خاص – Defense Arabia
وافقت وزارة الخارجية الأميركية في 17 سبتمبر/أيلول 2026 على بيع عسكري محتمل للسعودية يشمل 48 مقاتلة من طراز F-35A و49 محركًا من طراز F135-PW-100، بقيمة تقديرية تبلغ 24.3 مليار دولار. لكن أهمية القرار تتجاوز عدد الطائرات وقيمة الصفقة: فإذا اكتملت، ستكون السعودية أول دولة عربية تشغّل F-35، في تحول يعيد رسم أحد أكثر القيود حساسية في سياسة تصدير السلاح الأميركي إلى الشرق الأوسط.
ولا تزال الصفقة في مرحلة البيع المحتمل. فقد أُخطر بها الكونغرس الأميركي، وتخضع للمراجعة وفق إجراءات مبيعات الأسلحة الخارجية، ولم تتحول بعد إلى عقد نهائي. كما أن الانتقال من الموافقة إلى تسليم الطائرات ثم تحقيق قدرة تشغيلية كاملة يستغرق عادة سنوات.

QME.. الحاجز الذي ظل قائمًا أمام مقاتلات F-35
لفهم أهمية القرار، يجب العودة إلى مبدأ الأفضلية النوعية العسكرية الإسرائيلية (QME).
في عام 2008، عدّل الكونغرس الأميركي قانون مراقبة تصدير الأسلحة بحيث تُلزم الإدارة الأميركية بالتأكد من أن أي صفقة تسليح للشرق الأوسط لا تضر بالتفوق العسكري النوعي لإسرائيل. ومنذ ذلك الحين، أصبح أي قرار بتصدير قدرات متقدمة إلى دول المنطقة خاضعًا لهذا الاعتبار.
وكانت F-35 من أكثر الأنظمة حساسية في هذا السياق. ففي عام 2020، أثارت إسرائيل اعتراضات على احتمال بيع المقاتلة للإمارات بعد اتفاق التطبيع بين أبوظبي وإسرائيل، كما ظهرت اعتراضات مماثلة على مساعٍ قطرية للحصول عليها. وظلت إسرائيل حتى الآن الدولة الوحيدة في الشرق الأوسط التي تشغّل F-35.
الرئيس الأميركي دونالد ترامب أعلن في 17 نوفمبر/تشرين الثاني 2025، قبل يوم واحد من زيارة ولي العهد السعودي إلى البيت الأبيض، أنه سيوافق على بيع F-35 للسعودية. وبعد أكثر من عشرة أشهر، جاءت الموافقة الرسمية من وزارة الخارجية.
واللافت في إخطار الوزارة إلى الكونغرس تأكيدها أن البيع المقترح “لن يغيّر التوازن العسكري في المنطقة”، وهي الصياغة التي تعكس محاولة مواءمة الصفقة مع الالتزام الأميركي بالحفاظ على الأفضلية النوعية الإسرائيلية.
لكن دخول السعودية نادي مشغلي F-35 سيظل، بحد ذاته، تحولًا مهمًا في خريطة تشغيل المقاتلة في المنطقة.
لماذا تحتاج السعودية إلى مقاتلات F-35؟
تقول وزارة الخارجية الأميركية إن الصفقة ستعزز قدرة السعودية على ردع التهديدات الحالية والمستقبلية، وتحسين الدفاع عن أراضيها، ورفع مستوى قابلية التشغيل البيني مع القوات الأميركية والإقليمية وقوات الناتو.
وتأتي الصفقة في بيئة أمنية إقليمية لا تزال شديدة التوتر، مع استمرار التهديدات المرتبطة بإيران والحوثيين، بما في ذلك استخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة ضد أهداف في المنطقة.
لكن F-35 لا تُصمم أساسًا كمنصة لمواجهة كل هذه التهديدات بالطريقة نفسها.
أحد أهم عناصر قيمتها العسكرية هو قدرتها على العمل في بيئات تفرضها أنظمة دفاع جوي متطورة، بفضل الجمع بين التخفي وأجهزة الاستشعار ودمج البيانات والحرب الإلكترونية. وهذا يجعلها ذات صلة خاصة بالسيناريوهات التي تواجه فيها القوات السعودية دفاعات جوية متقدمة، وليس فقط التهديدات الأقل تعقيدًا مثل الطائرات المسيّرة والصواريخ الحوثية.
لذلك، تبدو الصفقة أقرب إلى استثمار في قدرة ردع بعيدة المدى منها إلى حل مباشر لمشكلة الدفاع ضد الهجمات منخفضة التكلفة.
كما أن امتلاك F-35 لا يعني تلقائيًا تحقيق الردع. فالجاهزية، والقيادة والسيطرة، والتدريب، والدعم اللوجستي، والدفاع الجوي، والقدرة على الاستمرار في العمليات، كلها تحدد مقدار القوة التي يمكن استخراجها من الأسطول.
