الدم الذي لا يُقرّر… والقرار الذي لا ينزف والحد الفاصل بين الجرأة والتهور

العقيد الركن م. ظافر مراد

يملك القادة السياسيون قرار الحرب والسلم في خضم الأزمات والتوترات والصراعات الإقليمية أو العالمية، ويقرر القادة العسكريون كيف وأين ومتى يطلقون الآلة العسكرية، والقرار في هذا الشأن هو حق سيادي للقائد السياسي أو العسكري، لأنهما يملكان الشرعية من خلال الإنتخاب أو التعيين، يُديران المؤسسات والقدرات مثل الحكومة أو وزارة الدفاع أو الجيش، ويفترض أن يملكا المعطيات والمعلومات الإستخباراتية اللازمة والمطلوبة  ليأمرا أدوات التنفيذ أي القوات المسلحة والوحدات المقاتلة. ولكن هل يكفي كل ذلك لإتخاذ قرار الحرب؟ فالحرب ليست قراراً بيروقراطياً فقط، ولا هي خيار علمي بحت يخضع لمعايير أكاديمية أو سياسية أو أمنية، إنها فعلاً مأزق وإشكالية تسودها الغموض ويكتنفها عدم اليقين. في كل حرب، هناك دائماً من يُصدر القرار… وهناك دائماً من ينفّذه حتى آخر قطرة دم، في المكاتب تُرسم الحدود وتستهلك الأوراق والخرائط، وفي الميدان تُكسر العظام ويسقط الشهداء.

في خضم هذه الفلسفة العسكرية عن خيارات الحرب، يُطرح سؤال حول مدى الفجوة الأخلاقية بين المكتب والجبهة، بين السياسي والعسكري، بين القائد والجندي، وهذا سؤال جدِّي وحقيقي يُربك كل مفاهيم التقييم العسكري، ويطرح مواجهة بين “الدم الذي لا يُقرر، والقرار الذي لا ينزف”، ويُلزم القادة بدرس الخيارات بشكلٍ جيد وفحص صوابية قراراتهم والتأني في إصدارها، والمسألة الأكثر أهمية تكمن في قيمة الدم الذي يقدم في المعركة، وإدراجه ضمن الإعتبارات الأهم في تقييم الثمن الذي سيتم دفعه مقابل تحقيق الهدف العسكري أو السياسي. وتكمن المشكلة حين يكون الشك والغموض مسيطراً على المعطيات، فتكون ظروف إصدار القرار صعبة، ويعيش صانعي القرار في المنطقة الرمادية فمنهم من يندفع بحدسه، ومنهم من يندفع بنرجسيته، فالحرب ليست فقط إستعراض قوة أو مواجهة مادية بحتة، بل هي أيضاً مواجهة فكرية وقرار، وأحياناً حظ.

القرار العسكري، الخط الفاصل بين الجرأة والتهور.

سؤال آخر يُطرح في خضم القرارات المتلاحقة في ظروف الحرب وخوض المعارك، كيف للقائد أن يميِّز القرار المتهور من القرار الجريء أو الشجاع، وهذه مسألة خطرة ودقيقة قد تودي ليس فقط بحياة جنود وضباط، بل بخسارة أرض وربما خسارة وطن. وفي الحقيقة أن كلا القرارين يحملان درجة عالية من المخاطرة، وكلاهما قد تترتب عليه خسارات كبيرة عند الفشل، وفي هذا الشأن يسود إعتقاد خاطيء بأن القرار الجريء هو قرار مدروس بعناية وبدقة، وتم إتخاذه بعد التأكد من نسبة النجاح الكبيرة فيه، وهذا يناقض مبدأ الجرأة والشجاعة التي تقبل بدرجة مخاطرة عالية، وبالتالي فإن هذا المعيار لا ينطبق على القرار الجريْ. أما بالنسبة للقرار المتهور، فيسود الإعتقاد الخاطيء بأنه قرار إتُّخذ دون دراسة وتحليل بما يكفي للتأكد من عدم فشله، ولكن مُعظم القرارات المتهورة عبر التاريخ، خضعت لمعايير التقييم والتحليل والدراسة، ولكنها فشلت بسبب ظروف طارئة أو عوامل غير معروفة.

القرار الجريء هو من يتحرّك على حافة الخطر، لكن يحمل في جوهره إيمانًا بالفكرة واستعدادًا لدفع الثمن، أما القرار المتهور فقد يكون شبيهًا له تمامًا، ولكن يُحكم عليه بالتهور بسبب الفشل عند تقييم نتيجته النهائية، وهنا تلعب محكمة التاريخ دوراً كبيراً في تصنيف القادة من خلال قراراتهم الحاسمة، فمن نجح وانتصر خلَّده التاريخ، ومن فشل وانهزم رمي في هوة النسيان، والحد الفاصل بين القرار الجريء والقرار المتهور، هو النتيجة النهائية لهذا القرار، وقد اثبتت محكمة التاريخ ذلك، وهذا التاريخ الذي كتبته الحروب وحددت تفاصيله نتائج المعارك، هو الشاهد الحقيقي على الظلم والإجحاف الذي لحق ببعض القادة، وعلى المبالغة في التقدير والإحترام لقادة آخرين لا يستحقون.

