كواليس “ألعاب الحرب” في البنتاغون: هل اقتربت ساعة الصفر للمواجهة مع إيران؟

العقيد الركن م. ظافر مراد

ينشغل العالم حالياً بكل محلليه وخبرائه العسكريين والإستراتيجيين بالتوقعات حول المواجهة الأميركية-الإيرانية المرتقبة، وتأتي معظم هذه التحليلات على شكل تمنيات وفقاً للجهة التي تقوم بها وتُصدرها، في أجواء بعيدة عن التجرد والمصداقية والتحليل العلمي والمنطقي، ولكن أهم ما يؤثر على صحة التحليلات هو عدم المعرفة وعدم الخبرة في أُطر وآليات التحضير للحملات الكبرى التي تجري في أروقة البنتاغون، والتي تجري وفق مسارات معقدة وسرية، تتواجه فيها الآراء والنظريات والوقائع العسكرية مع آراء المستوى السياسي وأهدافه النهائية من الحرب، إن مواجهة كبيرة بهذا الحجم لا يمكن أن يُترك القرار فيها للعسكريين فقط، بحيث يحصل الإنتصار العسكري دون تحقيق الاهداف السياسية. ولا يمكن أن تُترك لقرار السياسيين وحدهم، بحيث يتم إعلان الحرب قبل إنجاز التحضيرات العسكرية النهائية على صعيد نشر القوى والوسائل، وتحضير الإمداد اللوجستي والتأكد من أن عوامل النصر النهائي أصبحت متوافرة وجاهزة.

يقوم القادة العسكريون بإختبار وتقييم الخطط العسكرية قبل البدء بالتنفيذ من خلال ما يسمى لعبة الحرب (Wargaming)، ولعبة الحرب تُعتبر أداة أساسية في التخطيط العسكري، وهي عملية محاكاة منظمة للمعركة أو للحرب المتوقعة، تقوم على دراسة وتحليل مجريات المعركة أو الحملة أو الحرب الشاملة، في حالتي المبادرة بالهجوم أو الدفاع ضد هجوم العدو. ويتم ذلك على المستويات الثلاث، تكتي، عملياتي وإستراتيجي، ولكل مستوى إعتباراته ولاعبيه ومعاييره في النصر، ضمن سياق متتالي من الأفعال العسكرية والتي قد تتزامن مع نشاطات سياسية وديبلوماسية في الحملات وفي الحروب الكبرى.

تجري لعبة الحرب من خلال مواجهة “العمل الافضل للصديق MLCOA-” مع “عمل العدو الأكثر إحتمالاً- Enemy MLCOA” مع الأخذ بعين الإعتبار “عمل العدو الأكثر خطورة-Enemy Most Dangerous COA” ( مثل إستخدام اسلحة كيميائية أو نووية أو جرثومية، أو إستهداف منشآت خطرة …)، تهدف لعبة الحرب إلى إختبار ردات فعل وقدرات العدو وفقاً لعقيدته القتالية وأهدافه العسكرية، ووفقاً للمعلومات المتوافرة عن قدراته العسكرية وطبيعة إنتشار قواته في الهجوم أو في الدفاع. أما في عملية توزيع الادوار في لعبة الحرب، يقوم ركن التخطيط والعمليات (الركن الثالث) في القيادة بلعب دور القوى الصديقة، بينما يقوم ركن الإستعلام والإستخبارات (الركن الثاني) بلعب دور قوات العدو، ويأخذ القرار بردة الفعل المعادية إستناداً لخبرته ومعرفته بنظام قتال العدو وطبيعة إنتشاره وقدراته التقليدية والنوعية، ومن خلال لعبة الحرب يتم كشف الثغرات في الخطة، نقاط القوة ونقاط الضعف، سلامة وفعالية عملية الحشد والتوزيع للقوى على الجبهة وفي العمق، مراحل العملية وتوقيتاتها وتناسبها مع خطط الرعيل الاعلى، والأهم من كل ذلك، تحديد “نقاط القرار الحرجة-Critical Decision Points حيث يجب على القائد تغيير قراره أو تعديل خطته وفقاً لإحتمالات متعددة وغامضة في المكان والزمان الحرجين، بحيث يحضر حلاً لأي إحتمال من شأنه عرقلة الخطة وإفشالها. وبعد الإنتهاء من لعبة الحرب، يتم تقييم الخطة وإدخال التعديلات اللازمة عليها لتصبح مثالية وجاهزة للتنفيذ، بعد أن يتم إقصاء وحذف كل عوامل الفشل التي ظهرت في لعبة الحرب.

تركز لعبة الحرب في المستوى التكتي على الإستفادة من طبيعة الارض، مدى الاسلحة، سرعة التحرك والمناورة، التوقيتات، مهل ردود فعل العدو، الدعم الناري. أي بشكلٍ عام التفاصيل الميدانية وليس التفاصيل الإستراتيجية والسياسية. ولعبة الحرب هي المكان الوحيد الذي يُسمح فيه أن تخسر الحرب كي تربحها في المعركة الحقيقية.

