العقيد الركن م ظافر مراد. تحليل استراتيجي
بدأت دمشق تواجه اختباراً حاسماً على طريق بناء الدولة والعودة إلى الإستقرار الأمني وفرض السيطرة على كامل الاراضي السورية، وفي هذا الشأن، تعتبر مسألة إعادة بناء قدرات الجيش السوري، من أكثر القضايا تعقيداً، والمسألة لا تتعلق فقط ببناء قدرات هذا الجيش وإعادة تنظيمه كي يتماثل مع جيوش دول المنطقة، بل هي مرتبطة بسؤال أساسي يؤسس لخارطة طريق لإعادة تنظيم وتدريب وتسليح هذا الجيش، فهل تستطيع الحكومة السورية الحالية تحويل قواتها الجديدة إلى مؤسسة عسكرية موحّدة، ثم توظيفها في ترتيبات الأمن الإقليمي من دون الانجرار إلى حرب جديدة؟

أفادت وكالة “رويترز” في 7 تشرين الأول/أكتوبر، بأن سوريا تدرس خيارات لتقديم مساعدة عسكرية للسعودية في مواجهة هجمات الحوثيين، تشمل الدعم الدفاعي واحتمال إرسال قوات. لكن دمشق نفت في اليوم التالي أن تكون قد قررت الانضمام إلى الحرب في اليمن، وأكدت أن أولويتها هي إعادة بناء الدولة وأن أي تعاون عسكري سيجري عبر القنوات الرسمية والاتفاقات الثنائية. وهذا يعني أن البحث في التعاون العسكري قائم بحسب المصادر، بينما لا يوجد إعلان رسمي يثبت قرار نشر قوات سورية في اليمن.
هذه التطورات تفتح خمسة أسئلة مترابطة حول مستقبل المؤسسة العسكرية السورية.
- كيف يرفع الجيش السوري قدراته العملياتية؟
تواجه وزارة الدفاع مهمة بناء جيش من تشكيلات مسلحة كانت تعمل ضمن فصائل مختلفة، مع دمج القوات وإعادة تنظيم القيادة والتدريب والانضباط. وأشارت “الجزيرة” في 4 كانون الثاني/يناير 2026 إلى أن تحديات إعادة بناء الجيش تشمل توحيد التشكيلات، وفحص المجندين، ودمج القوى المحلية، وتحديد مصير المعدات الروسية الموروثة.

عملياً، يتطلب رفع الجاهزية العمل على ستة مسارات:
- توحيد سلسلة القيادة والسيطرة والإدارة واللوجستية، وربط الوحدات بقيادة مركزية قابلة للمساءلة.
- بناء قدرات القوة الجوية.
- بناء قدرات القوة البحرية.
- تطوير التدريب المشترك بين المشاة والمدرعات والمدفعية والاستطلاع.
- بناء قدرات المراقبة والاستطلاع والاستخبارات، بما فيها الطائرات المسيّرة.
- تطوير الدفاع الجوي وحماية المنشآت والقواعد الحيوية.
هذه أولويات لبناء القوة وليست دليلاً على أن دمشق أنجزتها جميعاً، فالاختبار الحقيقي هو قدرة الجيش على تنفيذ عمليات منسقة، والمحافظة على الإمداد والقيادة، واحتواء التوترات الداخلية من دون عودة التشكيلات المسلحة إلى العمل المستقل.
- هل روسيا هي الحل؟
دخلت العلاقة الروسية السورية مرحلة جديدة مختلفة، ففي 9 آب/أغسطس 2026، أعلنت وكالة الأنباء السورية “سانا” التوصل إلى مذكرة تفاهم لإعادة تنظيم الوجود الروسي، تتضمن نقل إدارة منشآت مدنية إلى الدولة السورية وتحويل القواعد العسكرية الروسية إلى مراكز تدريب وتأهيل مشتركة وفق الترتيبات الجديدة.