النتيجة هي التي تصبغ القرار بالجرأة أو التهور، أمثلة تاريخية

في واحدة من أكثر المعارك أهمية في تاريخ الإسلام، وهي معركة اليرموك في 12 آب عام 636 م، كان جيش الروم أكثر من ستة أضعاف جيش المسلمين، حينها كان العدد يُعتبر معياراً أساسياً في تحقيق النصر، وفي هذه المواجهة قرَّر خالد بن الوليد تنفيذ مناورات الإلتفاف على جيش الروم ليضع الحركية في مواجهة العدد، وتمكَّن من تحقيق نصر حاسم وتاريخي بعد ستة أيام من القتال، من خلال تحريك كتائبه بمناورات سريعة ومفاجئة في المكان والتوقيت الحاسمين، وهذه المناورات كانت محفوفة بدرجة عالية جداً من المخاطرة وإحتمالات التطويق، وتحقق النصر من خلال هذا القرار الجريء الذي اتَّخذه القائد خالد بن الوليد، والذي كان بداية الفتوحات الإسلامية لكثير من المناطق.

يُعتبر “إنزال النورماندي” أكبر عملية إنزال في التاريخ العسكري؛ نفذها الحلفاء في 6 حزيران 1944 -انطلاقا من بريطانيا على سواحل منطقة النورماندي شمال غربي فرنسا بهدف فتح جبهة جديدة ضد ألمانيا خلال الحرب العالمية الثانية. وشارك فيها أكثر من مليونيْ جندي و300 ألف مركبة عسكرية، تعتبر هذه العملية كثيرة التعقيد وتحمل درجة مخاطرة عالية جداً مع كلفة مادية وبشرية هائلة، أُسندت قيادة العملية للجنرال الأميركي دوايت إيزنهاور وعُين مساعدا له الجنرال البريطاني برنارد مونتغومري (بطل معركة شمال أفريقيا ونصر العلمين)، وكانت المرحلة الأولى المتمثلة بإنزال قوات مظلية للحلفاء (حوالي 150 الف جندي) لتأمين منطقة الإنزال، هي الأساس في نجاح العملية الكبرى لاحقاً، وكانت معركة المظليين مع الألمان عنيفة ودموية وإحتمالات الهزيمة فيها مرتفعة جداً، ولكنها في نهاية المطاف نجحت واستطاعت تأمين موقع قدم على شواطيء النورماندي. لقد غيَّر قرار الإنزال الجريء مجرى الحرب، وفُتحت على الجيش الالماني جبهة جديدة أرهقته وشتت قواته.  

تُعتبر عملية العبور وإقتحام خط بارليف الإسرائيلي، من قبل القوات المصرية عام 1973، واحدة من أكثر العمليات العسكرية جرأة وتعقيداً وخطورة، فالعملية تطلبت لضمان نجاحها، سرية، مفاجئة، وإجتماع ظروف وقدرات وتقنيات متميِّزة، وكانت إحتمالات الفشل تتغلغل في أدق تفاصيلها ومراحلها، ولكن جرأة القرار وشجاعة العبور وسرعة إقامة الجسور وعنف الإقتحام، تفوَّقت على كل الصعوبات، وكان اللواء المهندس باقي زكي يوسف هو صاحب فكرة إستخدام خراطيم المياه لفتح السد الرملي، والتي سبقها عملية خطيرة جداً تمثَّلت بإقفال الأنابيب التي كانت ستستخدم لإغراق مناطق العبور بالنابالم وإشعال القوات المصرية التي تحاول الوصول إلى هذا السد، وكانت النتيجة كسر خط بارليف وصدمة إسرائيلية كاملة، ومفاجأة عالمية على المستوى العسكري.

 مقابل هذه العمليات العسكرية الشجاعة والناجحة والتي يقف خلفها قادة إعتمدوا قرارات جريئة، هناك الكثير من العمليات التي فشلت على الرغم من أنها تحمل درجات مخاطرة أدنى من إنزال النورماندي وإقتحام خط بارليف، ولكنها اعتبرت متهورة بسبب نتيجتها النهائية، مثل عملية Market Garden في الحرب العالمية الثانية عام 1944 في هولندا، والتي نفذها الحلفاء بقيادة مونتغمري، وهدفت إلى تأمين جسور ومناطق عبور إلى نهر الراين، وتسببت بسقوط أكثر من 17 الف جندي بين قتيل وأسير، هناك أيضاً عملية الإنزال في خليج الخنازير في كوبا عام 1961، والتي هدفت إلى إسقاط نظام كاسترو، لكن العملية فشلت وتسبَّبت بإحراج كبير للسياسة الخارجية للولايات المتحدة الأميركية، بعد أن سقط حوالي 150 قتيل وأسر 1200 من المرتزقة الذين دربتهم الولايات المتحدة الأميركية.

الخاتمة.

في ميزان التاريخ لا يُقاس القرار العسكري بشجاعته عند إتِّخاذه، بل بآثاره ونتائجه حين يسقط الرجال وتنتصر أو تهزم الجيوش والأمم، الجريء والمتهور كلاهما يسيران جنباً إلى جنب، إلى حين الوصول إلى مفترق الهزيمة أو النصر، حينها يكتسب القرار هويته النهائية والتي  تكلله بالمجد أو تغمسه بالعار، وأخطر القرارات هي تلك التي يتخذها القادة بثقة زائدة تفوق ما يحتاجونه في زمن الحروب.