نشرت جماعة الحوثيين في 16 سبتمبر/أيلول مقطع فيديو قالت إنه يوثّق إصابة طائرة F-15 وسقوطها، وعرضت لاحقاً حطاماً يتضمن جزءاً من الذيل يحمل العلم السعودي ورقماً تسلسلياً. أكدت وكالة “رويترز” (Reuters) أن الفيديو موجود فعلاً وأن الحطام يبدو متسقاً عبر عدة لقطات، لكنها شددت في الوقت نفسه على تعذّر التحقق المستقل من مكان التصوير وتاريخه الدقيقين، إضافة إلى عدم عثورها على أي نسخة أقدم للفيديو نُشرت قبل 16 سبتمبر/أيلول.
نقلت صحيفة “وول ستريت جورنال” (The Wall Street Journal) عن مصدرين مطلعين على الحادثة تأكيدهما إسقاط طائرة سعودية فعلياً. وحدد موقع “ذا وور زون” (The War Zone) المتخصص هوية الطائرة استناداً إلى الرقم التسلسلي الظاهر على ذيلها (5539) وانتسابها إلى السرب 55 المتمركز في قاعدة الملك خالد الجوية، مرجحاً أنها من طراز F-15SR، وهو البرنامج المحلي الذي طوّر طائرات F-15S الأقدم إلى مستوى قريب من طراز F-15SA الأحدث. ويبقى هذا التحديد صحفياً لا رسمياً، إذ لم تؤكده أي جهة سعودية أو أميركية حتى الآن. لذلك، تبقى الصياغة الأكثر دقة في هذه المرحلة كالتالي: حادث الإسقاط مرجّح بقوة، فيما لا تزال تفاصيل الاشتباك ونوع السلاح المستخدم غير معلنة رسمياً.
لغز السلاح: من “صديد” الإيراني إلى إرث الصواريخ الروسية المحوّلة
تكمن المعلومة الأكثر حساسية في طبيعة الاشتباك نفسه، لا في تفاصيل الطائرة. وأعلن الحوثيون استخدام “صاروخ محلي الصنع” دون تسمية المنظومة أو تحديد وقت الاشتباك بدقة. ورجّح تحليل نشره مواقع متخصصة أن منظومة التتبع الظاهرة في الفيديو قد تكون مستشعراً كهروبصرياً إيرانياً من طراز “صديد” (Sadid)، مزوداً بمقياس مسافة ليزري، وهو ما يستبعد عدداً من الصواريخ قصيرة المدى، ويرجّح في المقابل صاروخي “برق-1″ (Barq-1) و”برق-2” (Barq-2) المتوسطي المدى المستندين إلى تقنية “طائر” (Ta’er) الإيرانية، فيما يبقى صاروخ “ثاقب-2” (Thaqib-2) خياراً أقل ترجيحاً. ولا يعني هذا الترجيح تأكيداً قاطعاً لهوية السلاح، بل يبقى تحليلاً مبنياً على قراءة بصرية للفيديو المتاح، ينتظر تدقيقاً إضافياً عند ظهور حطام أوضح. وهنا تبرز نقطة تستحق الانتباه: يمتلك الحوثيون سجلاً موثقاً في إعادة استخدام صواريخ جو-جو روسية وتحويلها إلى صواريخ أرض-جو.
صواريخ “ثاقب-1″ و”ثاقب-2″ و”ثاقب-3” هي في الأصل صواريخ روسية من طرازات R-73 وR-27 وR-77، واستخدمت الجماعة أيضاً صواريخ جو-جو معدلة أخرى ضد أهداف جوية خلال سنوات الحرب. وبالتالي، يبقى احتمال وجود أصل روسي أو إيراني في سلسلة السلاح المستخدم قائماً بقوة استناداً إلى هذه السوابق الموثقة، إلا أنه لا توجد حتى الآن أدلة علنية قاطعة تحدد بدقة الصاروخ الذي أصاب الطائرة في حادثة مأرب تحديداً.

