المنظومات الدفاعية لدول مجلس التعاون الخليجي في مواجهة التهديد الإيراني

خاص – Defense Arabia

تواجه دول مجلس التعاون الخليجي تهديداً مباشراً ومتصاعداً، تُغذّيه الترسانة الصاروخية الإيرانية وأسراب طائراتها المسيّرة، مما دفع هذه الدول إلى تأسيس منظومات دفاعية متكاملة ومتعددة الطبقات، تقوم على مبدأي التفوق الجوي والاعتراض المتقدم.

والمنطق العملياتي لهذه البنية الدفاعية مزدوج: طبقة عليا تتصدى للصواريخ الباليستية في أعلى مسارها قبل دخولها الغلاف الجوي، وطبقة دنيا تُوقف ما يخترق الطبقة الأولى أو ينحدر على ارتفاعات منخفضة. وقد أثبتت هذه المنظومات كفاءتها في الميدان، مستندةً إلى تراكم متواصل في القدرات العسكرية والتقنية، فضلاً عن شراكات استراتيجية راسخة مع القوى الغربية الكبرى.

المملكة العربية السعودية: الثقل الاستراتيجي وعمود الدفاع الخليجي

تتصدّر المملكة المشهدَ الدفاعي في المنطقة بأضخم ميزانية وأكبر جيش بين دول المجلس. يضم سلاحها الجوي ما يزيد على 380 طائرة قتالية، في مقدمتها مقاتلات F-15 بإصداراتها المتطورة — ولا سيما الـ F-15SA المزوّد بمنظومة رادار AESA من جيل جديد وقدرة مزدوجة المقعد للهجوم الأرضي — إلى جانب 71 مقاتلة تايفون يوروفايتر وما تبقى من أسطول التورنادو IDS.

Saudi Arabia

غير أن الرهان الحقيقي في المنظومة الدفاعية السعودية يتجاوز القوة الجوية نحو درع اعتراضي متعدد الطبقات يجمع بين منظومتَي “ثاد” و”باتريوت”. فمنظومة “ثاد” — التي تُشغّلها المملكة مع الإمارات بوصفهما الدولتين الخليجيتين الوحيدتين في هذا النادي الضيق — تعترض الصواريخ الباليستية التكتيكية ومتوسطة المدى على ارتفاعات تصل إلى 150 كيلومتراً وبمدى اعتراضي يبلغ 200 كيلومتر، في حين يعمل رادارها الشهير AN/TPY-2 ذو النطاق الترددي X على رصد التهديدات وتتبعها من مسافات تتراوح بين 870 و3,000 كيلومتر، مما يمنحها قدرة إنذار مبكر استثنائية. أما الطبقة الدنيا فتُشكّلها بطاريات “باتريوت PAC-3 MSE”، وهي النسخة الأكثر تطوراً من المنظومة، إذ تعتمد محركاً صاروخياً مزدوج النبضة يمدّها بمدى يتجاوز 50 كيلومتراً، وتستخدم تقنية “الاصطدام المباشر بالهدف” Hit-to-Kill بدلاً من الانفجار القريب، مما يضمن تدمير الرأس الحربي الواردة دون مخلّفات انفجارية خطرة فوق المناطق المأهولة.

Lockheed Martin tests PAC-3 MSE interceptor new upgrades

بيد أن الاعتماد الكبير على التكنولوجيا والدعم اللوجستي الغربي يطرح تساؤلات جوهرية حول الاستقلالية التشغيلية في سيناريوهات التصعيد الشامل، حين قد تُصبح سلاسل الإمداد وجداول الصيانة خاضعة لاعتبارات سياسية خارج نطاق القرار الخليجي المستقل.

الإمارات العربية المتحدة: تقدم تقني وخبرة ميدانية

تحتل القوات المسلحة الإماراتية مرتبة متقدمة بين أكثر الجيوش تطوراً في المنطقة، إذ تُشغّل أسطولاً من مقاتلات “إف-16” و”ميراج”، إلى جانب ما يُعدّ اليوم من أكثر منظومات الدفاع الجوي تعدداً وثراءً في العالم. فبخلاف السعودية التي ارتكزت على مصدر غربي موحّد، آثرت أبوظبي استراتيجية “التنويع الدفاعي المتعمّد”، إذ تجمع منظومتَي ثاد وباتريوت الأمريكيتين، ومنظومة براك الإسرائيلية، وبانتسير-S1 الروسية، وتشيونغونغ-2 الكورية الجنوبية، فضلاً عن المنظومة المحلية سكاي نايت، في بنية دفاعية ثلاثية الطبقات: تتصدى ثاد للتهديدات العليا، والمنظومات المتوسطة لما اخترق الطبقة الأولى، والمنظومات القصيرة المدى لكل ما أفلت من الطبقتين.

