أ.د. غادة محمد عامر
أستاذ الهندسة الكهربائية – كلية الهندسة – جامعة بنها
دكتوراة في الاستراتيجية والأمن القومي – الأكاديمية العسكرية للدراسات العليا والاستراتيجية
في منتصف أكتوبر 2026 وجدت وحدات الدفاع الجوي الأوكرانية نفسها أمام عدو لم يظهر على شاشات الرادار، إذ فقدت المسيّرات الاعتراضية التي تطارد طائرات “شاهد” والصواريخ الجوالة اتصالها فجأة في لحظة الاشتباك. لم يكن السبب تشويشاً روسياً ولا ضربة إلكترونية معادية، بل قراراً بإبطاء منظومة “ستارشيلد”، الشبكة الفضائية العسكرية التي تعتمد عليها “كييف” في الاتصال والقيادة والسيطرة. وهذه الواقعة ليست تفصيلاً تقنياً في حرب طويلة، بل لحظة كاشفة لتحول عميق في طبيعة القوة العسكرية، فلأول مرة بهذا الوضوح يتأثر ميزان معركة جوية فوق عاصمة كاملة بإعداد تقني على شبكة أقمار صناعية تملكها شركة خاصة.
لم تولد “ستارشيلد” من فراغ، فقد بدأت شركة “سبيس إكس” عام 2019 النشر الواسع لأقمار “ستارلينك” في المدار الأرضي المنخفض لتقديم إنترنت فضائي تجاري للعالم. وقام الرهان على فكرة بسيطة وثورية، وهي نشر آلاف الأقمار الصغيرة منخفضة التكلفة على ارتفاعات قريبة بدلاً من عدد محدود من الأقمار الضخمة في المدارات البعيدة، فينخفض زمن الاستجابة وتتضاعف القدرة على الصمود، لأن تعطّل عشرات الأقمار لا يُسقط الشبكة. والتقطت المؤسسة العسكرية الأمريكية سريعاً هذه الإمكانات، ففي أكتوبر 2020 منحت وكالة تطوير الفضاء الأمريكية الشركة عقداً بنحو 150 مليون دولار لتطوير أربعة أقمار لرصد الصواريخ الباليستية والفرط صوتية وتتبعها، أُطلقت بعد تأجيلات متكررة في أبريل 2023. وفي عام 2021 حصلت الشركة بعيداً عن الأضواء على عقد سري بنحو 1.8 مليار دولار من مكتب الاستطلاع الوطني، المسؤول عن أقمار التجسس الأمريكية، لبناء شبكة من مئات أقمار الاستطلاع، ولم يُكشف عنه إلا لاحقاً عبر تقارير صحفية. ولم يُعلن اسم “ستارشيلد” رسمياً إلا في ديسمبر 2022، بوصفها شبكة أقمار مؤمّنة للجهات الحكومية وجهات الأمن القومي، تقوم على بنية “ستارلينك” نفسها، وتضيف تشفيراً معززاً وقدرة على استضافة حمولات عسكرية ومهام رصد الأرض وبنية أرضية مخصصة. والأهم أنها تعمل وفق شروط تعاقدية خاصة مع وزارة الدفاع الأمريكية، وتخضع لسيطرة حكومية في الاستخدام. وفي يونيو 2023 تعاقد البنتاغون على تزويد الجيش الأوكراني بخدمات الاتصال الفضائي، بعد مرحلة كانت فيها الخدمة تُقدم دون إطار تعاقدي واضح، ما أثار أسئلة حول من يملك قرار التشغيل والإيقاف. ثم حصلت الشركة في سبتمبر 2023 على أول عقد من قوة الفضاء الأمريكية لخدمات “ستارشيلد” بسقف 70 مليون دولار، لخدمة عشرات الجهات في مختلف أفرع القوات المسلحة. وتشير تقديرات المحللين إلى أن نسبة كبيرة من الأقمار العسكرية الأمريكية التي أُطلقت بين 2022 و2024 اعتمدت على منصة “ستارشيلد” أو على قدرات التصنيع لدى الشركة. وهكذا تحولت شركة خاصة خلال سنوات قليلة من مورد لخدمات الإطلاق إلى ركيزة في منظومة الاستطلاع والاتصالات العسكرية لأقوى جيش في العالم، دون نقاش عام كافٍ حول معنى أن تمر شرايين القيادة والسيطرة عبر بنية تملكها جهة تجارية.
إن أزمة هذا الشهر لم تكن الأولى من نوعها، ففي سبتمبر 2022، وخلال الهجوم الأوكراني المضاد في “خيرسون”، عُطلت تغطية “ستارلينك” فوق أجزاء من الجبهة الجنوبية، فانقطع الاتصال عن مسيّرات الاستطلاع وتعثرت وحدات المدفعية واضطربت خطط تطويق القوات الروسية. وفي العام نفسه رُفض طلب أوكراني بتوسيع التغطية إلى القرم لتنفيذ هجوم بزوارق مسيّرة على الأسطول الروسي، بدعوى تجنب التصعيد مع قوة نووية. يومها قيل إن ماسك أخذ مصير الحرب بين يديه، ونفت الشركة تلك الروايات، لكن الدرس وصل إلى كل غرف التخطيط العسكري، فأداة اتصال تجارية صارت جزءاً من المعركة، ومالكها صار طرفاً مؤثراً في قراراتها.
