“ضربة العقرب”… التحول الأمريكي نحو حرب المسيّرات في قلب إيران وتغييرات في العقيدة القتالية الأمريكية

العميد صلاح الدين أبوبكر الزيداني الأنصاري

في خطوة تعكس تحولًا متسارعًا في طبيعة الحروب الحديثة القائمة على الطائرات المسيرة منخفضة التكلفة وتغييرات في العقيدة القتالية الأمريكية أطلقت القيادة الأمريكية بالتنسيق مع قوات الكيان الإسرائيلي عملية الغضب الملحمي Operation Epic Fury، والتي تعتبر أوسع عملية عسكرية ضد إيران في الآونة الأخيرة مستهدفة البنية الأمنية والعسكرية للنظام الإيراني مستُخدمة لأول مرة قوة المهام المسماة “سكوربيون سترايك” (Scorpion Strike) وهي وحدة طائرات مسيّرة هجومية منخفضة التكلفة أحادي الإستخدام ,  العملية عكست تحوّلاً في العقيدة القتالية الأمريكية نحو اعتماد كبير على تقنيات طائرات مسيّرة متقدمة بدل الاعتماد التقليدي على الضربات الجوية التقليدية وحدها.

الهدف من العملية بحسب بيانات القيادة الأمريكية هو تحييد التهديدات العاجلة التي تمثلها منظومات إيران الصاروخية وطائراتها المسيّرة والعمل على إضعاف البنية العسكرية والاستخباراتية للنظام الإيراني ومنع قدرته على شن هجمات مستقبلية مع توجيه ضربة قوية لردع النظام وداعميه الإقليميين.

مجمل هذه الأهداف يشكل تحولًا في السياسة الأمريكية من الاستهداف المحدود والمراقبة إلى رد فعل عسكري موسع وغالبًا ما سيكون استراتيجي ذو مهام محددة تتعلق بإنهاء النشاط النووي العسكري الإيراني وتحجيم قوة الردع الصاروخية المطورة التي يملكها.

شملت الأهداف العسكرية المنتخبة منشآت القيادة والسيطرة التابعة للحرس الثوري الإيراني، إضافة إلى مواقع الدفاع الجوي وقواعد إطلاق الصواريخ والطائرات المسيرة، فضلا عن قواعد جوية عسكرية.

خلال الساعات الأولى من العملية نفذت الضربات باستخدام ذخائر دقيقة أطلقت من الجو والبر والبحر، كما تم لأول مرة في القتال استخدام قوة المهام سكوربيون سترايك “ضربة العقرب” التي تشارك في مهمة عالية الحساسية ووفقاً للبيانات الرسمية المتوفرة عن القوة فهي وحدة قتال طيران مسيّر جديدة تعمل تحت قيادة القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم – CENTCOM) وتعتمد بشكل خاص وكبير على ما يُعرف بدرونات LUCAS وهي مسيرات هجومية منخفضة التكلفة يمكن تشغيلها بشكل شبه مستقل كذخائر طائرة أحادية الاستخدام.

صُممت مسيرات لوكاس الهجومية البالغ سعرها حوالي 35 ألف دولار على غرار مسيرات شاهد الإيرانية وهي من إنتاج شركة “سبكترووركس” ​في فينيكس بولاية أريزونا للاستفادة من تكاليف تصنيع منخفضة وسرعة الانتشار، وهي تمثل توجهاً جديداً نحو حرب مسيّرة عالية الوتيرة بدل الإعتماد على الغارات الجوية التقليدية وما تحتاجه من دعم فني ولوجستي وخدمات مستمرة.

شكلت قوة ضربة العقرب القيادة المركزية أواخر العام الماضي لتكون أول سرب للطائرات المسيرة الهجومية منخفضة التكلفة في الشرق الأوسط ,هذه الخطوة  جاءت بعد أربعة أشهر من توجيه وزير الحرب الأميركي بتسريع شراء وتوزيع تقنيات الطائرات المسيّرة منخفضة التكلفة وظهر فعليا أول سرب متكامل من طائرات النظام الهجومي المسيّر منخفض التكلفة  .(LUCAS)

من المؤمل أن تحقق قوة المهام “سكوربيون سترايك” كفاءة عالية في ضرب أهداف متعددة في وقت قصير , إضافة إلى صعوبات في اعتراضها مقارنةً بالصواريخ التقليدية , كما أنها تشكل ضغطًا نفسيًا وتكتيكيًاعلى منظومات الدفاع الجوية الإيرانية بسبب المدى العملياتي الكبير لها وتعدد وسائط اطلاقها المتنوعة من المنصات الأرضية والمركبات المتنقلة إلى المقاليع ومحركات الإطلاق الصاروخية الاٌبتدائية وأيضا امكانية الإنتشار الواسع بحسب الظروف الميدانية.

