإنقاذ والضرب وفق المهمة المطلوبة.
في المستوى الآخر من البيئة البحرية، ظهرت قيمة الأنظمة غير المأهولة تحت الماء، فقد ذكرت رويترز في 8 أيلول/سبتمبر 2026 أن إيران أعلنت الإستيلاء على مركبة أميركية غير مأهولة تحت الماء من طراز Dive-LD عند مدخل مضيق هرمز. وأوضحت رويترز أن هذه المنصة تستطيع تنفيذ مهام مكافحة الألغام، ورسم خرائط قاع البحر، وجمع المعلومات الاستخبارية، وفحص البنية التحتية البحرية مثل الكابلات وخطوط الأنابيب.

هذه الحادثة تكشف أن الحرب البحرية غير المأهولة لم تعد محصورة بسطح البحر، نحن أمام ثلاث طبقات عملياتية متداخلة، مسيّرات سطحية، مركبات جوالة تحت الماء، وأنظمة جوية تعمل فوقهما. وعندما تتصل هذه الطبقات بشبكات الاستشعار والذكاء الاصطناعي والقيادة والسيطرة، يصبح البحر نفسه شبكة من المنصات المتحركة، وليس مجرد مساحة تتحرك فيها السفن التقليدية.
إمتلكت أوكرانيا نموذجاً آخر أكثر وضوحاً، فقد استخدمت القوارب المسيّرة الهجومية ضد الأسطول الروسي والبنية التحتية البحرية في البحر الأسود، وأظهرت هذه العمليات أن منصة بحرية منخفضة الكلفة يمكنها فرض قيود على حركة قوة بحرية أكبر بكثير منها. كما وثقت رويترز في 21 أيلول/سبتمبر 2026 استمرار تأثير الهجمات بالطائرات المسيّرة على حركة الصادرات الروسية عبر البحر الأسود، بعدما اضطرت شركات روسية إلى تحويل جزء من صادراتها البحرية إلى موانئ البلطيق والقطب الشمالي.

في الشرق الأوسط، تصبح هذه المعادلة أكثر حساسية بسبب طبيعة الجغرافيا وعقد التجارة البحرية، فمضيق هرمز وباب المندب ليسا مجرد ممرين بحريين؛ إنهما عقدتان استراتيجيتان لسلاسل الطاقة والتجارة العالمية، وقد ذكرت رويترز في 21 أيلول/سبتمبر أن عدد سفن السلع التي عبرت هرمز خلال عطلة نهاية الأسبوع انخفض إلى 17 سفينة، مقارنة بمتوسط يقارب 125 سفينة يومياً قبل الحرب، فيما تراجع أيضاً العبور عبر باب المندب، وهنا تتغير وظيفة القطعة غير المأهولة: لا تحتاج إلى إغراق ناقلة حتى تحقق أثراً استراتيجياً، فيكفي فقط أن تعتمد إستراتيجية التهديد وبث عدم اليقين والغموض في أمن الممرات، أن تراقب، أو تقترب، أو تهدد، حتى ترتفع كلفة التأمين والشحن وتتغير حسابات شركات الملاحة.
لذلك فإن مستقبل الحرب البحرية في الشرق الأوسط لن تحدده فقط حاملات الطائرات والفرقاطات والغواصات، بل القدرة على نشر أسراب من القطع الصغيرة غير المأهولة فوق سطح البحر وتحته، وربطها بشبكة قيادة واستشعار قادرة على العمل في بيئة مشوشة ومزدحمة، ودمج هذه البيئة بمسرح العمليات الجوي، ليتداخل الجو والبحر، ويعطينا مفهوماً جديداً عن المعركة الجوية-البحرية.
تقرير: العقيد الركن م. ظافر مراد