روسيا تملك خبرة متراكمة في تشغيل المعدات التي اعتمد عليها الجيش السوري لعقود، كما تستطيع تقديم خدمات الصيانة والتدريب وقطع الغيار. لذلك، فإن قطع العلاقة التقنية معها بصورة مفاجئة قد يفرض أعباء مالية وعملياتية كبيرة، لكن الاعتماد عليها وحدها يحمل مخاطر واضحة، وتعني استمرار الارتباط بمنظومات تسليح قديمة، وتقييد خيارات التحديث، ومنح موسكو نفوذاً على قرارات دمشق الأمنية؛ وفي المقابل، فإن التوجه نحو الولايات المتحدة وتركيا ودول الخليج يفتح مسارات بديلة للتدريب والتجهيز، لكنه يحتاج إلى تمويل واتفاقات ونظم متوافقة، وفي القراءة الاستراتيجية، تجد أن روسيا قد تكون جزءاً من الحل التقني، لكنها لا تستطيع وحدها تمويل وإعادة بناء جيش سوري حديث، ولا ينبغي الخلط بين استمرار التعاون العسكري وبين العودة إلى علاقة التحالف السابقة.
- من سيدفع فاتورة إعادة بناء الجيش؟
لا توجد، في المعلومات المتاحة التي استند إليها هذا التقرير، ميزانية معلنة ومتكاملة لإعادة بناء الجيش السوري، ولا تعهّد موثّق بتغطية كامل تكاليفه من دولة واحدة. لكن يمكن تحديد الجهات التي قد تؤثر في التمويل والتجهيز:
- السعودية ودول الخليج: يمكن أن توفر الدعم المالي أو المعدات أو التدريب، خصوصاً في إطار توسيع التعاون الأمني مع دمشق، وأفادت رويترز في 7 تشرين الأول/أكتوبر بأن زيادة المساعدة السعودية لسوريا قد تكون إحدى النتائج المحتملة لتعاون عسكري أوسع، لكن ذلك لا يثبت تخصيص ميزانية خليجية محددة لتسليح الجيش السوري، لا سيما في ظروف التوتر في المنطقة والحرب مع الحوثيين.
- تركيا: تستطيع المساهمة في التدريب والاستشارات الفنية والتعاون الدفاعي. وأشارت “الجزيرة” إلى اتفاق دفاعي ثنائي مع سوريا لتقديم التدريب والدعم الفني والاستشاري. وتبقى قيمة هذا المسار مرتبطة بنطاق الاتفاق وشروط تنفيذه.
- روسيا: يمكن أن تقدم قطع الغيار والصيانة والتدريب، وربما معدات إضافية ضمن اتفاقات جديدة. لكن طبيعة العلاقة المالية والعسكرية الجديدة لا تسمح بافتراض أن موسكو ستقدم السلاح مجاناً أو تتحمل تكاليف إعادة البناء.
- الولايات المتحدة والشركاء الغربيون: قد يكون الدعم في مجالات الاستخبارات والاستطلاع ومكافحة تنظيم “داعش” والتدريب أكثر واقعية في بعض المسارات من تمويل إعادة تسليح شامل. ويتوقف ذلك على القرارات السياسية، والقيود القانونية، وشروط التصدير والتعاون الأمني.
المشكلة ليست في شراء السلاح وحده. فكل دبابة أو منظومة دفاع جوي تحتاج إلى ذخائر وصيانة وتدريب واتصالات ومخزون قطع غيار، ولذلك فإن بناء جيش قابل للاستمرار يتطلب تمويلاً متعدد السنوات، مرتبطاً بموازنة الدولة وقدرتها على دفع الرواتب وتغطية نفقات التشغيل.
- ما دور الجيش السوري في معادلة المنطقة؟
يكمن التحول الأكثر أهمية في احتمال انتقال سوريا من ساحة تتنافس فيها القوى الخارجية إلى دولة تشارك تدريجياً في ترتيبات الأمن الإقليمي، ما يفرض ثلاثة مسارات محتملة:
- المسار الدفاعي: حماية الحدود والمنشآت، ومكافحة التنظيمات المسلحة، وتطوير الدفاع الجوي ومراقبة المجال الوطني.
- المسار التعاوني: تبادل المعلومات والتدريب والتنسيق مع تركيا ودول الخليج والولايات المتحدة في ملفات محددة.
- المسار الإقليمي الأوسع: تقديم دعم عسكري لدولة شريكة أو المشاركة في ترتيبات دفاع جماعي، وهو المسار الأكثر حساسية لأنه يرفع احتمالات التورط في صراعات خارج الحدود.
يوضح التطور المرتبط بالسعودية واليمن هذا التدرج، فحتى لو اقتصر التعاون على التدريب أو الاستطلاع أو المساعدة الدفاعية، فإنه قد يمنح دمشق مكانة جديدة لدى شركائها، أما نشر قوات سورية في حرب خارجية، فيحمل مخاطر استنزاف الجيش قبل استكمال توحيده، فضلاً عن احتمال توتير العلاقات مع إيران وحلفائها، ومن الناحية العملياتية، لا تستطيع سوريا أن تتحول سريعاً إلى قوة إقليمية مؤثرة بمجرد إرسال وحدات إلى الخارج. قدرتها على حماية أراضيها، وضبط حدودها، وفرض سلطة الدولة، تبقى أساس أي دور إقليمي مستدام.
- هل ستنضم سوريا إلى “اتفاق مكة”؟
اتفاق الدفاع المشترك الذي أبرمته السعودية وتركيا وباكستان في مكة في 7 آب/أغسطس 2026 هو التطور الذي يستحق المتابعة هنا. وقد أفادت «رويترز» بتوقيع الاتفاق، فيما نقلت وكالة الأناضول في 21 آب/أغسطس عن وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني قوله إن دمشق لم تتخذ بعد قراراً بشأن الانضمام إلى هذا التحالف.

