أعاد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان صياغة خطاب بلاده بشأن الاستبعاد الطويل من برنامج مقاتلات “إف-35”. ولم يعد الطرح التركي يقتصر على كونه “خلافاً ثنائياً” مع واشنطن، بل أضحى قضية تمس جوهر الأمن الجماعي لحلف شمال الأطلسي “الناتو”. هذا التغيير في النبرة لا يشير إلى تغيير في الوجهة الاستراتيجية بقدر ما هو إعادة تموضع مدروسة بعناية.
ما وراء “إف-16”: استراتيجية الضغط في حديثه الأخير مع وكالة بلومبرغ، أكد أردوغان أن عودة تركيا لبرنامج “إف-35” ستعزز الردع الجماعي للناتو، وهو خروج واضح عن الخطاب السابق الذي ركز على “الظلم المالي”. وبالتوازي، يبرز ملف مقاتلات “إف-16” (بلوك 70) كعنصر شائك؛ فرغم تأكيد وزير الدفاع يشار غولر دفع أنقرة لـ 1.4 مليار دولار كدفعة مقدمة، إلا أن الجمود لا يزال سيد الموقف. لا جداول زمنية، لا أسعار نهائية، ولا تأكيدات على بدء الإنتاج، مما يثير تساؤلات حول ما إذا كانت واشنطن تبقي الملف مفتوحاً كأداة للمساومة السياسية.
نموذج “تايفون” والرسائل المبطنة أشار أردوغان إلى صفقة “يوروفايتر تايفون”، موضحاً أن نجاحها جاء بعدما أعادت لندن تسويقها كضرورة لتعزيز الجناح الجنوبي للناتو. ويبدو أن أنقرة تستنسخ هذا النموذج؛ فالمفاوضات حول “إف-16” قد لا تكون هدفاً نهائياً بحد ذاتها، بل مجرد وسيلة لفتح القنوات وتغيير المسار نحو حلول أكثر شمولاً تتضمن الـ “إف-35”.
معضلة “إس-400” وظل ترامب تظل منظومة “إس-400” الروسية حجر العثرة الأكبر. وبينما تجنبت التصريحات الرسمية تقديم تنازلات علنية، تشير تقارير إلى طرح خيار “إعادة شراء” روسيا للمنظومة خلال لقاء أردوغان وبوتين في كازاخستان. هذا “الغموض البناء” يمنح أنقرة مساحة للمناورة الدبلوماسية مع الإدارة الأمريكية القادمة.
ويبقى السؤال الجوهري مع اقتراب عودة دونالد ترامب للبيت الأبيض: هل سيعامل ترامب الناتو كمؤسسة استراتيجية، أم سيقيم العلاقات من منظور “تقاسم الأعباء”؟ وفي هذا الحساب، هل ستُعامل تركيا كركيزة أساسية للحلف أم كفاعل وظيفي يتم تمكينه حسب الحاجة؟






