“مشروع مانهاتن الصيني”: الصراع الذي سيعيد رسم خارطة القوى العسكرية العالمية

أ.د. غادة محمد عامر
زميل ومحاضر  الاكاديمية العسكرية للدراسات العليا والاستراتيجية
أستاذ هندسة النظم الذكية – جامعة بنها

شهد العالم تحولاً جذرياً في ديناميكيات الحرب والدفاع العالميين في القرن الحادي والعشرين.  وكان من أبرز محركات هذا التحول التطور التكنولوجي لتقنيات الذكاء الاصطناعي، حيث أصبحت تقنيات الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا المتقدمة جزءًا أساسيًا من الاستراتيجيات العسكرية، وعنصرًا مركزيًا في الأمن الوطني. ولأن السيطرة على تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي واستخدامها في تطبيقات حربية متطورة، تعتمد بشكل أساسي على الرقائق الإلكترونية المتقدمة، أصبحت تكنولوجيا أشباه الموصلات، ولا سيما رقائق الذكاء الاصطناعي، من أهم المجالات الاستراتيجية. فكما كان للقدرة النووية دور حاسم في القرن الماضي، يُنظر اليوم إلى “الرقائق الإلكترونية المتقدمة” كعنصر استراتيجي محوري، لأنه من خلالها سيتحدد كيفية خوض الحروب، وفوزها، ومنعها. لسنوات، هيمنت الدول الغربية، وخاصة الولايات المتحدة، على تطوير رقائق الذكاء الاصطناعي. وتصدرت شركات مثل NVIDIA وIntel وAMD العالم في إنتاج الرقائق المصممة لتطبيقات الذكاء الاصطناعي، بدءًا من التعلم العميق وصولًا إلى الروبوتات المتقدمة. لذلك، وفي مسعى منها لترسيخ مكانتها كقائدة عالمية في مجال الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا، أطلقت الصين مشروع ” مانهاتن” المعروف أيضاً باسم “القفزة التكنولوجية الكبرى”. وذلك لمنافسة الغرب في إنتاج رقائق الذكاء الاصطناعي  والتخلص من الاحتكار الغربي لها. يُمثل هذا المشروع عنصرًا حاسمًا في استراتيجية الصين الأوسع لتعزيز استقلالها التكنولوجي، وتأمين مستقبلها الاقتصادي، وإعادة تشكيل ميزان القوى العالمي في مجال الذكاء الاصطناعي.

إن التطورات في صناعة الرقائق ليست مجرد مسألة تكنولوجية، بل هي عامل محدد في تشكيل القوة الاقتصادية والعسكرية والجيوسياسية في المستقبل. حيث يصبح امتلاك التكنولوجيا المتقدمة أساسياً للحفاظ على السيادة والقدرة التنافسية، فلهذه الرقائق المتقدمة تأثيرات كبيرة في الأنظمة العسكرية التي سوف تغير جميع مجالات الدفاع والردع، فأحد التأثيرات الأكثر أهمية لرقائق الذكاء الاصطناعي على الأنظمة العسكرية  هو التطور السريع للأنظمة المستقلة، من تمكين  المركبات الذاتية،  والطائرات بدون طيار  والروبوتات  التي يمكنها العمل في بيئات معقدة، واتخاذ قرارات في الوقت الفعلي، والتكيف مع الظروف غير المتوقعة، و تنفيذ العمليات العسكرية مع الحد الأدنى من التدخل البشري. والصين لها طموح كبير في هذا المجال حيث إنها  تستثمر بالفعل بشكل كبير في الأنظمة القتالية الذاتية. ومع تقدم رقائق الذكاء الاصطناعي، قد تتمكن الصين من نشر أنظمة مستقلة  قادرة على أداء مهام الاستطلاع، وجمع المعلومات الاستخبارية، بل والمشاركة في القتال  دون الحاجة للتدخل البشري. ومن خلال دمج  الذكاء الاصطناعي مع  خوارزميات التعلم الآلي والشبكات العصبية العميقة ، يمكن لهذه الأنظمة تحليل كميات ضخمة من البيانات بسرعة واتخاذ قرارات تكتيكية بشكل أسرع من الجنود البشر. التقدم الصيني في  الأنظمة القتالية غير المأهولة يعد بمثابة ميزة كبيرة للصين في النزاعات المستقبلية، خاصة في المناطق مثل  بحر الصين الجنوبي، حيث تكون المشاركة العسكرية التقليدية مكلفة وخطيرة، فيمكن للأنظمة المدعومة بالذكاء الاصطناعي أن تعزز مرونة القتال مع تقليل المخاطر على الجنود البشر. هذا الطموح الصيني قد يؤدي إلى  سباق تسلح جديد  في مجال الروبوتات والأنظمة المستقلة. وعلى الرغم من أن الغرب قد أحرز تقدمًا في هذه الأنظمة، فإن طموحات الصين في تطوير رقائق الذكاء الاصطناعي قد تمنحها ميزة تكنولوجية تتفوق على القدرات الحالية، مما يؤدي إلى تحول في استراتيجيات الدفاع العالمية.

