سلاح الليزر من إسقاط المسيّرات إلى دور أساسي في الدفاع الجوي

بدأت القصة عندما ظهرت معضلة الإستنزاف للوسائط والصواريخ الإعتراضية ضد الهجمات الجوية، والتي ظهرت تداعياتها الكبيرة على قدرات الدفاع الجوي في أوكرانيا وفي منطقة الشرق الأوسط، منذ ذلك الحين بدأت الدول وشركات صناعة الأمن والدفاع تبحث عن بدائل للصواريخ الإعتراضية ذات الكلفة العالية، وكان الإتجاه نحو عدة خيارات، من ضمنها سلاح اللايزر، وهذا بالضبط ما اختارته الولايات المتحدة وبدأ بالعمل عليه، ليس فقط كسلاح تكميلي ذو دور ثانوي، بل كسلاح أساسي بتحويله إلى قدرة عسكرية فعلية يُعتمد عليها في مجالات عديدة.

في 2 أيلول/سبتمبر 2026، أعلن الجيش الأميركي منح شركة AeroVironment عقداً بقيمة 464.8 مليون دولار ضمن برنامج Enduring High Energy Laser – E-HEL لإنتاج أنظمة LOCUST X3.  ووفق الشركة، يمثل العقد أول عقد إنتاج لسلاح ليزر عالي الطاقة في تاريخ الجيش الأميركي، فيما أكدت Defense News أن الاتفاق يتضمن عشرات الأنظمة بقدرة تصل إلى 30 كيلوواط، مخصصة أساساً لمواجهة الطائرات المسيّرة من المجموعات الأولى حتى الثالثة، وبذلك يكون سلاح اللايزر قد انتقل من مرحلة إثبات الإمكانية إلى مرحلة بناء القدرة القتالية على نطاق واسع، فالسلاح الذي كان يُختبر على منصة واحدة أو اثنتين أصبح الآن أمام تحدي الإنتاج، والتكامل مع المركبات، وشبكات القيادة والسيطرة، والصيانة، وتوفير الطاقة، والعمل في ظروف ميدانية حقيقية.

ذكرت Janes أن نظام LOCUST X3  يستخدم ليزراً بقدرة تصل إلى 30 كيلوواط، مع إمكانية دمجه على منصات برية مختلفة، وأن الدفعات الأولى يُرجح أن ترتبط بمركبات  JLTV  أو Infantry Squad Vehicle  كما أشارت الشركة إلى خطط لرفع الإنتاج إلى عشرات الأنظمة سنوياً ثم زيادته خلال السنوات المقبلة، وهنا تظهر نقطة تقنية مهمة، حيث أن إستخدام سلاح ليزر لهذه الفعالية وبهذا القدر من الإستدامة والوفرة العددية والتوفير المادي،  يشكل خيارات هامة تحل جزءًا من معضلة كلفة الدفاع الجوي وإستدامته.

لا يحتاج  LOCUST X3  إلى مخزن وذخائر وسلسلة تصنيع وإمداد معقدة وتستغرق وقتاً؛ فـ”مخزونه” مرتبط بقدرة النظام على إنتاج الطاقة وتبريد مكوناته والحفاظ على الشعاع مركزاً على الهدف، وهذا يغير معادلة الدفاع الجوي بصورة جوهرية: بدلاً من إطلاق صاروخ اعتراض جديد لكل هدف، يصبح بالإمكان الاشتباك المتكرر مع أهداف متعددة طالما بقيت الطاقة والظروف التشغيلية متاحة.

في 31 آب/أغسطس 2026 أعلن الجيش الأميركي أن إحدى منظومات الليزر التابعة له تمكنت من إسقاط ثلاث طائرات مسيّرة معادية مرتبطة بعصابات تهريب على الحدود الجنوبية، وأوضح الجيش أن الطاقة الموجهة توفر إمكانية مواجهة المسيّرات بتكلفة اشتباك أقل بكثير من استخدام صواريخ اعتراضية باهظة الثمن، مع قدرة على التعامل مع هجمات أسراب المسيّرات، وهذا تحديداً السبب الذي يجعل سلاح الليزر خياراً جذاباً في مواجهة المسيّرات الرخيصة، وهذا ما يهم كافة الجيوش المنخرطة اليوم في حروب ومواجهات تقليدية وغير تقليدية، حيث أن هذا السلاح يؤمن معياري “إقتصاد الإشتباك” و “إدامة القدرة”.

لا تعني هذه الصورة أن الليزر أصبح بديلاً حاسماً للصاروخ، فمقابل نقاط القوة الواضحة، هناك أيضاً قيود فيزيائية وعملياتية. فهو يحتاج إلى خط رؤية مناسب، ويتأثر بالأحوال الجوية والغبار والدخان والرطوبة، كما أن عملية تدمير الهدف تحتاج إلى إبقاء الشعاع على نقطة مؤثرة من الهدف لفترة زمنية معينة، لذلك فإن قدرته على مواجهة مسيّرة صغيرة وبطيئة لا تعني تلقائياً قدرته على التعامل مع صاروخ كروز سريع أو هدف شديد السرعة وعالي المناورة، ولهذا تتجه الولايات المتحدة عملياً إلى بناء دفاع جوي متعدد الطبقات بدلاً من استبدال الصواريخ بالليزر.

أطلق الجيش الأميركي في تموز/يوليو 2026 اتفاقات ضمن برنامج Joint Laser Weapon System  بقيمة أولية بلغت 86 مليون دولار وسقف إجمالي يصل إلى 847 مليون دولار، بهدف نقل الطاقة الموجهة من مرحلة النماذج التجريبية إلى منظومات قابلة للإنتاج والانتشار، مع التركيز على مواجهة الطائرات المسيّرة وصواريخ كروز، واللافت أن LOCUST يتحرك أيضاً خارج السوق الأميركية. ففي 8 أيلول/سبتمبر أعلنت AeroVironment حصولها على أول طلب دولي مباشر لمنظومة LOCUST بقيمة تتجاوز 50 مليون دولار، من دون الكشف عن هوية الدولة المشترية. وهذا يعني أن الليزر بدأ يتحول من قدرة أميركية تجريبية إلى منتج يطرق باب السوق الدفاعية الدولية.

ستختبر الحروب المقبلة قدرة الدفاعات الجوية ليس فقط في اعتراض الطائرة أو الصاروخ، بل أيضاً في تحمل الكثافة والعدد والتنوع والتكرار في الهجمات، وإذا نجح الليزر في الجمع بين سرعة الاشتباك، وانخفاض تكلفة الطلقة، والقدرة على إعادة توليد “المخزون” من الطاقة، فقد يعيد تشكيل اقتصاد الدفاع الجوي كما أعادت المسيّرات تشكيل اقتصاد الهجوم.

تقرير العقيد ظافر مراد