ماذا بعد الـ F-35؟

ظافر مراد

إذا كانت F-35  قد نقلت المقاتلة من منصة إطلاق نار إلى “عقدة استشعار وقرار”، فإن ما يأتي بعدها ينقل الحرب الجوية إلى مستوى آخر، لن تكون مقاتلة، بل منظومة متكاملة وعائلة من المنصات الجوية متعددة المهام والقدرات والأدوار، حينها ستصبح بيئة المواجهة الجوية أكثر تعقيداً وأكثر إغراقاً بالمنصات وأجهزة الإستشعار، والمقاتلة لن تكون مركز المعركة، وإنما جزءاً من شبكة قتال موزعة بين الجو والفضاء والمجال الكهرومغناطيسي.

هذا هو المعنى الحقيقي وراء الـ F-47، فالقوات الجوية الأميركية لا تقدم هذه الطائرة كمقاتلة منفردة، وإنما باعتبارها قلب “Family of Systems” تضم الطائرة المأهولة وطائرات “Collaborative Combat Aircraft – CCA”  وشبكات الاستشعار والاتصال والأسلحة بعيدة المدى، وتقول القوات الجوية إن الـ F-47 صُممت للدمج بين الميزة الشبحية المتقدمة، ودمج المستشعرات، وقدرات الإستهداف بعيدة المدى، والعمل في بيئات عالية المخاطر وكثيفة التهديد.

من هنا، فإن التطور الأهم ليس في جسم  F-47 بل في دورها المركزي في إدارة بيئة وظروف المواجهة الجوفضائية.    

برنامج DARPA “Air Combat Evolution” يختبر نموذجاً يصبح فيه الطيار قائداً لمجموعة من المنصات الذاتية، لا مجرد طيار لطائرة واحدة، وتصف DARPA هذا التحول صراحة بأنه انتقال الإنسان من “مشغّل منصة” إلى “قائد مهمة” قادر على تنسيق عمل عدة طائرات ذاتية ضمن سيناريوهات متعددة الطائرات، هنا يبدأ مفهوم جديد للسيطرة الجوية، حيث يطلق طيار الـ F-47 CCA  إلى الأمام لتوسيع مجال الاستشعار، أو لحمل أسلحة، أو لتنفيذ مهام إلكترونية، بينما تبقى المقاتلة المأهولة في الخلف بعيداً عن الرصد والتهديد، وفي الوقت نفسه، تأتي بيانات أخرى من أقمار إصطناعية ورادارات ومنصات جوية وبحرية وأرضية، ويصبح القرار مبنياً على دمج وتحليل معلومات من عدة مستشعرات ومصادر، يتم تحويلها إلى مشهد عملياتي ظرفي مشتركة،

في تموز 2026 أطلقت وكالة تطوير الفضاء الأميركية 21 قمراً ضمن “Transport Layer” لتوفير اتصالات تكتيكية آمنة منخفضة التأخير وخارج خط النظر، مع شبكة مترابطة بصرياً لدعم القوات في الميدان، كما تعمل Space Systems Command على “Space Data Network” مصمم ليكون شبكة نقل بيانات فضائية مرنة وعالية السرعة، بما يسمح بتدفق المعلومات بين الأنظمة المختلفة حتى في بيئة قتالية متنازع عليها.

وهذا يعني أن المعركة الجوية المقبلة ستبدأ من المدار قبل أن تبدأ في الجو، وفي بيئة أكثر تعقيداً يمكن أن تدخل الحرب الإلكترونية للتشويش على الخصم أو لحرمانه من فهم الصورة نفسها، لذلك تصبح “شبكة القتال” مركز الثقل الحقيقي في التفوق أو السيطرة على الاجواء، لكن هذه القوة تحمل نقطة ضعف جديدة: كلما زاد اعتماد القوات على البيانات، أصبحت البيانات هدفاً عسكرياً. التشويش، الخداع الإلكتروني، الهجمات السيبرانية، استهداف الأقمار الصناعية أو قطع روابط الاتصال قد لا يدمر أي طائرة، لكنه يستطيع تفكيك سلسلة “الاستشعار–القرار–التأثير”، وهذا تحديداً ما تحاول الولايات المتحدة معالجته.

أوضح قائد العمليات الفضائية الأميركية في 2026 أن بنية الاتصالات المستقبلية تتجه نحو منظومات موزعة ومتكاثرة وقابلة للتعافي والتعويض، بدلاً من الاعتماد على عدد صغير من الأقمار عالية القيمة وسهلة الاستهداف نسبياً، حتى أن مفهوم الـCCA  نفسه يعكس هذا المنطق، القوات الجوية تتجه إلى إنتاج كتلة كبيرة من المسيرات التعاونية، مع الاعتماد على “Mission Autonomy”  وهندسة برمجية مفتوحة تسمح بتحديث سلوك المنصة دون انتظار دورة تطوير طائرة جديدة، وفي تموز 2026 أعلنت القوات الجوية أن برنامج CCA انتقل من أول رحلة إلى إطلاق حي للسلاح خلال تسعة أشهر، مع استمرار العمل على استقلالية المهمة.

في المحصلة العسكرية، لن تخلف الـ F-35 طائرة بديلة، بل منظومة شاملة ومفهوماً جديداً قائم على التعاون بين الـ F-47 ومنصات إستشعار منتشرة وموزعة، ومسيرات تعاونية تؤدي مهام مختلفة، وهنا يتحول مفهوم “السيطرة الجوية” إلى مفهوم “سيطرة جو–فضائية”، ويصبح الطيار قائداً لهذه الشبكة، وطائرة الـ F-47 مركز قيادة وعقدة، والمسيرات التعاونية أذرع بعيدة المدى، والقمر الصناعي مستشعراً، والذكاء الاصطناعي مرحلة قرار، والاتصال نفسه في هذه الشبكة قدرة اساسية يجب حمايتها.