تمر الحملة العسكرية في الفكر العملياتي الغربي لعمليات القوات المشتركة بسلسلة مراحل متتابعة، حتى الوصول في النهاية إلى تمكين السلطة الشرعية وفرض الاستقرار السياسي في منطقة العمليات، ومن خلال التعرُّف على هذه المراحل يمكن فهم ما يحدث حالياً وما هي الأهداف والتفسيرات لكل نشاط وفعل أو ردة فعل تقوم بها أطراف الصراع والمواجهة العسكرية.

هذا التسلسل في الفن العملياتي مستخدم في وزارة الحرب الأميركية وفي حلف الناتو، ومن الطبيعي ان يتم تطبيقه في الحرب على إيران ، ويمكن تبسيطه ضمن 6 مراحل على الشكل التالي:
- مرحلة التهيئة (Shape): أي مرحلة تشكيل البيئة الاستراتيجية قبل الحرب، وتشمل جمع المعلومات الاستخباراتية، وبناء التحالفات، ونشر القوات وتحضير المجال السيبراني والإعلامي لتهيئة الجماهير.
- مرحلة الردع (Deter): في هذه المرحلة يتم استخدام الوجود العسكري كأداة ردع لمنع الخصم من التصعيد، ونشر قوات بحرية وجوية مع توجيه رسائل سياسية وعسكرية صارمة وواضحة، وهذا ما كان يحدث أثناء فترة المفاوضات بين الطرفين، والتي شابها الغموض وسوء تقدير الطرف الإيراني.
- مرحلة إمتلاك المبادرة (Seize the Initiative): تبدأ هذه المرحلة عند فشل مرحلة الردع والتفاوض، فتنطلق شرارة الحرب ويتم توجيه ضربات دقيقة على القدرات الحرجة لمركز الثقل عند الخصم، وقد يتم إستهداف مركز الثقل بشكلٍ مباشر، وهذا بالضبط ما اعتمدته القيادة العسكرية الاميركية، حين تم إستهداف القيادة الدينية المتمثلة بالمرشد علي خامنئي، وعلى الرغم من تعيين بديل له، إلا أن هذا الإستهداف أصاب هذا الموقع في الصميم، وتسبب لرمزيته بضرر بالغ على الصعيد المعنوي. تعتبر هذه المرحلة الأهم والأخطر والأكثر كلفة في الحرب، حيث تخاض المواجهات في عدة مسارح عمليات، بهدف القضاء على معظم القدرات وعناصر القوة عند الخصم، وإخضاعه للشروط وتهيئة الظروف لإنهاء الصراع.
- مرحلة الهيمنة العملياتية (Dominate) : أي مرحلة القتال الحاسم، فيها تبدأ بوادر النصر في الظهور، حيث يتم هزيمة الخصم في معظم المواجهات في مسارح العمليات المتعددة، أو في المسارح الاكثر اهمية، وهنا يبدأ الحديث عن العملية السياسية والتمهيد لمرحلة ما بعد الحرب، ونلاحظ أن الرئيس الاميركي بدأ يتحدث عن ذلك في تصريحاته لوسائل الإعلام، على الرغم من إستمرار المواجهات وعدم حسم المعركة، وعدم تحقيق التفوق الكامل.
- مرحلة تثبيت الاستقرار (Stabilize): بعد كسر القوة العسكرية للخصم، تبدأ مرحلة منع الفوضى والانهيار، وتشمل حفظ الأمن وحماية البنى التحتية وإدارة الحياة والموارد. وفي هذه المرحلة يتم فرض الشروط على القيادة الجديدة والتأكد من إلتزامها بشروط إنهاء الصراع.
- مرحلة تمكين السلطة (Enable Civil Authority): وهي المرحلة الأخيرة وتشمل إعادة بناء المؤسسات وتسليم الأمن للسلطة المحلية وإعادة الحياة السياسية والإدارية، وإنهاء دور القوات العسكرية.
من خلال إسقاط هذا الفن العملياتي على ما يحدث حاليا في الشرق الاوسط، وفي قراءة أعمق لطبيعة المواجهات المختلفة المجالات والمتعددة المسارح، في مرحلة إمتلاك المبادرة والوصول إلى الهيمنة العملياتية، وعلى الرغم من إحتدام المواجهات، نلاحظ في المستوى الإستراتيجي أن المسرحان الأكثر حساسية وأهمية بالنسبة لإيران في هذه الحرب هما لبنان واليمن. لكن المثير فعلاً هو أن الجبهتين لا تُداران بالطريقة نفسها. السبب ليس عسكريًا فقط، بل استراتيجي متعلق بالمحافظة على الزخم العملياتي والإستمرارية، وفي الوقت الذي فُتحت فيه جبهة لبنان، بقيت جبهة اليمن مؤجلة لتؤمن لاحقاً خط عمليات جديد يستعمل كورقة ضغط إضافية.

