لمى فاروق
في سماء تتسارع فيها المنافسة على التفوق الجوي، تحافظ مقاتلة “يوروفايتر تايفون” على موقعها كواحدة من أبرز المقاتلات الأوروبية القادرة على تنفيذ طيف واسع من المهام، من التفوق الجوي والدفاع الجوي إلى الضربات جو-أرض، مدعومة بمنظومات متقدمة للاستشعار والحرب الإلكترونية وتسليح بعيد المدى.
ولا تقتصر أهمية «تايفون» على قدراتها الحالية، إذ تواصل الدول المشغلة لها الاستثمار في تطوير راداراتها وأنظمة الحرب الإلكترونية وتسليحها، بما يسمح لها بالحفاظ على قدراتها القتالية ومواكبة متطلبات ساحات المعارك الجوية الحديثة.
بالنسبة إلى تركيا، تأتي هذه القدرات في توقيت بالغ الحساسية. فالقوة الجوية التركية تعتمد بصورة أساسية على أسطول F-16، بينما لا يزال مشروع المقاتلة الوطنية KAAN في مرحلة التطوير والاختبارات، ويحتاج إلى سنوات قبل أن يتحول إلى عنصر رئيسي في القوة الجوية.
وبين أسطول قائم تحتاج أنقرة إلى الحفاظ على قدراته، ومقاتلة وطنية تراهن عليها للمستقبل، تدخل «تايفون» إلى الحسابات التركية كمنصة قادرة على سد جزء من الفجوة وتعزيز القدرات الجوية خلال المرحلة الانتقالية.

7 سبتمبر.. الانتقال إلى التدريب الجوي
تدخل تركيا في 7 سبتمبر/أيلول مرحلة جديدة من برنامج إدخال “تايفون”، مع بدء الطيارين الأتراك التدريب على الطيران في المملكة المتحدة.
وكانت وزارة الدفاع التركية قد أعلنت أن تدريب الطيارين بدأ بالفعل في أغسطس/آب 2026، وأن الطيارين الذين أتموا تدريب المصطلحات سيبدؤون التدريب الجوي في 7 سبتمبر/أيلول.
وبحسب الوزارة، يستمر التدريب على الطيران 8 أشهر، تليها 3 أشهر من تدريب الطيارين المدربين، على أن تُرسل مجموعات إضافية من الطيارين إلى برامج التدريب على دفعات.
وهذا يعني أن 7 سبتمبر/أيلول لا يمثل موعد دخول “تايفون” الخدمة في تركيا، وإنما يمثل الانتقال إلى المرحلة العملية من إعداد الطيارين، وبداية بناء الكادر البشري القادر على تشغيل المقاتلة وتدريب طيارين آخرين عليها مستقبلًا.
صفقة الـ8 مليارات جنيه إسترليني .. ماذا اشترت تركيا؟
في 27 أكتوبر/تشرين الأول 2025، وقّعت تركيا وبريطانيا اتفاقًا لشراء 20 مقاتلة “يوروفايتر تايفون” جديدة.
وبحسب رويترز، قدّر رئيس الوزراء البريطاني “كير ستارمر” Keir Starmer قيمة الصفقة بنحو 8 مليارات جنيه إسترليني، أي نحو 10.7 مليار دولار، في اتفاق يعزز التعاون الدفاعي بين البلدين ويمنح أنقرة مقاتلات أوروبية متقدمة لتعزيز قوتها الجوية.
وتولت شركة BAE Systems البريطانية دورًا رئيسيًا في تنفيذ البرنامج، بما يشمل تصنيع أجزاء رئيسية من هيكل الطائرة، وإجراء التجميع النهائي، وقيادة عملية دمج الأسلحة في منشآتها بالمملكة المتحدة.
وتجدر الإشارة إلى وجود اختلاف في تقدير قيمة الاتفاق؛ إذ قدّر الجانب البريطاني قيمة الصفقة بنحو 8 مليارات جنيه إسترليني، في حين قالت وزارة الدفاع التركية إن قيمة الاتفاق، بما يشمل الطائرات والمعدات والذخائر، تبلغ 5.4 مليارات جنيه إسترليني. ويعكس ذلك اختلافًا في طريقة احتساب القيمة الإجمالية للاتفاق ومكوناته.