تتغير طبيعة وأدوات لعبة الحرب على المستويين العملياتي والإستراتيجي، فلا تعود المناورات تتعلق بوحدات صغرى ومواقع قتال، بل بجبهات واسعة وحلفاء وموارد وإرادات سياسية. وفي هذا الإطار تجمع “لعبة الحرب على المستوى العملياتي-Operational Wargaming” بين المستويين التكتي والإستراتيجي، ويتم فيها إختبار حركة ألوية وفرق، وسيطرة على اقاليم ومحاور إستراتيجية، قد تمتد فيها العمليات لأسابيع أو شهور، ويتم التركيز فيها على ربط نتائج المعارك التكتية لتحقيق الهدف العملياتي، وإختبار عمليات تبديل الوحدات الكبرى المنهكة، ومصروف الذخيرة والعتاد، وحساب الخسائر بالمعدات وبالأرواح، وتأمين خطوط الإمداد اللوجستي بكميات هائلة، والقدرة على الصمود في الظروف الحرجة وظروف إستخدام الإحتياطات والقدرات الإستراتيجية.

أما على المستوى الإستراتيجي وهو المرتبط مباشرة بالمستوى السياسي، وإنجازاته تحقق الإرادة السياسية عند قادة الدول، فهنا يتم تجاوز تفاصيل المعارك، ولا يعود السؤال كيف نربح المعركة، بل كيف نربح الحرب، هل النصر يتطلب قوات على الأرض؟ وهل يجب أن نخوض هذه الحرب أم لا؟ وهذا ما يجري بالتحديد في غرف البنتاغون ومجالس صناعة القرار.

تُشكِّل “لعبة الحرب الإستراتيجية- Strategic wargaming” ويُطلق عليها أحياناً تسمية: Political-Military Wargaming، أهم مرحلة في القرار الوطني في ظروف الصراع، وفي هذه اللعبة، وبالإضافة إلى أعلى المستويات العسكرية، تشارك القيادات السياسية المعنية بقرار خوض الحرب، والتي يتطلب منها واجبات ويترتب عليها تداعيات وتحديات كبيرة، مع إمكانية حضور ديبلوماسيين وخبراء إقتصاد وطاقة وإعلام وعلاقات دولية، لأن قرار الحرب هنا يصبح حدثاً دولياً هاماً وخطيراً، تترتب عليه ردات فعل دولية، وربما عقوبات وقطع علاقات ومواقف سلبية على مستويات متعددة، ولا تقتصر لعبة الحرب في المستوى الإستراتيجي على الخرائط وتحركات القوى، بل ايضاً على سلسلة من الإتصالات الإستراتيجية والنشاطات الديبلوماسية والقرارات السياسية المطلوبة تجاه أي موقف أو قرار خارجي من شأنه أن يؤثر على سير العمليات وعلى الموقف الدولي، وقد تستمر لعبة الحرب على المستوى الإستراتيجي اياماً واسابيع وربما شهور في ظروف التفاوض ونشاطات الديبلوماسية الوقائية في محاولة أخيرة لتجنب إندلاع الحرب الشاملة، وليتم إتخاذ القرار النهائي وصقل المراحل العملياتية التي تحقق النصر الاكيد.

يجري في أروقة البنتاغون حالياً لعبة حرب على المستوى الإستراتيجي، ويشارك بها نخبة من صناع القرار العسكريين والسياسيين والإقتصاديين، والعدو في هذه اللعبة إيران وحلفاؤها في المنطقة، ويتم دراسة خيار خوض الحرب والنتائج المترتبة على هذا القرار، وأيضاً دراسة خيار الضغط الديبلوماسي وما يمكن أن يؤمنه هذا الخيار، على الرغم من أن معظم المشاركين في القرار يعتبرون أن الخيار الديبلوماسي قد استنفذ ولم يعد مجدياً ولا يؤمن الغايات النهائية لإدارة ترامب، لذلك فإن إحتمال شن الحرب على إيران يبدو متفوقاً على خيار الديبلوماسية التي تركت لها الفرصة الاخيرة.

وفي خيار الحرب إذا فشلت الديبلوماسية، يريد ترامب ضربة شاملة وسريعة تعجز معها القيادة الإيرانية عن الرد الفعال بواسطة الصواريخ الباليستية والمسيرات، وهذه المرة ستختلف الضربة عن سابقتها، وهي ستشمل مركز الثقل الإستراتيجي للنظام الإيراني بشكله الحالي والمتمثل بالقيادة الدينية، وبالتزامن مع إستهداف مركز الثقل، سيتم إستهداف القدرات الحرجة للحرس الثوري الإيراني، عن طريق تدمير هذه القدرات أو تعطيلها، بما يشبه الضربة السابقة بإستهداف  القادة، وهنا تجدر الإشارة إلى أن المعركة البحرية ستكون في طليعة العمليات الكبرى، وسيغلب عليها طابع المواجهة اللامتماثلة بين قطع بحرية أميركية ضخمة وصواريخ أرض-سطح وزوارق مسيرة وألغام بحرية.

