العقيد الركن م ظافر مراد
أعلنت شركة “رايثيون”، التابعة لمجموعة RTX، في 8 أكتوبر/تشرين الأول 2026، فوزها بعقد أميركي تصل قيمته إلى 6.3 مليارات دولار لإنتاج صواريخ الاعتراض “SM-3 Block IB”، في صفقة تعزز قدرات الدفاع الصاروخي الأميركي وتدعم مخزون الذخائر على المدى الطويل.

بحسب بيان الشركة، تمتد المدة الأساسية للعقد خمس سنوات، مع خيار التمديد لعامين إضافيين، وأكدت وكالة “رويترز” أن الاتفاق يأتي ضمن جهود واشنطن لتعزيز منظومة الدفاع الصاروخي وضمان استمرارية إنتاج صواريخ الاعتراض، ويُستخدم صاروخ “SM-3 Block IB” لاعتراض الصواريخ البالستية خلال مرحلة منتصف المسار، ويعمل ضمن منظومة “إيجيس- Aegis” البحرية التي تطورها “لوكهيد مارتن”، إلى جانب مواقع برية مجهزة لتركيب هذه المنظومة، والتي تتيح اعتراض التهديدات بعيداً عن المناطق المستهدفة، بالاعتماد على شبكة متكاملة من الرادارات وأنظمة القيادة والسيطرة.

في الدلالات العسكرية لهذه الصفقة، يظهر أنها تأتي في سياق تعزيز قدرات الدفاع ضد الأخطار القادمة من السماء، وهو مجال بدأ العمل عليه منذ اندلاع الحرب ضد إيران، والتي أظهرت ثغرات عملياتية لناحية الدفاعات الجوية وإحتياطياتها الإستراتيجية من الصواريخ الإعتراضية، والجدير ذكره هنا، أن كافة الدول المنخرطة في الحرب، عانت من هذه المشكلة، وهي تبحث لها عن حلول من مصادر متعددة؛ فالصفقة إذن تتجاوز قيمتها المالية، لتعكس الحاجة إلى تعويض الذخائر المستخدمة والحفاظ على مخزون كافٍ في ظل احتمال امتداد العمليات العسكرية وتعدد مسارح التوتر والمواجهات، ففاعلية الدفاع الصاروخي لا تعتمد على دقة الاعتراض فحسب، بل أيضاً على القدرة على إنتاج الصواريخ بسرعة وإعادة تزويد الوحدات بها.

لا يثبت العقد، بمفرده، أن الولايات المتحدة تستعد لحرب وشيكة أو لمواجهة محددة، فقد يكون جزءاً من دورة تسليح اعتيادية تهدف إلى استبدال الصواريخ القديمة، وتلبية احتياجات الأسطول ومواقع “إيجيس” البرية، وضمان استمرار خطوط الإنتاج لسنوات.
في المقابل، قد تعكس الصفقة دروساً استخلصتها واشنطن من ارتفاع وتيرة استخدام أنظمة الدفاع الجوي والصاروخي خلال أزمات حديثة، حيث برزت أهمية المخزون والقدرة على إعادة التزويد بقدر أهمية أداء المنظومة نفسها، كما يشير حجم العقد وخياره الزمني الممتد إلى أن واشنطن تتعامل مع الدفاع الصاروخي باعتباره قدرة استراتيجية طويلة الأمد، لا استجابة مؤقتة لتهديد واحد. وقد يرتبط ذلك بتقييمات بشأن تطور الصواريخ البالستية وانتشارها، واحتمال تعرض القوات والمنشآت الأميركية أو الحليفة لتهديدات متزامنة في أكثر من مسرح، ومع ذلك، لا تسمح المعلومات المتاحة بتحديد الجهة التي تستهدفها الصفقة أو ربطها مباشرة بسيناريو عملياتي بعينه.

تكشف الصفقة أيضاً عن أهمية القاعدة الصناعية الدفاعية الأميركية، فزيادة الإنتاج تساعد على تقليص مخاطر إستنفاذ الإحتياطيات، لكنها لا تلغي تحديات ارتفاع التكلفة، وتوفير المكونات، ودمج الصواريخ مع التحديثات المستمرة لمنظومة “إيجيس”، كما أن الاعتماد على الاعتراض الصاروخي لا يمثل حلاً منفرداً، بل يأتي ضمن مقاربة أوسع تشمل الردع، والإنذار المبكر، وتوزيع القوات، والتحصين، والدبلوماسية.
من هنا، فإن القراءة الأكثر توازناً للصفقة هي أنها تعزز هامش المناورة والجاهزية الأميركية، وتعكس قلقاً مؤسسياً من بيئة أمنية أكثر تعقيداً، لكنها لا تقدم دليلاً حاسماً على نية واشنطن خوض مواجهة عسكرية جديدة أو طويلة الأمد.

