العميد م. ناجي ملاعب
يتناول هذا البحث موقع القدرات النووية الصينية في النظام الدولي، بين الاعتراف القانوني الكامل والتحفظ الاستراتيجي العملي، الأمر الذي ينعكس على سلوكها في ملفات الحد من التسلح وتحديث قواتها المسلحة، وتأثير ذلك على علاقات الصين الدولية. مع التطرق الى مستوى الثقة الدولية بالأسلحة الصينية المورَّدة إلى الخارج، ومعوقات تحديث جيش التحرير الشعبي الصيني الهيكلية والعقائدية.
أولًا: القدرات النووية الصينية والإشكالية الدولية
يشكّل صعود جمهورية الصين الشعبية عسكريًا، ولا سيما في المجال النووي، أحد أبرز التحولات البنيوية في النظام الدولي خلال العقدين الأخيرين. وتتمتع الصين باعتراف قانوني كامل كدولة حائزة للأسلحة النووية ضمن إطار معاهدة NPT، وهو اعتراف يضعها نظريًا على قدم المساواة مع الولايات المتحدة وروسيا وبريطانيا وفرنسا. غير أن هذا الاعتراف القانوني لم يُترجم إلى مساواة عملية في إدارة نظام الحد من التسلح العالمي، الذي ظل لعقود طويلة قائمًا على ثنائية أميركية–روسية. ونتيجة لذلك، تُعامَل الصين في العديد من المقاربات الغربية كقوة نووية «صاعدة» أو «غير شفافة»، لا كقطب ردع مكتمل الأركان.
وفي إحصاء سابق لمعهد استوكهولم الدولي لأبحاث السلام للعام (SIPRI)، 2017 تقدر الترسانة النووية الصينية بـ 270 رأسًا حربيًا وكانت أول تجربة نووية لها عام 1964 وخلافًا للدول الموقعة على معاهدة حظر الانتشار النووي، تعمل الصين حاليًا على تحديث ترسانتها النووية وتوسيعها. ويقدّر محللون أن حجم ترسانة الصين النووية ربما يتضاعف مرتين بحلول منتصف عشرينات هذا القرن.
ينقسم الخبراء الدوليون، اليوم، حول ما إذا كان التوسع النووي الصيني يأتي ردًا على تهديدات عسكرية جديدة مُتصوَّرة، مثل أنظمة الدفاع الصاروخي الأمريكية والأسلحة التقليدية الدقيقة، أم أنه مدفوع بأجندة أمنية مُراجعة. ويشمل المنظور الأخير الاعتقاد بأن الصين تُحوّل بشكل منهجي من استراتيجيتها النووية التقليدية نحو نهج أكثر عدوانية، بما في ذلك اعتماد أكبر على استخدام الأسلحة النووية أولًا. وقد يدفع هذا الولايات المتحدة إلى تعزيز قدراتها النووية بشكل كبير.[1]

ثانياً: محدودية الثقة الدولية بالأسلحة الصينية المصدّرة
وفقاً لمعهد (SIPRI)، انخفضت صادرات الصين من الأسلحة بنسبة 23% بين 2013–2017 و2018–2022. حيث تراجعت إيرادات أكبر الشركات الدفاعية الصينية بنسبة 10%. خلالها سجلت NORINCO انخفاضاً حاداً بلغ 31%. ويأتي ذلك نتيجة فضائح الفساد في المشتريات، وإلغاء عقود دفاعية كبرى، وضعف مراقبة الجودة. بجانب اعتماد مفرط على الإنتاج السريع على حساب الاختبار والتطوير.[2]
وتشمل الصادرات الصينية العسكرية منظومات صاروخية، طائرات مسيّرة، سفنًا حربية، وأنظمة دفاع جوي. وتُسوَّق الأسلحة الصينية غالبًا بوصفها أقل تكلفة، وأقل تقييدًا سياسيًا، مقارنة بنظيراتها الغربية، خصوصًا إلى دول آسيا، الشرق الأوسط، وأفريقيا. وقد واجهت دولٌ عدة مستوردة للسلاح الصيني مشاكل خطيرة في جاهزية المعدات وجودتها. فقد أبلغت نيجيريا عن أعطال متكررة في مقاتلات F‑7 أدت إلى حوادث وتحطم طائرات، واضطرت لإعادة معظم ما تبقى منها إلى الصين للصيانة. وفي ميانمار، تبين أن مقاتلات JF‑17 تعاني من رادار ضعيف، وغياب صواريخ بعيدة المدى، ومشكلات هيكلية، ما جعلها غير صالحة للقتال رغم سنوات من دخولها الخدمة. كما واجهت بنغلاديش أعطالاً في طائرات K‑8W بعد وقت قصير من تسلمها.