كيف اخترق التهديد منظومة الدفاع الإلكتروني لطائرة F-15؟
ويبقى السؤال الأكثر إثارة للاهتمام: كيف أمكن إسقاط مقاتلة من عائلة F-15 السعودية المتقدمة رغم تجهيزها أصلاً بمنظومة دفاع إلكتروني حديثة؟
تحمل طائرات F-15SA وF-15SR منظومات حرب إلكترونية وتحذير من الصواريخ، من بينها منظومة الحرب الإلكترونية الرقمية AN/ALQ-239 (المعروفة اختصاراً بـDEWS) ومنظومة التحذير المشتركة من الصواريخ AN/AAR-57 (المعروفة اختصاراً بـCMWS). وتوفر هذه المنظومات، وفق وصفها التقني المعلن، قدرة على كشف التهديدات وتحذير الطيار ودمج وسائل الحماية الإلكترونية، فيما تعتمد منظومة CMWS مستشعرات كهروبصرية لاكتشاف الصواريخ وتعمل مع وسائل الخداع الحراري (Flares) وغيرها من وسائل الحماية. غير أن وجود نظام تحذير لا يعني تحصين الطائرة بالكامل، إذ يتعين على المنظومة أولاً أن تكتشف التهديد، ثم تحدد طبيعته، ثم تمنح الطيار زمناً كافياً للاستجابة.
وإذا كان السلاح المستخدم كهروبصرياً بدل الراداري، أو جاء من زاوية أو ظروف تقلّص زمن الإنذار، أو تمكنت منظومة الدفاع الجوي من الحفاظ على تتبع مستقر حتى مرحلة الاقتراب، فإن هامش المناورة ينخفض بصورة كبيرة. وربما اجتمع أكثر من سبب واحد في هذه الحادثة، وهو ما أنتج، إذا صحت الوقائع بالكامل، نجاح سلسلة اشتباك كاملة: كشف، فتتبع، فإطلاق، فمتابعة توجيه، فإصابة، في مقابل سلسلة دفاعية كان عليها أن تكسر حلقة واحدة فقط من هذه الحلقات ولم تفعل.
تطور صامت في شبكة الدفاع الجوي الحوثية
وتستحق هنا الإشارة إلى الفرضية الأكثر أهمية عسكرياً، وهي تطور منظومة الدفاع الجوي لدى الحوثيين. ولا تكمن المفاجأة في امتلاك الحوثيين صاروخاً سرياً خارقاً، فالحرب الحديثة لا تُحسم دائماً بمواصفات الصاروخ وحده، بل بقدرة شبكة الدفاع على دمج الرصد والاستشعار والقرار والتوجيه والإطلاق في التوقيت المناسب. وأثبت الحوثيون خلال السنوات الماضية قدرتهم على استخدام خليط من صواريخ أرض-جو قديمة، وصواريخ جو-جو روسية معدلة، وأنظمة إيرانية أو ذات منشأ إيراني، ومنظومات محلية الصنع أو مجمّعة محلياً. لذلك، لا يحسم وصف السلاح بأنه محلي الصنع مسألة منشئه الحقيقي، إذ قد يكون تصميماً يمنياً، أو نسخة معدلة، أو تجميعاً محلياً لمكونات أجنبية، أو منظومة تعتمد على معرفة وتقنيات خارجية. ولا توجد حتى الآن أدلة موثوقة تسمح بالقول إن السلاح صيني تحديداً أو روسي تحديداً أو إيراني بالكامل، وتبقى هذه النقطة مفتوحة إلى حين ظهور حطام تفصيلي أو صور للباحث ورأس الصاروخ الحربي والمحرك ومنظومة التوجيه.
ما بعد مأرب: هل يتغيّر نمط عمل سلاح الجو السعودي؟
أما ما ينتظر سلاح الجو السعودي في اليمن، فهو أخطر من خسارة طائرة واحدة. فإذا تأكدت صحة الحادثة، تتجاوز تداعياتها العملياتية سقوط الطائرة نفسها، لأنها تعني احتمال اضطرار سلاح الجو السعودي إلى تغيير نمط عمله فوق مناطق الحوثيين. ويشمل ذلك توسيع استخدام الحرب الإلكترونية، واعتماد مسافات إطلاق أبعد، وتعقيد عمليات تحييد الدفاعات الجوية الحوثية، وإشراك طائرات استطلاع وإنذار مبكر في العملية الجوية، وتشديد إجراءات الحماية للمقاتلات المنفذة للضربات.
ولا يعني هذا انهيار التفوق الجوي السعودي أو تراجعه، فالواقعة، حتى إذا تأكدت بالكامل، تثبت نجاح اشتباك واحد لا انهيار منظومة كاملة. ويبقى التكيف وتطوير أساليب وتكتيكات ووسائل العمليات الجوية ضمن متطلبات المعركة الحديثة. وفي هذا السياق، تُقرأ رسالة استراتيجية واحدة: يمثل التفوق في الحرب امتيازاً مرحلياً، فحين تُكتشف أسراره ونقاط قوته وضعفه، ينتهي. لذلك، يبقى التكيف والاستجابة السريعة لأي متغير سرّ النصر واستعادة زمام المبادرة.
تقرير: العقيد الركن م. ظافر مراد