ومن المقرر أن تبدأ تركيا استلام المقاتلات الجديدة اعتبارًا من 2030، ما يفسر جزئيًا سبب بدء تدريب الطيارين قبل سنوات من وصول الطائرات.

Meteor وBrimstone.. الصفقة تتجاوز شراء الطائرات
لا تقتصر أهمية الصفقة على المقاتلات نفسها، بل تشمل حزمة تسليح متقدمة.
وفي تقرير بتاريخ 29 أكتوبر/تشرين الأول 2025، أفادت رويترز بأن حزمة الأسلحة ضمن الصفقة تشمل صواريخ Meteor جو-جو بعيدة المدى، إضافة إلى صواريخ جو-جو قصيرة المدى متقدمة، وصواريخ Brimstone المخصصة للهجوم على الأهداف الأرضية، نقلاً عن مصدر مطلع على تفاصيل الصفقة.
وتكتسب هذه الحزمة أهمية خاصة بالنسبة إلى أنقرة، إذ يتيح صاروخ Meteor قدرة متقدمة على الاشتباك الجوي بعيد المدى، بينما يضيف Brimstone قدرة دقيقة ضد الأهداف الأرضية.
وبذلك، لا تتعلق الصفقة بإضافة طائرة جديدة إلى الأسطول فحسب، وإنما بإدخال منظومة قتالية متكاملة تشمل الطائرة والتسليح والتدريب والدعم.
لماذا تبدأ تركيا بالتدريب الآن؟
قد يبدو بدء تدريب الطيارين قبل سنوات من وصول كامل الطائرات الجديدة أمرًا مبكرًا، لكنه في الواقع جزء أساسي من عملية بناء القدرة التشغيلية.
فأولى المقاتلات الجديدة لن تصل إلى تركيا قبل عام 2030، ما يمنح أنقرة فترة زمنية لإعداد الطيارين والأطقم الفنية والبنية التحتية اللازمة لاستقبال المقاتلة.
وفي مارس/آذار 2026، أبرمت تركيا وبريطانيا اتفاقًا جديدًا يتعلق بالتدريب والدعم ضمن برنامج “تايفون”، بما يشمل تدريب الطيارين والأطقم الفنية وتوفير عناصر الدعم اللازمة.
وبالتالي، لا تنتظر أنقرة وصول الطائرات حتى تبدأ بناء خبرتها عليها، بل تعمل على تجهيز العنصر البشري والفني بالتوازي مع عملية التوريد.
الـ24 طائرة المستعملة.. محاولة لسد فجوة ما قبل 2030
إلى جانب شراء 20 مقاتلة جديدة من بريطانيا، تحركت تركيا للحصول على مقاتلات «تايفون» مستعملة من دول أخرى.
وأفادت رويترز في 30 أكتوبر/تشرين الأول 2025 بأن تركيا كانت لا تزال تجري محادثات مع قطر وعُمان للحصول على 24 مقاتلة “تايفون” مستعملة، في مسعى لتعزيز قدراتها الجوية قبل وصول المقاتلات الجديدة.
ولم تحدد رويترز في هذا التقرير توزيع العدد بين البلدين. لكن وزارة الدفاع التركية أوضحت لاحقًا، في إحاطة صحفية خلال ديسمبر/كانون الأول 2025، أن الخطة تقوم على أساس الحصول على 12 طائرة من قطر و12 من عُمان.
وهنا تبرز أهمية التمييز بين المسارين: الـ20 مقاتلة الجديدة هي جزء من الصفقة الموقعة مع بريطانيا، بينما الـ24 طائرة المستعملة تمثل مسارًا منفصلًا كانت تركيا تتفاوض بشأنه مع قطر وعُمان.
وفي حال اكتمال هذه الترتيبات، يمكن للطائرات المستعملة أن تؤدي دورًا انتقاليًا مهمًا، عبر توفير قدرة إضافية قبل بدء وصول المقاتلات الجديدة في عام 2030.