كما اشتكت باكستان، أكبر زبون للسلاح الصيني، من ضعف أداء السفن F‑22P وعيوب خطيرة في أنظمة صواريخ FM‑90، بما في ذلك فشل مستشعرات الأشعة تحت الحمراء ورادارات التتبع. وفي الجزائر، تحطمت طائرات CH‑4 المسيّرة خلال التجارب، ما أثار شكوكاً حول موثوقيتها.
وعلى الرغم من الانتشار الواسع، لا تزال الثقة الدولية بالأسلحة الصينية محدودة نسبيًا لعدة أسباب: ومنها قلة الاختبار القتالي واسع النطاق، مقارنة بالأسلحة الأميركية أو الروسية، وتباين الجودة بين النماذج المصدّرة وتلك المستخدمة داخل الجيش الصيني، ومحدودية أنظمة الصيانة والدعم اللوجستي في بعض الدول المستورِدة، وقد انعكس ذلك في تقييمات متحفظة لأداء بعض المنظومات الصينية في النزاعات الإقليمية، ما يؤثر على الصورة العامة للصناعة العسكرية الصينية.
وتعتمد الصين في تسويق سلاحها على مبدأ «عدم التدخل السياسي»، وهو عامل جذب للعديد من الدول. غير أن هذا البعد نفسه يثير مخاوف بعض الشركاء من غياب ضمانات طويلة الأمد، سواء فيما يتعلق بتحديث الأنظمة أو توفير قطع الغيار في أوقات الأزمات.

ثالثاً: الإصلاحات الهيكلية والعقائدية داخل جيش التحرير الشعبي الصيني
شهد جيش التحرير الشعبي الصيني منذ منتصف العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين سلسلة إصلاحات عميقة تُعدّ الأوسع منذ تأسيسه عام 1949. استهدفت هذه الإصلاحات الانتقال من نموذج «الجيش الجماهيري الثقيل» إلى قوة حديثة «معلوماتية–ذكية» قادرة على خوض عمليات مشتركة عالية الكثافة، وحماية المصالح الصينية المتنامية، وتعزيز الردع متعدد المجالات[3].
ومن أهم دوافع الإصلاح تحول بيئة التهديد من حيث تصاعد المنافسة مع الولايات المتحدة، وضغوط الجوار البحري (تايوان، بحر الصين الجنوبي)، واتساع المجالين السيبراني والفضائي. وكذلك فإن غياب حروب حديثة واسعة النطاق فرض تعويضًا عبر إعادة التنظيم والتدريب المتقدم. والأهم في تلك الدوافع ضبط العلاقة حزب–جيش بالتنسيق ما بين تعزيز السيطرة السياسية ورفع الكفاءة المهنية. والحافز الداهم للجيش الصيني يتمثّل بضرورات انجاز الردع المتكامل لدمج القدرات النووية، والصاروخية، والتقليدية، والسيبرانية ضمن منظومة واحدة.
ومن الإصلاحات المعتمدة حديثا تقليص القوات البرية عددًا ونفوذًا لصالح البحرية والقوات الجوية، وإنشاء قوة الصواريخ كفرع مستقل لإدارة الردع النووي والتقليدي بعيد المدى، وتأسيس قوة الدعم الاستراتيجي (SSF) لدمج الفضاء، والفضاء السيبراني، والحرب الإلكترونية، والاستخبارات التقنية.
لقد تم اتخاذ خطوات تنظيمية مهمة مؤخراً، ومنها: إعادة هيكلة القيادة العليا، إلغاء المناطق العسكرية واستبدالها بـخمسة قيادات مسرحية (شرقية، جنوبية، غربية، شمالية، وسطى) لتسهيل العمليات المشتركة، الى جانب تعزيز دور اللجنة العسكرية المركزية وتركيز القيادة الاستراتيجية.
أما لجهة الاحتراف والموارد البشرية فقد اجتازت مراحل كبرى من حيث تقليص الأعداد ورفع معايير التجنيد وإصلاح منظومات التعليم العسكري والرتب وتوسيع برامج استقطاب الكفاءات التقنية.
