3 خيارات تضع سلاح الجو المصري أمام معضلة التنويع.. “رافال” أم “إف-16 فايبر” أم “جيه-10 سي”؟

العقيد الركن م. ظافر مراد

لماذا تبدو القاهرة وكأنها لا تريد المراهنة على حصان واحد؟ سؤال يفتح بابًا لتحليل العقيدة المصرية نفسها: التهديد، والجغرافيا، والاستقلالية السياسية، والقدرة على إبقاء أكثر من باب مفتوح وأكثر من خيار متاح.

لم تعد مسألة تحديث القوة الجوية المصرية مجرد بحث عن مقاتلة جديدة تُضاف إلى الأسطول الجوي. فالقاهرة تقف أمام سؤال أكبر: كيف تبني قوة جوية قادرة على العمل عبر جغرافيا شديدة الاتساع، في بيئة تهديد متعددة الاتجاهات، من دون أن تصبح أسيرة مصدر تسليح واحد؟

تمتلك مصر بالفعل مزيجًا غير تقليدي من الطائرات الأمريكية والفرنسية والروسية، في مقدمتها أسطول إف-16 (F-16) الكبير و54 مقاتلة رافال (Rafale)، بعد دخول عقد الـ30 طائرة الإضافية حيز التنفيذ عام 2021 ورفعه العدد الإجمالي إلى 54. غير أن المعادلة بدأت تتغير. ففي سبتمبر/أيلول 2026، أظهر التدريب المصري الصيني المشترك “نسور الحضارة 2026” (Eagles of Civilization 2026) حضورًا جويًا صينيًا أوسع من السابق، شمل مقاتلات جيه-10 سي (J-10C) وجيه-16 (J-16) وطائرات إنذار مبكر وتزويد بالوقود، ما يشير إلى أن بكين تدفع بقوة نحو أن تصبح موردًا رئيسيًا للقوة الجوية المصرية خارج المنظومة الغربية.


3 خيارات، وكل منها يحل مشكلة ويخلق أخرى


تتوزع توجهات مصر في تعزيز قدراتها الجوية على ثلاثة خيارات.


رافال: تعميق قدرة قائمة بدل بناء منظومة جديدة
تمثل رافال القوة النوعية، وتمنح مصر مقاتلة متعددة المهام برادار المصفوفة الإلكترونية النشطة (AESA) وقدرات حرب إلكترونية وتسليحًا بعيد المدى، ضمن منظومة أثبتت القاهرة قدرتها على تشغيلها ودمجها. كما أن امتلاك 54 طائرة منها يعني أن التوسع إلى عدد أكبر لا يبدأ من الصفر، إذ توجد بنية تدريب وصيانة وتشغيل وذخائر وخبرة بشرية قائمة.
ولذلك، فإن شراء رافال إضافية، إن تأكد، سيكون أقرب إلى تعميق قدرة موجودة منه إلى إدخال منظومة جديدة بالكامل. وتكتسب هذه النقطة أهمية في بيئة عمليات مصرية تمتد من المتوسط إلى ليبيا، ومن البحر الأحمر إلى السودان والقرن الأفريقي، فضلًا عن سيناء والعمق المصري، حيث تتفوق رافال بعض الشيء في المدى القتالي على منافستيها (قد يصل نصف قطر القتال إلى نحو 1500 كلم مع خزانات إضافية).

إف-16 فايبر
طائرة مقاتلة من طراز “إف-16 فايبر”


إف-16 فايبر: صاروخ يتقدم على المنصة
تشغّل مصر عددًا كبيرًا من مقاتلات إف-16، وتمنح فايبر (Viper) سلاحَ الجو المصري قفزة نوعية في الوعي الميداني والقدرة على الاشتباك، بفضل رادار المصفوفة الإلكترونية النشطة وأنظمة الاستشعار والربط الشبكي المتقدمة. وتعزز المقاتلة قدرات الضربات الدقيقة والدفاع الجوي ومواجهة الأهداف الجوية والبرية ضمن بيئة عمليات معقدة، كما تتيح لمصر تطوير أسطول إف-16 القائم ضمن منظومة واحدة، مع الحفاظ على قاعدة تشغيل وصيانة وخبرة بشرية متراكمة.
غير أن ما يميزها عن نظيرتيها الفرنسية والصينية هو أن قيمة الصاروخ تتقدم على قيمة الطائرة نفسها. فإذا ارتبطت فايبر بتسليح مثل صاروخي إيه آي إم-120 أمرام (AIM-120 AMRAAM) وإيه آي إم-9 إكس (AIM-9X) وذخائر جيه دي إيه إم (JDAM) وإس دي بي (SDB)، فإن التحول يشمل منظومة الاشتباك كاملة. وفي هذا الخيار، تكون مصر قد فضّلت القدرة على الاشتباك من المدى الأبعد على المدى العملياتي لطيران الطائرة، إضافة إلى استخدام ذخائر نوعية أشد تدميرًا.