«تايفون» وF-16 وKAAN.. ثلاث طبقات للقوة الجوية التركية
لا تبدو «تايفون» في الحسابات التركية بديلًا مباشرًا عن F-16 أو مشروع KAAN، بل جزءًا من تصور أوسع لإدارة المرحلة الانتقالية في القوة الجوية.
فالـF-16 يمثل العمود الفقري الحالي للقوة الجوية التركية، وتحتاج أنقرة إلى الحفاظ على جاهزيته وقدراته القتالية في السنوات المقبلة.
في المقابل، تمثل KAAN الرهان التركي على بناء مقاتلة وطنية متقدمة، لكن المشروع لا يزال في مرحلة التطوير والاختبارات، ما يعني أن انتقاله إلى الإنتاج والتشغيل على نطاق واسع يحتاج إلى وقت.
أما “تايفون”، فتقدم لتركيا منصة جاهزة وذات قدرات متقدمة يمكن إدخالها إلى القوة الجوية خلال هذه المرحلة، لتعمل إلى جانب F-16 وتوفر قدرة إضافية إلى حين نضوج برنامج KAAN.
ومن هذه الزاوية، يمكن النظر إلى الصفقة باعتبارها جزءًا من عملية إعادة توازن تدريجية في القوة الجوية التركية، وليس مجرد صفقة لشراء مقاتلات جديدة.
ماذا تضيف «تايفون» إلى القوة الجوية التركية؟
أبرز ما تضيفه “تايفون” هو الجمع بين قدرات متقدمة في القتال الجوي، ومدى وقدرة على حمل أسلحة متنوعة، وإمكانية تنفيذ مهام متعددة ضمن منصة واحدة.
لكن الأهمية التركية لا تكمن في الطائرة وحدها؛ فالحصول على مقاتلات جديدة يعني أيضًا الوصول إلى منظومة تدريب وتسليح ودعم وصيانة، وهي عناصر تؤثر بصورة مباشرة في القيمة العملياتية لأي مقاتلة.
كما أن إدخال صواريخ مثل Meteor ضمن حزمة التسليح يمنح الطيارين الأتراك قدرة متقدمة في الاشتباك الجوي بعيد المدى، في حين يوفر Brimstone خيارًا دقيقًا لمهاجمة الأهداف الأرضية.
وبالتالي، فإن القيمة الحقيقية للبرنامج تتجاوز عدد الطائرات، لتشمل بناء قدرة تشغيلية متكاملة حول المقاتلة.
الخلاصة.. جسر مؤقت أم إعادة تشكيل للقوة الجوية؟
يبدو أن أنقرة لا تتعامل مع “تايفون” باعتبارها حلًا منفردًا لمستقبل قوتها الجوية، بل باعتبارها إحدى حلقات الانتقال بين الحاضر والمستقبل.
فالـF-16 يبقى أساس القوة الجوية الحالية، وKAAN تمثل الطموح التركي للمستقبل، بينما توفر “تايفون” قدرة متقدمة يمكن أن تسد جزءًا من الفجوة خلال السنوات التي تفصل بين الاثنين.
لكن السؤال الأهم يبقى: هل ستظل “تايفون” مجرد جسر مؤقت إلى حين دخول KAAN مرحلة الإنتاج والتشغيل الواسع؟ أم ستتحول إلى مكوّن طويل الأمد في القوة الجوية التركية؟
والإجابة تتوقف على سرعة برنامج KAAN، وحجم أسطول “تايفون” الذي ستتمكن أنقرة من بنائه، ومدى قدرتها على دمج هذه المنصات المختلفة ضمن منظومة جوية واحدة.
وفي كل الأحوال، فإن بدء التدريب الفعلي للطيارين في 7 سبتمبر/أيلول يمثل أكثر من مجرد خطوة تدريبية؛ فهو إشارة إلى أن تركيا بدأت بالفعل بناء القوة البشرية والتشغيلية اللازمة لاستقبال مقاتلة أوروبية جديدة، في وقت تعيد فيه رسم ملامح قوتها الجوية للسنوات المقبلة.