وقد تمكن جيش التحرير من الانتقال من “الحرب الشعبية” إلى “العمليات المشتركة المعلوماتية–الذكية”، ومن الدفاع العميق القائم على الكتلة البشرية إلى الضربات الدقيقة، والسيطرة المعلوماتية، وسرعة القرار. ويندرج ذلك في الإصلاحات العقائدية باعتماد مفهوممركزية القيادة مقابل مرونة التنفيذ مع الحفاظ على مركزية القرار الاستراتيجي والسعي لمنح الوحدات الميدانية هامش مبادرة تكتيكية أكبر—وإن بقي محدودًا ثقافيًا.
حدود الإصلاح ومعوقاته تفترض تخفيف القيود السياسية واستمرار أولوية الولاء الحزبي والذي يحدّ من المبادرة الفردية. كما ان المناورات العسكرية الدورية لا تعوّض كليًا خبرة القتال الحقيقي، والعمليات المشتركة تشكل تقدّما مؤسسياً من دون نضج كامل في التنسيق تحت الضغط.

رابعاًً: معوقات تحديث الجيش
لا يزال جيش التحرير الشعبي خاضعًا لهيمنة الحزب الشيوعي الصيني، ما يجعله «جيش حزب» بقدر ما هو «جيش دولة». وتؤدي هذه البنية إلى: تقييد المبادرة الفردية للضباط وتغليب الاعتبارات السياسية على المهنية العسكرية في بعض مستويات القيادة.
مع العلم بأن هذا الجيش لم يخض حربًا واسعة النطاق منذ عام 1979، ما يخلق فجوة بين القدرات النظرية والقدرة على إدارة عمليات معقدة تحت ظروف قتالية حقيقية. وتعتمد بكين بشكل كبير على المناورات والمحاكاة لتعويض هذا النقص.
وينبغي الإشارة الى دور القيود التقنية والصناعية كمعوّق أساس في التطوير، فالاعتماد الجزئي على التكنولوجيا الأجنبية رغم التقدم الكبير، لا تزال الصين تعاني من فجوات في: محركات الطائرات النفاثة المتقدمة، الرقائق الإلكترونية العسكرية عالية الأداء، بعض تقنيات الاستشعار، الى جانب القيود الغربية (خصوصًا الأميركية) على أشباه الموصلات والتي تشكّل عنق زجاجة استراتيجي.
وصحيح ان الصين تنتج أعدادًا كبيرة من السفن والصواريخ والطائرات، لكن بعض المنصات لا تزال أقل اعتمادية أو أقل اختبارًا ميدانيًا مقارنة بنظيراتها الغربية. بالإضافة الى مشكلة الصيانة طويلة الأمد وان الجاهزية القتالية ما تزال قيد الاختبار.
هناك عامل آخر يتمثل في مسألة الشفافية فيما يتعلق بكمية المعلومات التي يمكن الكشف عنها علنًا، أو الوصول إليها من خلال قواعد البيانات والمعلومات العامة على الإنترنت. بعض المقالات الأكثر حساسية – في حين أنها مدرجة في قاعدة بيانات CNKI- لا يمكن الوصول إليها بسبب الطبيعة السرية لما يبدو أنها موجودة فيها. فالعديد من المجلات التي تنشرها خدمات جيش التحرير الشعبي (PLA) تحتوي على مجلدات / أعداد فقط تعود الى أكثر من عقد، لم يتم تضمين أحدث منها في قاعدة البيانات، ويفترض أنه يمكن الوصول إليها فقط كنسخ ورقية في المكتبات الصينية”.[4]
وعلى الرغم من الاهتمام المعلن، يقترح المحللون الصينيون أن “هناك العائق الأهم أمام إشراك الصين في الحد من التسلح هو التفكير التقليدي داخل الصين، والإصرار التقليدي على السرية والافتقار إلى الشفافية، والشكوك التقليدية في الحد من التسلح. لا يمكن إزالة هذا النوع من العوائق إلا إذا حظيت بالدعم والمباركة من القيادة الصينية العليا لأبحاث الحد من التسلح. لذلك يجب أن تتعامل مع القائد الأعلى، ولا يمكن المبالغة في أهمية ذلك.[5]
خامساً: حصر تنامي القوة الصينية في “توازن إقليمي”