مقاتلات F-35 ليست مجرد مقاتلة شبحية
تجمع المقاتلة بين التخفي، والرادار AN/APG-81 ذي المسح الإلكتروني النشط، ونظام Distributed Aperture System، ونظام Electro-Optical Targeting System، إلى جانب قدرات الاتصالات والحرب الإلكترونية ودمج البيانات.
والنتيجة ليست مجرد مجموعة من أجهزة الاستشعار، بل صورة موحدة عن ساحة المعركة تُعرض للطيار وتُشارك مع منصات أخرى.
وهنا تتغير طريقة النظر إلى الصفقة.
فالقيمة العسكرية لـ48 طائرة لا تكمن فقط في عدد المقاتلات التي يمكنها تنفيذ مهام قتالية، وإنما في قدرة السعودية على إدخالها ضمن شبكة أوسع تضم مقاتلات أخرى، وطائرات مسيّرة، وأنظمة استشعار، وقيادة وسيطرة، ودفاعات جوية.
بمعنى آخر، F-35 هي جزء من منظومة أكثر من كونها منظومة مكتفية بذاتها.
مقاتلات F-15
تمتلك المملكة أسطولًا كبيرًا من مقاتلات F-15، بما في ذلك F-15SA المزودة برادار AESA ومنظومة حرب إلكترونية رقمية ونظام بحث وتتبع بالأشعة تحت الحمراء وقمرة قيادة متقدمة.
ولهذا، لا تبدو صفقة F-35 كبديل مباشر لـF-15، بل كإضافة إلى بنية القوة الجوية السعودية.
يمكن نظريًا توزيع الأدوار بين مقاتلات الجيل الرابع المطوّر ومقاتلات الجيل الخامس وفق طبيعة المهمة. فقد تؤدي F-15 عددًا كبيرًا من المهام التقليدية، بينما تُستخدم F-35 في المهام التي تتطلب مستوى أعلى من التخفي والاستشعار والقدرة على العمل في بيئات دفاعية أكثر تعقيدًا.
لكن هذا يبقى تحليلًا للقدرات، وليس وصفًا لعقيدة تشغيلية سعودية معلنة. ولا توجد حتى الآن في المصادر المفتوحة خطة سعودية تحدد بالتفصيل كيفية توزيع المهام بين الأسطولين.
التحدي الحقيقي يبدأ بعد استلام الطائرات
تقرير مكتب المحاسبة الحكومية الأميركي GAO الصادر في يونيو/حزيران 2026 يوضح حجم تحديات الجاهزية التي لا يزال برنامج F-35 الأميركي يواجهها. فقد انخفض معدل الجاهزية لتنفيذ مهمة واحدة على مستوى أسطول F-35 الأميركي من 67% في السنة المالية 2021 إلى 44% في السنة المالية 2025، بينما تراجع معدل الجاهزية الكاملة من 38% إلى 25% خلال الفترة نفسها.
ويشير التقرير إلى نقص قطع الغيار ومحدودية القدرة الصناعية على تلبية الطلب باعتبارهما من العوامل التي تؤثر في جاهزية الطائرات.
ولا تعني هذه الأرقام أن السعودية ستواجه بالضرورة المستويات نفسها من الجاهزية، فظروف التشغيل وبنية الصيانة والدعم تختلف من مشغل إلى آخر. لكنها توضح أن امتلاك F-35 يتطلب أكثر من شراء الطائرات والمحركات.
السعودية ستحتاج إلى تدريب أطقم الطيران والفنيين، وبناء بنية تحتية مناسبة، وتأمين قطع الغيار والدعم، وإنشاء منظومة صيانة قادرة على الحفاظ على الطائرات في الخدمة، إضافة إلى تطوير إجراءات تشغيل وقيادة وسيطرة تتناسب مع طبيعة المقاتلة.
وهذه منظومة تُبنى على سنوات، لا عند توقيع العقد.
القيمة الحقيقية ليست في الـ48
فالطائرات جزء من حزمة أوسع تشمل المحركات والمعدات والدعم والخدمات المرتبطة بالبرنامج. والأهم أن القيمة العسكرية النهائية ستتحدد بمدى قدرة السعودية على الحفاظ على جاهزية الأسطول ودمجه مع القوة الجوية وشبكات الاستشعار والقيادة والسيطرة القائمة.
إذا اكتملت الصفقة، فإن السعودية لن تحصل ببساطة على 48 مقاتلة شبحية جديدة. ستحتاج إلى بناء منظومة كاملة حولها.
وهنا يكمن الفارق بين امتلاك F-35 وامتلاك قدرة F-35.
فالـ48 طائرة تحدد حجم الأسطول الذي قد تحصل عليه المملكة، لكن الجاهزية والإسناد والتكامل الشبكي والعقيدة التشغيلية هي التي ستحدد حجم القدرة العسكرية التي تستطيع السعودية استخراجها من هذا الأسطول على المدى الطويل.




