بعد ادعاء الحوثيين إسقاط “إف-15” سعودية فوق مأرب: كيف تفكّك الجيوش لغز اللحظة الأخيرة؟

في حوادث الطائرات المقاتلة، لا تنتهي المعركة عند سقوط الطائرة، بل تبدأ فوراً معركة ثانية داخل المؤسسة العسكرية: استعادة تفاصيل اللحظة الأخيرة، وتحديد السلاح أو العامل الذي أسقط الطائرة، ومعرفة سبب فشل منظومة الحماية في منع ذلك، ثم تحويل نتائج التحقيق إلى إجراءات تمنع تكرار الحادث.

تستكشف “دفاع العرب” ما يحدث بعد الحادث، وكيف تجري إجراءات التحقيق ومعاييره، وكيف تُترجم نتائجه إلى توصيات ثم أوامر تنفيذية.

ويأتي هذا المسار جديراً بالمتابعة عقب ادعاء جماعة الحوثي إسقاط مقاتلة سعودية من طراز “إف-15” (F-15) فوق مدينة مأرب. فقد نشرت الجماعة صوراً ومقاطع فيديو قالت إنها توثق عملية الإسقاط والحطام، فيما رصدت التحليلات المفتوحة المصدر مؤشرات تتوافق مع مواصفات “إف-15 إس إيه” (F-15SA)، غير أن غياب تأكيد سعودي رسمي ومستقل يجعل تحديد طبيعة الحادث، في هذه المرحلة، مسألة تحقيق لا حقيقة مكتملة. وفي هذا الشأن، يشيد العقيد الركن ظافر مراد، المحلل الاستراتيجي في “دفاع العرب”، بالقدرات والخبرات المتقدمة جداً التي تتمتع بها القوات الجوية السعودية، متحدثاً عن آلية التحقيق في حوادث جوية مماثلة:

يبدأ التحقيق العسكري بجمع الأدلة، وفي حال ثبتت صحة هذه الحادثة، فإن الحطام لا يُعدّ مجرد بقايا طائرة، بل سجلاً مادياً للحادث يحمل أدلة ومؤشرات تقود إلى الحقائق في تفاصيل الحادث وأسبابه. ويجري البحث عن آثار انفجار خارجي، ومركز الانفجار أو موقع الضرر الأقصى، ونقاط الاختراق، واتجاه التشظي، ومدى الضرر وطبيعته، وحالة المحرك، وأنظمة الوقود، والإلكترونيات، والرادار، وأي بقايا يمكن أن تحدد طبيعة الإصابة.

أما في حادث مقاتلة تعمل فوق منطقة عمليات نشطة، فقد يكون الوصول إلى الحطام صعباً، وعندها ينتقل تركيز التحقيق إلى الأدلة الرقمية والإلكترونية: تسجيلات الرادار، والاتصالات، وبيانات المهمة، وأنظمة التحذير، والحرب الإلكترونية، وصور الأقمار الصناعية، وشهادات الطائرات الأخرى الموجودة في المنطقة، ليصبح السؤال الأساسي: ماذا حدث خلال الدقائق والثواني الأخيرة السابقة للحادث؟ هل ظهرت إشارة تهديد؟ هل اكتشف رادار الطائرة أو نظام التحذير صاروخاً قادماً؟ هل نفذت الطائرة مناورة دفاعية؟ هل أطلقت الصفائح المعدنية (chaff) أو المشاعل الحرارية (flares)؟ هل انقطع الاتصال قبل الإصابة أم بعدها؟ وهل سجلت شبكة القيادة والسيطرة أي نشاط معادٍ متزامن مع اختفاء الطائرة؟ وقد تكون هذه التفاصيل أكثر أهمية من الرواية التي قد تتبناها أي جهة سياسية.

ويضيف العقيد مراد أن السؤال الأصعب يأتي بعد ذلك: ماذا أصاب الطائرة بالتحديد؟ فإذا استبعد التحقيق العطل الفني أو الخطأ التشغيلي، يصبح تحديد نوع السلاح أولوية استخباراتية، إذ يمكن أن تساعد بقايا الرأس الحربي، وشكل التشظي، واتجاه الضرر، وبقايا جسم الصاروخ، ومسار الاقتراب المحتمل، وموقع الطائرة الجوي عند لحظة الإصابة، في التمييز بين صاروخ أرض-جو وآخر جو-جو، وبين منظومة حرارية وأخرى رادارية، وبين منظومة دفاع جوي قريبة أو متوسطة أو بعيدة المدى. غير أن تحديد نوع الصاروخ لا يعني انتهاء التحقيق، إذ يبقى السؤال الأهم: كيف نجح الصاروخ في الوصول إلى الطائرة وإسقاطها؟