وفي تحليل نشره معهد الخليج العربي في واشنطن في 9 تشرين الأول/أكتوبر، طُرحت إمكانية انضمام سوريا وقطر إلى الاتفاق، مع الإشارة إلى أن توسيع العضوية قد يغيّر طبيعة التحالف ويزيد المخاطر المرتبطة بالتزاماته الأمنية، وهذا نقاش تحليلي، وليس إعلاناً عن قبول سوريا عضواً، فموقع سوريا وظروفها الجيوسياسية قد لا تناسب السياسة الخارجية لكل من تركيا وباكستان؛ أما ما ستكسبه دمشق من الانضمام، فهو الوصول إلى تعاون أوسع في التدريب والتخطيط والتنسيق الدفاعي، تعزيز علاقاتها مع السعودية وتركيا وباكستان، الاستفادة المحتملة من دعم مالي وتقني لتطوير مؤسساتها العسكرية. في المقابل، قد تواجه سوريا التزامات سياسية وعسكرية لا تتناسب مع مستوى جاهزية جيشها الحالي، أو تجد نفسها أمام ضغوط للمشاركة في مواجهات لا تتصل مباشرة بأمن الأراضي السورية، لذلك، فإن السؤال الحاسم ليس فقط ما إذا كانت سوريا ستنضم، بل ما إذا كانت ستنضم بقدرات عسكرية قابلة للاستخدام، وبالتزامات واضحة، وبما يحفظ لها حرية القرار.
في الخلاصة الإستراتيجية، سيتحدد مستقبل الجيش السوري بتوازن ثلاثة عناصر: وحدة المؤسسة العسكرية، والقدرة على تمويلها، ونوعية الشراكات الخارجية التي ستعتمد عليها. روسيا تستطيع المساعدة في معالجة جانب من الإرث التقني والتدريبي للسلاح الموجود حالياً، وتركيا تملك أدوات للتعاون العسكري، ودول الخليج تستطيع التأثير في التمويل، فيما قد تساهم الولايات المتحدة وشركاؤها في بعض مجالات الاستخبارات ومكافحة الإرهاب، لكن هذه المسارات لا تتطابق بالضرورة في أهدافها وشروطها.

أما “اتفاق مكة”، فقد يمثل فرصة لدمشق للحصول على موقع في منظومة تعاون دفاعي إقليمية، لكنه قد يفرض عليها أيضاً التزامات تتجاوز قدراتها الراهنة، إضافةً إلى وجود تعقيدات جيوسياسية قد يفقد الإتفاق قوته وجديته. وفي نهاية الخلاصة الإستراتيجية، يُطرح السؤال الاستراتيجي الأعمق: هل سيُبنى الجيش السوري لحماية الدولة وتوحيد قرارها العسكري أولاً، أم سيصبح جزءاً من ترتيبات إقليمية قبل أن يكتمل بناؤه؟ الإجابة ستحدد ما إذا كانت سوريا ستتحول إلى شريك أمني قادر على اتخاذ قراره، أم إلى طرف تتداخل عملية إعادة بناء جيشه مع مصالح