مصدر: روسيا أنجزت توريد دفعة كبيرة من منظومات "بانتسير-إس 1" إلى العراق  (فيديو) - RT Arabic

ولعل أبرز ما يميّز المنظومة الإماراتية هو اختبارها في الميدان الحقيقي: في يناير 2022، سجّل ثاد الإماراتي أول عملية اعتراض قتالي في تاريخ المنظومة على مستوى العالم، حين أسقطت بطارية إماراتية صواريخ باليستية متوسطة المدى أطلقتها قوات الحوثيين. ولم يكن ذلك محض اختبار تقني؛ بل كان اعتراف بأن منظومة دفاعية معقدة تستلزم عادةً سنوات من الدمج والتدريب قد حققت أعلى معدل جاهزية تشغيلية، وهو ما ترجم لاحقاً إلى نسبة اعتراض بلغت 95% ضد الصواريخ الإيرانية.

قطر: قوة نوعية في حجم صغير

على الرغم من محدودية مساحتها وعدد سكانها، رسمت قطر مساراً دفاعياً لافتاً يرتكز على مبدأ واضح: الكيف لا الكم، والتنويع لا الاتكاء على مصدر واحد. وتعتمد قوتها الجوية على ثلاثة أنواع من أحدث المقاتلات في العالم: 36 مقاتلة رافال، و48 طائرة F-15QA أبابيل — النسخة الأكثر تقدماً من إنتاج بوينغ للجانب القطري — إضافةً إلى 24 مقاتلة تايفون، مما يجعل الدوحة من القلائل على مستوى العالم التي تُشغّل هذا التنوع من المنصات المتقدمة في آنٍ واحد. والمعنى الاستراتيجي لهذا التنوع يتجاوز القدرة القتالية: بتوثيق عقودها مع واشنطن وباريس ولندن في وقت واحد، ضمنت الدوحة ثلاثة خيوط من الالتزام الأمني تجعل الإفراط في الاعتماد على أي منها وحده أمراً مستبعداً.

وعلى صعيد الدفاع الجوي، شيّدت قطر مظلة متكاملة تجمع منظومتَي باتريوت وNASAMS III للدفاع البعيد والمتوسط، ورادار إنذار مبكر AN/FPS-132 المتصل مباشرةً بمركز القيادة الأمريكية في قاعدة العديد الجوية — أكبر قاعدة أمريكية في المنطقة — مما يمنح قطر في الواقع قدرة رصد وإنذار تفوق ما تستطيعه بمواردها المستقلة.

National Advanced Surface to Air Missile System, Norway

الكويت والبحرين: التحالف الاستراتيجي خط الدفاع الأول

تواصل الكويت تحديث بنيتها الدفاعية بخطى ثابتة، مستندةً إلى منظومة باتريوت PAC-3 للدفاع البعيد المدى، ومنظومتَي أسبايد وسكايغارد للدفاع القصير. والأهم من التجهيز المادي أن الكويت تستضيف قواعد أمريكية متقدمة — في مقدمتها قاعدة علي السالم الجوية — تُشكّل بحد ذاتها رادعاً استراتيجياً يُضاف إلى المنظومات الوطنية.

أما البحرين فتُوظّف موقعها الجيوسياسي الاستثنائي واستضافتها لقيادة الأسطول الخامس الأمريكي — أقوى تجمّع بحري للولايات المتحدة خارج حدودها — بوصفهما الركيزة الأساسية لعقيدتها الدفاعية. وقد انضمت البحرين مؤخراً إلى نادي دول المجلس المشغّلة لمنظومة باتريوت PAC-3 MSE المتطورة، لتُكمل بذلك الدائرة الخليجية لهذا الدرع الاعتراضي الذي بات يُغطي الجانب الأكبر من الجغرافيا الخليجية. وتعتمد كلتا الدولتين على مزج متوازن بين القدرات الدفاعية الذاتية والمظلة الأمنية التي توفرها التحالفات الدولية في مواجهة التهديد الإيراني المتصاعد.