تشير عملية الغضب الملحمي إلى عدة تحولات نوعية في الفكر العسكري الأمريكي والتحول لحرب رقمية بتقنيات قتل أسرع وأقل تكلفة بشكل نسبي من الضربات التقليدية  بتوجيه اعتماد أكبر على التقنيات الأوتوماتيكية واستخدام الطائرات المسيرة ذات الاستخدام الأحادي لتوسيع نطاق الإستهداف وتوظيف الأسلحة غير المأهولة للتقليل من تعريض القواعد والأفراد للخطر.

الضربات الأمريكية لإيران شملت مراكز القيادة والسيطرة وعدة أهداف دفاعية استراتيجية مثل مواقع إطلاق الصواريخ والمسيرات الإيرانية وهذا أسلوب يتجاوز نمط الردع التقليدي إلى محو القدرات الحربية الإيرانية المتقدمة بشكل سريع ومركز.

العملية جرت بالتنسيق مع إسرائيل بتنسيق استخباراتي عالٍ وتبادل معلومات أمني واسع لإدماج القدرات الجوية التقليدية مع تقنيات المسيرات.

على المستوى الإيراني، ترددت أنباء عن إطلاق صواريخ باليستية وطائرات مسيّرة باتجاه أهداف أمريكية في قواعده في الشرق الأوسط. كما اعلنت إيران أنها تدافع عن سيادتها وحقها في الرد وفق القانون الدولي وبشكل عام التطورات السريعة في الأحداث العالم والمنطقة وتوجيه ضربات صاروخية إيرانية للكويت والبحرين والأمارات وقطر ينذر بتصعيد تُظهر شامل إذا لم تتوفر حلول للأزمة عبر قنوات دبلوماسية , خاصة وأن سياسة التصعيد مع إيران تحمل مخاطر استراتيجية عالية قد تمتد لتشمل ردود فعل غير متوقعة داخل الساحة الإقليمية والعالمية، ما يضع المنطقة أمام احتمال توترات طويلة ومعقدة.

يمثل استخدام قوة “سكوربيون سترايك” مرحلة جديدة في الحروب الحديثة تتسم بالاعتماد على أسلحة منخفضة التكلفة وفعّالة في ضرب الأهداف الحيوية دون تعريض القوات التقليدية للخطر بصورة مباشرة وهذه الخطوة بالذات تشير إلى تحول في العقيدة العسكرية الأميركية نحو دمج الذكاء الاصطناعي والتشغيل الآلي في القتال بدلاً من الاعتماد الكلي على الضربات الجوية الثقيلة فقط.

تاريخ المواجهات والعلاقة بين الولايات المتحدة وإيران منذ 1979 يُظهر نمطًا ثابتًا (تصعيد منضبط – رد مدروس – ثم احتواء غير مباشر) , وحتى هذه اللحظة لا توجد حرب شاملة معلنة بين الولايات المتحدة وإيران، بل ما يمكن وصفه بـ”مواجهة محسوبة” أو “صراع محدود متعدد الساحات”.

قد تطول الحرب لكن على الأغلب سيكون سيناريو الاحتواء السريع هو الأكثر إحتمالاً لوضع حداً لها وهنا ستكون الضربات المحدودة  وتبادل رسائل الردع أحد أهم سماتها ووسائلها لكن بالتأكيد ستكون هناك تدخلات وساطات إقليمية ودولية  والعودة مجدداً إلى حرب الظل عبر الوكلاء المعروفين.

هذا السيناريو هو الأكثر ترجيحًا  حيث لا ترغب الولايات المتحدة بحرب برية مكلفة في الشرق الأوسط  , وتدرك طهران جيداً أن مواجهة تقليدية مباشرة ستكون مكلفة جدًا لها اقتصاديًا وعسكريًا  ولذلك لن تتحول المواجهة إلى حرب تقليدية طويلة، بل ستبقى ضمن إطار “ردع متبادل عالي التوتر  إلا إذا وقع حدث استثنائي كبير فقد نشهد حينها  تصعيدًا مكثفاً قصير المدى غير حاسم ، ثم احتواء سياسي لإنهاء الأزمة التي تكون قد وصلت بالمتحاربين لحالة من الإنهاك ونتائج مكلفة للطرفين في الإتجاهات الاستراتيجية والاقتصادية.