تتحوّل مسيّرات «FPV» الصغيرة إلى أحد أبرز أسلحة الضرب الدقيق في الحروب الحديثة، بعدما انتقلت من عالم سباقات الطائرات والهوايات الإلكترونية إلى ساحات القتال، حيث تُستخدم لاستهداف المدرعات والتحصينات والمواقع العسكرية بكلفة منخفضة مقارنة بالذخائر الموجّهة التقليدية.
ويشير الاختصار «FPV» إلى مصطلح «منظور الشخص الأول» (First Person View)، إذ تتيح كاميرا مثبتة على المسيّرة نقل صورة مباشرة إلى نظارات أو شاشة يرتديها المشغّل، ما يمكّنه من توجيهها يدويًا نحو الهدف حتى لحظة الاصطدام.
وتتكوّن هذه المسيّرات عادةً من هيكل خفيف ومحركات وبطارية وكاميرا ونظام اتصال لاسلكي، فيما تُجهّز النسخ الهجومية برأس متفجر، لتتحوّل إلى سلاح يُستخدم مرة واحدة في المهمة، بدل العودة إلى نقطة الانطلاق.
وتعتمد فعالية هذه المنظومات على قدرتها على المناورة والتحكم البشري المباشر، إلى جانب انخفاض تكلفتها وسهولة تجميعها من مكونات تجارية متاحة، ما أتاح إنتاجها بأعداد كبيرة وتوسيع استخدامها في النزاعات المسلحة، خصوصًا الحرب الروسية الأوكرانية منذ عام 2022.
وتختلف المسيّرات من هذا النوع بحسب أنظمة الاتصال والتحكم؛ فالنسخ التناظرية أقل كلفة وتوفّر عادةً تأخيرًا محدودًا في نقل الصورة، فيما تقدم الأنظمة الرقمية جودة تصوير أعلى. وفي المقابل، تواجه المسيّرات المعتمدة على الاتصال اللاسلكي خطر التشويش الإلكتروني أو انقطاع الإشارة، ما دفع إلى تطوير نماذج تستخدم كابلات ألياف بصرية لنقل البيانات، بهدف الحد من تأثير الحرب الإلكترونية.
ولا يقتصر استخدامها على الهجوم، إذ تُوظّف نسخ أخرى للاستطلاع ومراقبة التحركات وتحديد الأهداف، فيما تعمل شركات دفاعية على تطوير نماذج عسكرية متخصصة، بالتوازي مع أنظمة مضادة للمسيّرات تعتمد على التشويش والاعتراض ووسائل دفاعية أخرى.
وفي هذا السياق، كشفت شركة «إس تي إم» التركية عن مسيّرة هجومية من طراز «KarguFPV»، فيما طوّرت شركة «أسيلسان» منظومة «MİĞFER» لمواجهة تهديدات المسيّرات الصغيرة، في مؤشر إلى توسّع الاستثمار في القدرات الهجومية والدفاعية المرتبطة بهذه التكنولوجيا.
وتكمن أهمية مسيّرات «FPV» في المعادلة التي تفرضها على الجيوش: سلاح منخفض الكلفة نسبيًا يمكنه تهديد أهداف عسكرية مرتفعة القيمة، لكنه يبقى محدودًا بمدى الاتصال وظروف التشغيل ومقاومة التشويش، فضلًا عن الحاجة إلى مشغّلين مدرّبين.
ومع اتساع انتشارها، باتت هذه المسيّرات جزءًا من التحوّل في طبيعة الحروب الحديثة، حيث لم تعد الكلفة العالية للتكنولوجيا العسكرية شرطًا أساسيًا لامتلاك قدرة هجومية دقيقة، فيما يتزايد السباق لتطوير وسائل قادرة على رصدها واعتراضها قبل وصولها إلى أهدافها.

