الهند والغرب، صفقة بـ10.5 مليار دولار ماذا تكشف؟

ظافر مراد

تتحرك الهند نحو واحدة من أكبر صفقات النقل الجوي العسكري في تاريخها الحديث، مع طرح برنامج تقدر قيمته بنحو 10.5 مليار دولار لشراء 60 طائرة نقل عسكري متوسطة لصالح سلاح الجو الهندي. وذكرت مجلة Defense News بتاريخ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2026 أن المنافسة تدور أساساً بين الطائرة الأميركية C-130J-30 Super Hercules التي تنتجها Lockheed Martin، والطائرة البرازيلية C-390 Millennium من Embraer، ضمن خطة هندية لإحلال جزء من أسطول طائرات An-32 القديمة.

وتكتسب الصفقة أهمية إضافية بسبب الشروط الصناعية التي وضعتها نيودلهي، فقد أوضحت Defense News  في تقريرها المنشور في 7 أكتوبر 2026 أن الهند تشترط تحقيق نسبة لا تقل عن 40% من المحتوى المحلي، فيما تقترح Lockheed Martin تصنيع 48 طائرة من أصل 60 داخل الهند بالتعاون مع Tata Advanced Systems، بينما اختارت Embraer بالتعاون مع  Mahindra   موقعاً محتملاً في Nagpur لإنشاء خط إنتاج لطائرات C-390 في حال الفوز بالعقد.

المنافسة إذاً لا تدور فقط حول أي طائرة ستدخل الخدمة الهندية، وإنما حول أي شركة ستدخل بصورة أعمق إلى الصناعة الدفاعية الهندية، وهذا تفصيل استراتيجي مهم، لأن الهند خلال السنوات الأخيرة انتقلت تدريجياً من نموذج شراء المنظومات الأجنبية إلى محاولة الحصول معها على التكنولوجيا والإنتاج المحلي وسلاسل الإمداد والصيانة.

وتشير رويترز في تقرير نشرته في 1 أكتوبر/تشرين الأول 2026 إلى أن الإتفاق المحتمل بين  Embraer  وMahindra وإختيارهما مدينة Nagpur كموقع محتمل لإنشاء خط تجميع لطائرات  C-390، يعكس طبيعة المنافسة الصناعية المرتبطة بالصفقة، أما عرض Lockheed Martin فيتضمن تصنيع غالبية الطائرات داخل الهند، إضافة إلى تحديث أسطول الهند الحالي من  C-130J.

السؤال الأهم هنا ليس قيمة الصفقة، وإنما ماذا تخبرنا هذه الصفقة عن الاتجاه الاستراتيجي للهند؟

خلال العقد الأخير، توسعت العلاقات الدفاعية الهندية مع الولايات المتحدة بصورة كبيرة، وذكرت Defense News  في 4 فبراير/شباط 2026 أن حجم التجارة الدفاعية بين الهند والولايات المتحدة ارتفع إلى نحو 20 مليار دولار، بعدما كان التعاون الدفاعي بين البلدين محدوداً نسبياً قبل نحو 15 عاماً، وفي المقابل، تراجعت حصة روسيا من التجارة الدفاعية مع الهند بصورة واضحة.

لكن هذا التحول لا يعني أن الهند قررت التخلي عن موسكو، فقد أكدت وزارة الدفاع الهندية في بيان رسمي بتاريخ 30 سبتمبر/أيلول 2026 استمرار التعاون الدفاعي مع روسيا في مجالات تشمل منظومات S-400 وتحديث مقاتلات Su-30MKI والتعاون في الإنتاج والصيانة. وهذا يعني أن نيودلهي لا تستبدل روسيا بالولايات المتحدة، وإنما تعمل على إعادة توزيع الاعتماد العسكري بين عدة مصادر دولية.

ويظهر الاتجاه نفسه في العلاقة مع أوروبا. فقد أعلنت دائرة العمل الخارجي الأوروبي بتاريخ 12 مارس/آذار 2026 أن الهند والاتحاد الأوروبي عقدا أول حوار أمني ودفاعي رسمي بينهما، وشمل التعاون الأمن البحري والفضاء والأمن السيبراني ومكافحة الإرهاب. كما أعلنت الحكومة الهندية في أبريل/نيسان 2026 توقيع خارطة طريق للتعاون الصناعي الدفاعي مع ألمانيا، مع التركيز على البحث والتطوير والإنتاج المشترك.

سؤال آخر يُطرح في هذا السياق: ما الذي يدفع نيودلهي إلى هذا الانفتاح؟

السبب الأول تكنولوجي، الهند تحتاج إلى تقنيات متقدمة في الطيران والفضاء والاستشعار والاتصالات والحرب الإلكترونية، وهي مجالات تمتلك فيها الولايات المتحدة والدول الأوروبية قدرات واسعة، لكنها تريد الحصول على هذه القدرات ضمن صيغة تسمح بنقل المعرفة والإنتاج إلى داخل الهند.

السبب الثاني أمني وجغرافي. صعود الصين يمثل العامل الأكثر تأثيراً في حسابات نيودلهي الدفاعية، الهند تحتاج إلى قدرات نقل جوي تستطيع دعم قواتها على الحدود مع الصين، خصوصاً في المناطق الجبلية المرتفعة، إضافة إلى تعزيز قدرتها على التحرك السريع عبر المحيط الهندي.

أما السبب الثالث فهو درس الاعتماد على مصدر واحد، فقد أظهرت الحرب الروسية–الأوكرانية أن العقوبات واضطراب سلاسل الإمداد يمكن أن يؤثرا في قدرة الدول على الحصول على قطع الغيار والدعم الفني والتحديثات، لذلك أصبح تنويع مصادر التسليح بالنسبة للهند جزءاً من مفهوم أوسع للأمن الاستراتيجي.

لكن الهند في المقابل لا تريد التحول إلى حليف غربي بالمعنى التقليدي، فقد أكد وزير الخارجية الهندي سوبرامانيام جايشانكار في تصريحات نقلتها Economic Times بتاريخ 6 أكتوبر/تشرين الأول 2026 أن نيودلهي لا تتعامل مع علاقاتها مع القوى الكبرى بمنطق “أبيض وأسود”، مشيراً إلى أهمية الولايات المتحدة مع استمرار العلاقات مع روسيا وأوروبا.

وهنا تظهر المفارقة الاستراتيجية، وتحليل سبب هذا الإنفتاح، فهل تقترب الهند من الغرب لأنها تريد الانضمام إلى منظومته السياسية والأمنية، أم لأنها تستخدم التكنولوجيا الغربية لبناء قوة هندية أكثر استقلالاً؟

المؤشرات الحالية تميل إلى الاحتمال الثاني، الهند لا تبدو بصدد تفضيل واشنطن على موسكو بقدر ما تعمل على تقليل اعتمادها على أي جهة منفردة، صفقة الطائرات الـ60 تكشف هذا الاتجاه بوضوح: منصة غربية أو شبه غربية، تصنيع داخل الهند، نقل تكنولوجيا، شراكات صناعية محلية، واستدامة تشغيلية تحت السيطرة الهندية.

لذلك فإن القيمة الحقيقية للصفقة لا تكمن فقط في شراء 60 طائرة نقل، وإنما في النموذج الذي تحاول الهند ترسيخه: تنويع مصادر القوة، توطين الصناعة، والحصول على التكنولوجيا مع الحفاظ على حرية القرار الاستراتيجي.