على صعيد جبهة لبنان أو الجبهة الشمالية بالنسبة لإسرائيل، فالولايات المتحدة لم تتدخل مباشرة فيها، وعلى الارجح لن تتدخل مستقبلاً، ولكنها تقدم كامل الدعم الإستخباراتي واللوجستي الذي تحتاجه حليفتها، وتشكل جبهة لبنان أداة ردع إستراتيجية تستخدمها إيران ضد إسرائيل مستفيدة من ثلاث إعتبارات وهي: قرب المسافة الجغرافية، القدرات النارية من حيث النوعية والكمية المتمركزة فيها، إرادة القتال والخبرة المتوافرة عند حزب الله. لذلك فهي تعتبر جبهة رئيسية يتم إستخدامها بحذر وبإسلوب الإقتصاد في القوى، بهدف تحقيق الإستمرارية والمحافظة على الزخم.
على صعيد جبهة اليمن، فالوظيفة مختلفة تماماً، وهذا ما يفسر تأجيلها وحيادها المؤقت، فهي جبهة السيطرة على الممرات، وقيمتها الإستراتيجية مرتبطة بثلاثة إعتبارات هي: السيطرة على مدخل البحر الأحمر، تهديد سلاسل الإمداد والتوريد وخطوط التجارة العالمية، والقدرة على تعطيل الممر البحري نحو قناة السويس. في هذه الحالة تعتبر جبهة اليمن أداة ضغط على الإقتصاد العالمي وليس فقط على الولايات المتحدة وإسرائيل.

أما لماذا لم تتحرك جبهة اليمن إلى الآن؟ فتكمن الإجابة في ثلاثة أسباب استراتيجية هي: المحافظة على ورقة التصعيد الأخيرة لإستخدامها في آخر مراحل المواجهة إذا استمرت، التركيز على المسرح الشرقي كجهد رئيسي في المواجهة ( غزة، لبنان، العراق، سوريا) وإستنزاف قدرات الولايات المتحدة وإسرائيل هناك، وأخيراً إعتبار العلاقة مع السعودية ومصر، وهذا عامل هام تأخذه إيران بعين الإعتبار، فقد بدا واضحاً أن إيران تراعي الطرف السعودي في المواجهة من خلال الإستهدافات الخجولة للمملكة، بينما كانت الهجمات بالصواريخ وبالمسيرات أكثر قوة وعنفاً وكماًً ضد الإمارات والكويت وقطر والبحرين، فإيران لا تريد حاليًا إعادة فتح الحرب مع السعودية بعد التفاهمات الأخيرة، وهي تريد المحافظة على الحد الادنى من التواصل الديبلوماسي معها، لأنها تعرف أن الثقل الخليجي يمكن في الموقف السعودي، وإن أي تصعيد كبير من اليمن قد يعيد الرياض إلى موقع المواجهة المباشرة، إضافةً إلى ذلك، فإن تهديد مصالح مصر بإقفال طريق قناة السويس، قد يدفعها للدخول في التحالف الدولي ضد إيران، ما يزيد من عزلتها ويرفع من مخاطر زوال نظامها الحالي.

تعتمد إيران إستراتيجية هندسة الجبهات، على الرغم من الضربات التي تتلقاها، والمواجهات العنيفة والحاسمة التي تخوضها، فهي تقدم جبهة لبنان كخط مواجهة إستراتيجي عالي الخطورة والتأثير، العراق جبهة إستنزاف مساعدة، اليمن جبهة ضغط إقتصادي وطاقوي مؤجلة. وفي هذا الإطار، وإذا وصلت الحرب إلى مرحلة تهديد حقيقي للبنية العسكرية لإيران ولحزب الله، فإن الجبهة التي قد تُفتح بشكل كبير هي اليمن. لأن تحويل المعركة إلى حرب ممرات بحرية بالتزامن مع التهديدات في مضيق هرمز، ستغيّر طبيعة الصراع بالكامل.
إذاً جبهة اليمن مرهونة بمدى صمود إيران، وبرد فعل إسرائيل في لبنان، حيث من المتوقع في المنطق العملياتي، ومن خلال تصريحات وزير الدفاع الإٍسرائيلي، أن إجتياحاً للعمق اللبناني سيحصل في الأيام القادمة، وسيستهدف المخزون الإستراتيجي لقدرات حزب الله والموجودة في البقاع الشرقي وفي السلسلة الجبلية بالتحديد، وتريد إسرائيل تدمير هذا المخزون بمزيج من الضربات الجوية بقنابل خارقة للتحصينات، وعمليات خاصة نوعية تنفذها وحدات Sayeret Metkal، Maglan، Egoz، Duvdevan، وقد يترافق عمل هذه الوحدات مع تقدم بري وإنزالات على النقاط الحاكمة على مرتفعات السلسلة الشرقية، مع دعم جوي وتكنولوجي متفوق مماثل لعملية أسر الرئيس الفنزويلي السابق “مادورو”، ويعتبر تدمير مخزون حزب الله الإستراتيجي في لبنان، أحد أهم العمليات الحاسمة Decisive operations التي تنفذ على المحور الرئيسي للجهد العسكري، بهدف تحقيق الهدف العملياتي الذي يقود مباشرة إلى النتيجة الإستراتيجية للحرب.
من الواضح أن الولايات المتحدة وقوى غربية أخرى أصبحت تمتلك الوعي الإستراتيجي في شأن جبهتي اليمن ولبنان، وهي تتوقع حرباً ممتدة طويلة وحاسمة هناك، وهذا يفسر قدوم حاملة طائرات أميركية ثالثة إلى المنطقة، إضافةً إلى اصول عسكرية بريطانية وفرنسية وألمانية وإيطالية وإسترالية، جميعها تتحرك بسرعة وبسرية، ومما لا شك فيه أن التصعيد سيأخذ إتجاهات عالية الخطورة في الأيام القادمة، وتحقيق الهيمنة العسكرية على كافة مسارح العمليات من إيران إلى العراق ولبنان واليمن، سيتطلب بذل مزيداً من الجهود، وزج مزيداً من القوات، وإستهلاك مزيداً من المهل.