جيه10 سي: هامش سياسي أوسع مقابل سلسلة لوجستية رابعة
تقدم الصين لمصر ما لا تقدمه واشنطن بالطريقة نفسها: مصدر تسليح إضافيًا خارج الغرب، مع قدرة على التفاوض بعيدًا عن بعض القيود السياسية والتصديرية الغربية. لكن ذلك يعني إنشاء منظومة جديدة من التدريب والصيانة والذخائر وقطع الغيار والتسليح والبرمجيات. وبالتالي، فإن المسألة لا تتعلق بسعر الطائرة، بل بثمن إنشاء سلسلة لوجستية رابعة داخل قوة جوية متعددة المصادر أصلًا.
وفي المقابل، أظهرت مصر استعدادًا واضحًا لاختبار القدرات الصينية ميدانيًا عبر التدريبات المشتركة، لا مجرد عرضها على أرض معرض.

4 عوامل تفرض التعدد وتعقّد الاختيار

تضع أربعة عوامل حاسمة القاهرة أمام تعدد الخيارات:

  • الجغرافيا: مصر ليست دولة ذات محور تهديد واحد، فالمسافات بين المتوسط وليبيا والبحر الأحمر والسودان والقرن الأفريقي تفرض قوة جوية ذات مدى وقدرة على الانتشار والاستدامة.
  • طبيعة التهديد: تحتاج مصر في الوقت نفسه إلى الدفاع الجوي والاعتراض الجوي والضربات الدقيقة والاستطلاع والحرب الإلكترونية، إلى جانب القدرة على العمل بعيدًا عن القواعد الرئيسية.
  • الاستقلالية الاستراتيجية: أظهرت تجربة القاهرة مع موسكو وواشنطن خلال العقد الماضي أن صفقة السلاح لا تنفصل عن السياسة، ولذلك يمكن أن يتحول تعدد الموردين إلى أداة لتوسيع هامش القرار المصري ومنحه مزيدًا من الحرية والاستقلالية.
  • الكتلة مقابل النوعية: تحتاج مصر إلى عدد كبير من الطائرات، لكنها تحتاج أيضًا إلى نسبة متزايدة من الطائرات الحديثة القادرة على خوض القتال الشبكي بعيد المدى.

أي خيار يناسب القاهرة، وأي مشكلة لا تحتمل الانتظار؟

إذن، ما الخيار الأنسب للقوات الجوية المصرية؟ فكل خيار من الثلاثة يحل مشكلة معينة، لكن ما المشكلة الأخطر التي تستدعي ردًا وتدخلًا عاجلين؟

وبحسب موقع ميليتري أفريكا (Military Africa)، طلبت مصر شراء طائرات إف-16 فايبر. وإن صح ذلك، فإن مصر تكون قد اختارت التفوق في الاشتباك الجوي، برصد التهديد باكرًا والقدرة على التعامل معه من مسافة بعيدة ضمن منظومة كشف وقيادة وسيطرة متطورة ومتفوقة، ولو أدى ذلك إلى كلفة عالية.

ومع ذلك كله، وفي طريقها إلى بناء قوة جوية متعددة المصادر بقيادة وعقيدة تشغيل واحدة، لا تزال مصر تبحث في استراتيجيتها الدفاعية عن مزيد من القرار السياسي المستقل، وعن مساحة أوسع من التعاون العسكري، وعن قدرات متنوعة ومتعددة المصادر. وتتمكن من خلالها من التعامل لا مع المخاطر والتهديدات الأمنية والعسكرية فحسب، بل أيضًا مع الغموض وعدم اليقين في دبلوماسية اللاعبين الدوليين المؤثرين في المنطقة وسياستهم الخارجية.