 كل تفاصيل هذا السيناريو تحتاج إلى عدد كبير جداً من المنصات والوسائط النارية التي يجب أن تشل منظومة القيادة والسيطرة الإيرانية، وتدمر قواعد إطلاق الصواريخ والمسيرات والموانيء العسكرية بضربة شاملة ومتزامنة مع حرب إلكترونية وهجمات سيبرانية واسعة النطاق، لذلك نرى هذا الحشد الكبير وإستحضار عدد هائل من الطائرات القاذفة وطائرات التزود بالوقود، بالإضافة إلى منظومات الدفاع الجوي مثل باتريوت وثاد، فقد تبين ان القدرات والتحضيرات على مستوى الدفاع الجوي ضد الصواريخ والمسيرات الإيرانية غير كافية ولا تستطيع تأمين ما هو مطلوب لحماية القوات والقواعد الاميركية والمنشآت الهامة والخطرة في الدول الحليفة، وسيستغرق ذلك بضعة اسابيع لمعالجة هذه المعضلة الاساسية.

على المستوى السياسي وردود الفعل الدولية، فإدارة ترامب واثقة من عدم تدخل روسيا أو الصين في اي حرب محتملة مع إيران، حتى أن مواقفها السياسية لن تشكل أي ضغط يُذكر على القرار الاميركي، لا اثناء الحرب ولا بعدها، وعلى صعيد العمل الاكثر خطورة الذي من الممكن أن تقوم به إيران في خِضم المواجهة، فيتم حالياً دراسة حلول للعديد من الافعال الخطرة، مثل إستهداف أصدقاء وحلفاء الولايات المتحدة في المنطقة، إقفال مضيق هرمز وقطع سلاسل إمداد وتوريد الطاقة، إستهداف حاملات الطائرات الاميركية بهجوم إستباقي…..إلخ.

يبقى السؤال الأهم، هل قرار الحرب قد اتُّخذ بشكلٍ نهائي ولا رجعة عنه؟ وتكمن الإجابة على هذا السؤال بقراءة مؤشرات أساسية تتمثَّل بتصريحات الجهات الرسمية الغربية، وبالتحضيرات العسكرية الكبيرة، وبنشاط قائد القيادة المركزية الأميركية في المنطقة (لا سيما لجهة التنسيق مع الجيش الإسرائيلي والتحضير لمناورات مشتركة)، وبالحملات الإعلامية الممنهجة والتي تأخذ على عاتقها تحضير الجمهور الأميركي لهذه الحرب، وجميع هذه المؤشرات تؤكد أن خيار الحرب أكثر إحتمالاً من أي وقتٍ مضى، وخيار الديبلوماسية ضعيف ودون أفق، لأن شروط ترامب ستُحرج القيادة الإيرانية وسيكون القبول بها أشد وقعاً من الهزيمة، فهي أشبه بطلب إعلان الإستسلام وخسارة الحرب، ما يعني فعلياً بداية نهاية النظام، والتفاوض مع ترامب ليس تفاوضاً تقليدياً، فهو لا يقيم تفاهمات وصفقات تحت الطاولة، ويركِّز إهتمامه على هزيمة خصومه نفسياً ومعنوياً بقدر إهتمامه بهزيمتهم عسكرياً وسياسياً.   

 أما بالنسبة لساعة الصفر، فلم تُحدد بعد بإنتظار إنتهاء التحضيرات التي ستضمن النصر وتحقيق الهدف النهائي، وهو تغيير جذري في السلوك الإيراني في المنطقة، سواء عن طريق الخضوع للشروط الاميركية أو عن طريق إسقاط النظام القائم، مع الإشارة إلى أن عملية إسقاط النظام تتطلب الكثير من التخطيط والتحضيرات السياسية والميدانية، وأهمها إيجاد البديل المناسب لقيادة إيران الجديدة إذا صح التعبير، وفي هذه الحالة ستكون المرحلة الاخيرة من الحرب، أي مرحلة تمكين السلطة الجديدة، هي الاكثر خطورة وتعقيداً، خاصة أن هدف ترامب النهائي هو إقامة حكومة موالية تضمن أن موارد الطاقة الإيرانية ستصبح في يد الولايات المتحدة دون سواها، ضمن سياق مشابه لما حدث في سوريا وفنزويلا، وهنا بيت القصيد وجوهر الصراع.