ولا تعتمد المقاتلات الحديثة على سرعتها ومناورتها فقط، فهي تمتلك طبقات متعددة من الحماية، تبدأ من الاستخبارات والاستطلاع، مروراً بالرادار والإنذار المبكر والقيادة والسيطرة، وصولاً إلى الحرب الإلكترونية وأنظمة التحذير ووسائل الخداع، والتكتيك والمناورات الجوية التي يعتمدها الطيارون. ولذلك يُفحص كل طبقة على حدة وبدقة في التحقيق: هل كانت معلومات الاستخبارات عن الدفاع الجوي الحوثي دقيقة ومحدثة؟ هل كان موقع التهديد معروفاً؟ هل اكتشفت الطائرة الباعث الراداري؟ هل عمل نظام التحذير من الصواريخ؟ هل وصلت المعلومة إلى الطيار في الوقت المناسب؟ وهل كانت وسائل الحرب الإلكترونية والخداع تعمل كما يفترض؟ (وقد أشارت مجلة “جينس” (Janes)، في تحليلها للحطام المتداول، إلى مؤشرات مرتبطة بأنظمة الحرب الإلكترونية والتحذير الصاروخي في طائرة “إف-15 إس إيه”، غير أن وجود هذه الأنظمة لا يعني أنها أدت وظيفتها أثناء الحادث، وهذه تحديداً إحدى النقاط التي لا يمكن حسمها إلا من خلال البيانات الفنية للطائرة).

وفي معرض حديثه عن الطيار وردة فعله، يوضح العقيد مراد أنه حتى إذا خلصت لجنة التحقيق إلى وقوع خطأ بشري، يبقى السؤال العسكري الأهم: لماذا لم تمنع المنظومة هذا الخطأ؟ هل كان التدريب مناسباً لطبيعة التهديد؟ هل كانت قواعد الاشتباك والإجراءات التكتيكية ملائمة؟ هل تغيرت قدرات الخصم من دون أن تتغير معها أساليب العمل؟ هل كان هناك قصور في التنسيق مع طائرات الإنذار المبكر أو وحدات الدفاع الجوي؟ وهل صُممت المهمة نفسها وفق تقدير صحيح للمخاطر؟ فالسبب المباشر قد يكون صاروخاً أو خطأً بشرياً، غير أن السبب الجذري قد يكون في مكان آخر تماماً.

ولهذا، لا يُفترض أن تنتهي مهمة لجنة التحقيق بتقرير يحدد سبب السقوط فقط، بل يجب أن يعيد التقرير العسكري الحقيقي بناء سلسلة الأحداث كاملة: حالة الطائرة قبل المهمة، والصيانة، والمهمة والتكليف، والمعلومات الاستخبارية المتوافرة وتحليل بيئة العمليات، وأوامر القيادة، والاتصالات، وأداء الأنظمة، وطبيعة الإصابة، ثم تحديد السبب المباشر والعوامل المساهمة والسبب الجذري.

ويضيف العقيد مراد أن صدور التقرير بنتيجة التحقيق، وإلحاقه بتوصيات، لا يمثل نهاية القصة، فالقيمة الحقيقية للتحقيق تظهر في المرحلة التالية والأهم، وهي تحويل التوصيات إلى قرارات وأوامر تنفيذية. فإذا كشف الحادث ثغرة في نظام التحذير الصاروخي، فالمطلوب ليس تسجيلها في التقرير فحسب، بل إصلاحها فعلياً. وإذا كشف قصوراً تكتيكياً، وجب تعديل التكتيك والتدريب. وإذا كشف نقصاً استخبارياً، وجبت إعادة تقييم منظومة جمع المعلومات عن الدفاع الجوي المعادي. وإذا ظهر خلل في الحرب الإلكترونية، فالمطلوب اختبار الأنظمة وتحديثها، وربما إعادة النظر في طريقة استخدامها. وتأتي بعد ذلك المرحلة الأكثر حساسية، وهي متابعة تنفيذ الأوامر والتأكد من صحة التعديلات والإجراءات المتخذة، ومتابعة أي حوادث مماثلة مستقبلاً، والتي تعيد في حال وقوعها دورة التحقيق من جديد بحثاً عن الأخطاء والثغرات التي لا تتوقف في ظل التطورات المتسارعة في القدرات والأساليب والوسائل المستخدمة في المواجهات والعمليات الجوية والدفاع الجوي.

والجدير بالذكر هنا، كما يتابع مراد، أن هذه المؤشرات المتعلقة بالإجراءات المتخذة بعد الحادث قد تكون أكثر أهمية من البيان الرسمي نفسه، لأنها تكشف حقيقة الحادث، وكيف فهمت المؤسسة العسكرية وقيادة القوات الجوية ما جرى، وكيف تُرجم هذا الفهم إلى فعل ملموس.

وفي النهاية، لا ينبغي النظر إلى سقوط طائرة “إف-15″، إذا ثبت إسقاطها، باعتباره مجرد فقدان طائرة، بل يصبح الحادث اختباراً لمنظومة كاملة: الاستخبارات، والاستطلاع، وتحليل بيئة العمليات، والقيادة والسيطرة، والحرب الإلكترونية، والتحذير الصاروخي، والتكتيك، والتدريب والصيانة. ويظل يمثل، في أذهان القادة وصناع القرار، سؤالاً دائماً لا يتوقف عن استدعاء الوعي واستنهاض الإحساس بالمسؤولية: كيف تمكن الخصم من الوصول إليها؟ وما الذي يجب تغييره حتى لا يتمكن من الوصول إلى الطائرة التالية؟