كذلك تلعب رقائق الذكاء الاصطناعي دورًا محوريًا في الحرب الإلكترونية الحديثة. حيث يُستخدم الذكاء الاصطناعي لتحسين سرعة وتعقيد الهجمات الإلكترونية ونظم الدفاع ضدها. وبالتالي هذا المشروع سيمكن الصين من تعزيز قدراتها في  الحرب الإلكترونية الهجومية والدفاعية  بشكل كبير. فقد أصبح  الأمن السيبراني  جزءًا أساسيًا من الدفاع الوطني، حيث يمكن أن يكون تدمير أو تعطيل البنية التحتية الأساسية للعدو، مثل شبكات الكهرباء أو أنظمة الاتصال أو الأنظمة العسكرية، مدمرًا بنفس قدر الهجوم العسكري التقليدي. ستتيح  رقائق الذكاء الاصطناعي  للصين بناء أنظمة دفاع سيبراني أكثر تطورًا يمكنها اكتشاف التهديدات في الوقت الفعلي، والتنبؤ بالهجمات قبل حدوثها، والرد بشكل مستقل على هذه التهديدات. على الجانب الهجومي، ستسمح رقائق الذكاء الاصطناعي للصين بتنفيذ  هجمات سيبرانية متطورة  تستهدف الأنظمة العسكرية، وشبكات الاتصال، وحتى البنية التحتية المدنية. من خلال دمج  الذكاء الاصطناعي  وتحليل البيانات الضخمة ، يمكن للهاكرز استغلال الثغرات في الأنظمة في الوقت الفعلي، مما يجعل الهجمات الإلكترونية أكثر فعالية ودقة. يمكن لهذه الهجمات أن تعطل التكنولوجيا المعادية، وتشوش على الهياكل القيادية، وتعطل عمليات اتخاذ القرارات في اللحظات الحاسمة. ومع تقدم الصين في قدراتها السيبرانية المدعومة بالذكاء الاصطناعي، ستدفع الدول الأخرى إلى تعزيز أنظمتها الدفاعية الخاصة. ستبدأ الدول في الاستثمار بشكل متزايد في  أنظمة الدفاع السيبراني المدعومة بالذكاء الاصطناعي، وهذا سيؤدي  إلى سباق تسلح رقمي، الذي بدوره قد  يؤدي إلى  تفكيك الإنترنت العالمي، حيث سيؤثر كل بلد على المعايير العالمية للأمن السيبراني وفقًا لمصالحه الوطنية، مما يدفع البلدان إلى تطوير  نظم سيبرانية آمنة ومستقلة .

كذلك تركز الصين على استخدام الذكاء الاصطناعي في  الحرب الفضائية ، وهو مجال سريع النمو في استراتيجيات الحروب الحديثة. ومن خلال دعم رقائق الذكاء الاصطناعي للأقمار الصناعية، قد تتمكن الصين من نشر  أنظمة فضائية مستقلة  تدير  المراقبة في الوقت الفعلي،  والاتصالات، وحتى  الأسلحة  التي تستهدف الأقمار الصناعية المعادية، وبالتالي سيساعد الذكاء الاصطناعي في تعزيز قدرة الصين على  السيطرة على أنظمة الأقمار الصناعية  ومراقبتها. كذلك ستساعد رقائق الذكاء الاصطناعي المطورة في إدارة تدفق البيانات من الآلاف من الأقمار الصناعية، مما سيمكن الأنظمة الفضائية  المستقلة  من تنفيذ مهام معقدة مثل الاستطلاع، والكشف المبكر عن التهديدات، واستهداف العدو بدقة دون الحاجة إلى إشراف بشري مستمر. وسوف تلعب أيضًا دورًا في  الأنظمة الفضائية الهجومية ، مثل تطوير  الصواريخ المضادة للأقمار الصناعية  أو  أسلحة الطاقة الموجهة  التي يمكنها تعطيل أو تدمير الأقمار الصناعية المعادية. مع تزايد اعتماد الدول على الفضاء في  الاتصالات العسكرية  والمراقبة، قد تمنح القدرات الفضائية المدعومة بالذكاء الاصطناعي الصين ميزة استراتيجية كبيرة. وهذا سيؤدي إلى تصاعد التوترات الجيوسياسية، فقد تؤدي قدرة الصين المتزايدة على تطوير هذه الأسلحة إلى سباق تسلح في الفضاء، مشابه لما شهدته الحروب النووية في القرن العشرين. وبالتأكيد لن تؤثر رقائق الذكاء الاصطناعي على الأنظمة المستقلة والأسلحة فقط، بل أيضًا على  استراتيجيات الحروب  واتخاذ القرارات العسكرية . فقدرة الذكاء الاصطناعي على تحليل كميات ضخمة من البيانات والتنبؤ بالنتائج في الوقت الفعلي ستتيح للقادة العسكريين اتخاذ قرارات أسرع وأكثر وأدق.