مناورة “اللحظة الأخيرة”: هل يمهد ترامب لعملية عسكرية كبرى خلف ستار التفاوض؟

العقيد الركن م. ظافر مراد

بعد أن خرجت دول الخليج وأبرزها قطر من دورها المعتاد كوسيط معتمد في المفاوضات بعد أن أصبحت طرفاً متضررا من إيران، أخذت كل من مصر وباكستان ودول أخرى مبادرة الوساطة لإنهاء الحرب في المنطقة، وكعادته الرئيس الاميركي ترامب، بعد إعلانه عن تفاوض يجري مع إيران، يطرح تفاؤله في التوصل إلى إتفاق في سياق إسلوبه في الضغط على خصومه، مؤكداً على شروطه القاسية لوقف الحرب، والسؤال المطروح هنا في ظل نفي إيراني لأي تواصل أو محاولة تفاوض مع الولايات المتحدة، هل يسعى ترامب لـ “وقفة عملياتية” طلبتها وزارة الحرب وقيادة المنطقة الوسطى بهدف إعادة تنظيم القدرات والقوات وتحقيق اللوجستيات والذخائر المطلوبة لإستكمال المرحلة الحاسمة من الحرب، أم هي فعلاً بوادر نهاية الحرب وقبول الطرف الإيراني بشروط الولايات المتحدة؟

في قراءة للمؤشرات وللأحداث والتطورات الحاصلة، يُرجَّح أنها مناورة سياسية لكسب الوقت، حيث أن ترامب يعلم أن الطرف الإيراني لا يمكن ان يقبل بشروطه، خاصة أن التواصل يجري مع رئيس البرلمان الإيراني “محمد باقر قاليباف” المحسوب بقوة على الحرس الثوري والملتزم بنهجه الايديولوجي. بينما استُبعد الرئيس الإيراني “مسعود بازشكيان” من هذه العملية كونه ذو خلفية مدنية وخارج بنية الحرس الثوري، ومعروف بأنه إصلاحي النهج، كما أن عباس عرقجي غائب عن الساحة وهو المفاوض الرئيسي في إيران ولديه إلمام بكافة إعتبارات وشروط التفاوض، والخطوط الحمر بالنسبة للتنازلات والحد الأدنى المقبول في مسائل عدة لها صلة ببقاء النظام، وبالتالي فإن التوصُّل لإتفاق وتحقيق شروط الولايات المتحدة مع قاليباف مستبعد وغير وارد، مع الإشارة إلى أن غاية القيادة الإيرانية حالياً تنقسم إلى شقين، في الشق العسكري هي الصمود بالحد الأدنى المقبول كقوة مواجهة، والإستمرار في إطلاق الصواريخ والمسيرات ولو عجزت عن تحقيق مفاعيل إستراتيجية، أما على المستوى السياسي فالغاية هي “بقاء النظام” وعدم إسقاط ما تبقى من هيبته وسيطرته.

بعد الحديث عن التفاوض، وبالإنتقال إلى النشاطات والاحداث العسكرية، يبدو أن مسار العمليات العسكرية وعمليات حشد القوى الحاصل في المنطقة، على المستويين النوعي والكمي، والتي تشارك فيه عدة دول غربية، إضافةً إلى استحضار حوالي 3 آلاف عنصر من قوات “المارينز-US Marines” الذين تم نشرهم عبر وحدات “MEU-Marine Expeditionary Unit” وهي مجموعات بحرية برمائية (قوات المارينز هم عناصر مشاة متخصصين في عمليات الإبرار على السواحل والمناطق المحاذية، وتنفيذ عمليات خاصة بقدرات إستثنائية لديهم دعم ناري بحري وجوي مباشر وعالي الفعالية). ووضع الفرقة المجوقلة 82 -82nd Airborne Division” (مؤلفة من وحدات عالية الكفاءة متخصصة بالعمليات المظلية وعمليات الإهباط الجوي المباشر على الأهداف) في حالة تأهب قصوى للتحرك بإتجاه المنطقة، مع معلومات تشير إلى أن قسم من هذه الفرقة قد وصل فعلياً إلى المنطقة. كل ذلك يشير إلى تحوُّل كبير في إسلوب وطبيعة المواجهات وإختيار الأهداف، إضافةً إلى ارتفاع منسوب القصف المركز، وهذا ما سنشهده على الأرجح في نهاية هذا الإسبوع.

تجدر الإشارة هنا إلى أن هذه القوات النوعية ستعمل تحت إمرة “القيادة المركزية الاميركية- CENTCOM” وهي تتموضع ويتم نشرها وفقاً للمعلومات المسربة، في شرق المتوسط ومنطقة الخليج العربي، مع التركيز على منطقة الخليج، أما بالنسبة للمهام والنشاطات المتوقعة لهذه القوات، فهناك إحتمالات بنزول قوات مارينز في لبنان والاردن لحماية وتأمين مقرات السفارات والبعثات الديبلوماسية وبعض القواعد التي تستضيف نشاطات أو قوات أميركية، وربما السيطرة على مناطق حساسة وهامة في حال وجود تهديدات ومخاطر أو حصول إضطرابات داخلية، أضافةً إلى المشاركة في عمليات إجلاء الرعايا عند الضرورة. أما في إيران ومنطقة الخليج العربي، فيبدو التدخل اكثر إحتمالاً، حيث هناك العديد من المهام المتوقعة، لا سيما بالنسبة للفرقة المجوقلة 82، ومنها إحتلال جزيرة خرج وجزر إيرانية أخرى، والسيطرة على مناطق ساحلية هامة،  إضافة إلى مهام مثل تعزيز وتأمين حدود وأراضي بعض دول الخليج، في حال تعرضها لهجمات من قوات إيرانية عبر البر أو البحر.

يبدو واضحاً أن ما يُطرح اليوم على أنّه تفاوض، ليس سوى إعادة تأكيد ودعم للقرار قبل إطلاقه كسلاح. حديث الرئيس الأميركي ترامب عن إمكانية الفشل لا يحمل تحذيرًا دبلوماسيًا بقدر ما يُخفي معادلة جاهزة: إذا لم يُنتج التفاوض ما نريده، ستتكفّل قواتنا بالباقي. هنا لا يكون التصعيد نتيجة فشل التفاوض، بل هدفه الحقيقي، فترامب يستخدم المفاوضات لقياس قابلية الخصم للانكسار، لا للوصول إلى تسوية. وعند لحظة الإدراك بأن الخصم لم ينكسر بما يكفي، يتحوّل القرار إلى عمليات حاسمة، وتتحوّل الهدنة إلى إشارة إنطلاق لمرحلة جديدة، حين يصبح الفشل الديبلوماسي غاية تحدد ساعة الصفر.