في “استراتيجية الدفاع الوطني الأميركية لعام 2026” والتي يتم نشرها واعتمادها لسنوات أربعة، حيّزاً كبيراً للنظرة الى جمهورية الصين الشعبية، ويقول وزير الحرب بيت هيغسيث: “بأي مقياس، تُعد الصين بالفعل ثاني أقوى دولة في العالم -خلف الولايات المتحدة فقط- وأقوى دولة بالنسبة لنا منذ القرن التاسع عشر. وبينما تواجه الصين تحديات اقتصادية وديموغرافية ومجتمعية داخلية كبيرة جداً، فإن الحقيقة هي أن قوتها تتنامى. لقد أنفقت بكين بالفعل مبالغ طائلة على جيش التحرير الشعبي (PLA) في السنوات الأخيرة، وغالباً ما كان ذلك على حساب الأولويات المحلية. ومع ذلك، لا يزال بإمكان الصين إنفاق المزيد على جيشها، إذا اختارت القيام بذلك – وقد أظهرت أنها قادرة على القيام بذلك بفعالية. وفي الواقع، فإن سرعة وحجم ونوعية الحشد العسكري التاريخي للصين تتحدث عن نفسها، بما في ذلك القوات المصممة للعمليات في غرب المحيط الهادئ وكذلك تلك القادرة على الوصول إلى أهداف أبعد من ذلك بكثير.
ولهذا السبب توجه استراتيجية الأمن القومي وزارة الحرب (DoW) للحفاظ على توازن قوى عسكري ملائم في منطقة المحيطين الهندي والهادئ. ليس لغرض الهيمنة على الصين أو إذلالها أو خنقها. بل على العكس، هدفنا أكثر تحديداً ومعقولية من ذلك بكثير: إنه ببساطة ضمان ألا تتمكن الصين ولا أي طرف آخر من الهيمنة علينا أو على حلفائنا. لا يتطلب هذا تغيير النظام أو خوض صراع وجودي آخر. بل إن السلام اللائق (الكريم)، بشروط مواتية للأمريكيين ولكن يمكن للصين أيضاً قبولها والتعايش معها، أمر ممكن[6].

خاتمة واستنتاجات
يمكن القول إن القدرة النووية الصينية تتمتع باعتراف قانوني دولي، لكنها لا تزال تفتقر إلى اعتراف استراتيجي عملي كمكوّن مكافئ في نظام الردع العالمي. وفي قراءة لتأثير ذلك على المستوى الدولي فقد اعتمدت استراتيجية الدفاع الأميركية على الاحتفاظ بالغلبة مقابل التوازن العسكري الاقليمي مع الصين. هذا من جهة، ومن جهة أخرى يتقاطع هذا الواقع مع صورة متحفظة نسبيًا للثقة بالأسلحة الصينية الموردة إلى الخارج، ومع مسار تحديث عسكري طموح تعترضه قيود بنيوية وتقنية وسياسية. وعليه، فإن فهم الموقع العسكري للصين يتطلب تجاوز الأرقام والمنصات، نحو تحليل أعمق لطبيعة العقيدة، والبيئة السياسية، وحدود القوة في مرحلة الانتقال إلى نظام دولي متعدد الأقطاب. وتُشير النتائج إلى أن إدماج الصين في أطر مستقبلية للحد من التسلح لن يكون ممكنًا من دون الاعتراف بمخاوفها البنيوية المتعلقة بالدفاع الصاروخي والتكنولوجيا المتقدمة، ودون مقاربة تدريجية تراعي موقعها كقوة صاعدة لا كقوة محافظة.
[1] Tong Zhao, “China’s Nuclear Posture: Minimum Deterrence and Beyond,” Carnegie Endowment for International Peace, 2021.
[2] ]: Stockholm International Peace Research Institute (SIPRI), Arms Transfers and Sustainment
[3] M. Taylor Fravel, Active Defense: China’s Military Strategy since 1949 (Princeton: Princeton University Press, 2019).
[4] Fei Su Researcher with SIPRI’s China and Asia Security Programme
التقنيات الناشئة والمعطلة، والمخاطر النووية، والاستقرار الاستراتيجي: مراجعة الأدبيات الصينية
[5] المرجع السابق
[6] نشرت الوثيقة كاملة بتاريخ 27/01/2026 على موقع thegatewaypundit