في الأسبوع الثاني من أكتوبر 2026 تلقى قادة في وزارة الدفاع الأمريكية رسالة بضرورة إبطاء خدمة “ستارشيلد” التي يستخدمها الجيش الأوكراني. وطال القيد، بحسب مستشار الرئيس الأوكراني لتكنولوجيا الدفاع “سيرهي بيسكريستنوف”، الأجهزة التي تتحرك بسرعات تتجاوز نحو 160 كم/س، فأصاب مباشرة وحدات المسيّرات الاعتراضية، في توقيت تزامن مع واحدة من أعنف موجات القصف الروسي على كييف. وحين اتصل المسؤولون الأوكرانيون بالبيت الأبيض والخارجية والبنتاغون، قيل لهم إن القرار صادر من البيت الأبيض. وجاءت الأزمة بينما كان الرئيس “ترامب” يضغط على كييف لوقف ضرباتها على مصافي النفط الروسية، التي حمّلها مسؤولية ارتفاع أسعار الطاقة بعد تعثر ما سُمي “هدنة الطاقة”. وبينما كتب “ماسك” أن المنظومة مملوكة للحكومة الأمريكية وأن قيودها يقررها الجيش وفي النهاية الرئيس، نقلت صحيفة “التلغراف” عن مصادر أن “ماسك” نفسه طرح الفكرة على “ترامب” سراً فوافق عليها، في حين نفى “ترامب” أن يكون هو أو “ماسك” وراء القرار. ودفع هذا الغموض أعضاء في مجلس الشيوخ من الحزبين إلى مطالبة المفتش العام في البنتاغون بالتحقيق، قبل أن يعلن “زيلينسكي” استعادة جزئية للخدمة. لكن السؤال الأخطر من هوية صاحب القرار هو كيف أصبح مصير دفاعات عاصمة كاملة رهناً بإعداد تقني يتغير بكبسة زر؟ فلم تُدمَّر دبابة ولم تُطلق رصاصة، ومع ذلك انكشفت سماء مدن بأكملها.
تكشف هذه الوقائع عن تحول جوهري في طبيعة الصراع المسلح، يبدأ من انتقال مركز الثقل إلى البنية الرقمية، فلم تعد القدرة القتالية تُقاس بعدد المنصات وحده، بل بقدرتها على الاتصال وتبادل البيانات لحظياً. ويضاعف الذكاء الاصطناعي هذا الاعتماد، فأسراب المسيّرات والاستهداف الآلي ودمج بيانات الاستشعار والإنذار المبكر تتوقف كلها على ثلاث طبقات مترابطة هي البنية التحتية من أقمار ومراكز بيانات، والبيانات المتدفقة، والخوارزميات التي تحوّلها إلى قرار. ومن يتحكم في هذه الطبقات يتحكم فعلياً في “الجهاز العصبي” للمعركة، حتى لو لم يكن طرفاً فيها. وهنا برز فاعل جديد في معادلة الحرب، فالشركات التكنولوجية الكبرى صارت تملك قدرات كانت حكراً على الدول، لكنها لا تخضع لقوانين الحرب ولا تُحاسب أمام برلمانات، وقد تحركها حسابات تجارية أو مواقف شخصية أو تحالفات سياسية. وحين يكون مالك الشركة شخصية نافذة سياسياً، يذوب الخط الفاصل بين القرار الخاص والقرار السيادي، كما أظهر تبادل الاتهامات في أزمة أكتوبر. وقد أفرز هذا الواقع ما يمكن تسميته “سلاح الإيقاف”، أي التعطيل أو الإبطاء أو تقييد النطاق الجغرافي، وهي أدوات تؤثر في مجرى المعركة دون أثر مادي يمكن الرد عليه، ويمكن استخدامها للضغط على الحليف نفسه لا على الخصم فقط. ويقود ذلك إلى تآكل الحدود بين المدني والعسكري، فقد لوّحت “موسكو” بأن الأقمار التجارية التي تخدم أطراف النزاع قد تُعد أهدافاً مشروعة، ما يفتح الباب أمام عسكرة الفضاء ويجعل البنية التي يعتمد عليها المدنيون عرضة للاستهداف.
إن ما حدث في أوكرانيا نموذج مصغر لما قد تواجهه أي قوة مسلحة تبني قدراتها الحيوية على منظومات لا تتحكم فيها، فالتبعية التكنولوجية أصبحت ثغرة عملياتية قد تظهر في أخطر لحظات الحرب. وهذا يفرض على المخططين العسكريين إعادة النظر في مفاهيم راسخة، فالعمق الاستراتيجي اليوم يشمل المدار والسحابة والخوارزمية، والجاهزية القتالية تعني امتلاك بدائل للاتصال والتدريب على القتال في بيئة منقطعة الاتصال، وتقييم المخاطر يجب أن يشمل احتمال تعطيل الخدمة من المورد ذاته لا من العدو وحده. أما العقود مع موردي التكنولوجيا فلم تعد وثائق تجارية، بل جزءاً من منظومة الأمن القومي ينبغي أن تتضمن ضمانات صريحة لاستمرارية الخدمة في أوقات الأزمات.


