إيران تستعرض حطام صاروخ “جاسم-إي آر” الأمريكي: غنيمة تكنولوجية أم ورقة دعاية؟

في مشهدٍ يُعيد للأذهان سابقةَ الطائرة المُسيَّرة “آر كيو-170” عام 2011، كشف الحرس الثوري الإيراني (IRGC) عن ما وصفه بحطام صاروخ الكروز الأمريكي الشبحي “أي جي إم-158 بي جاسم-إي آر” (AGM-158B JASSM-ER)، في خطوة أثارت تساؤلات استراتيجية جدية حول مدى قدرة المنظومات الدفاعية الإيرانية على اختراق درع التخفي لأحد أكثر الأسلحة الأمريكية سرية وتطوراً.

وادّعت وسائل الإعلام الإيرانية الرسمية وقنوات الحرس الثوري أن منظومات الدفاع الجوي الإيرانية أسقطت هذا الصاروخ فوق محافظة مركزي (أراك) في وسط إيران، مُرفقةً بثّاً لمقاطع مصورة تُظهر شظايا تُنسب إلى الهيكل الخارجي للصاروخ ومكوناته الداخلية. وجاء ذلك في خضمّ النزاع المسلح المندلع أواخر فبراير/ شباط 2026 بين إيران وتحالف أمريكي-إسرائيلي، تحت مسمى “عملية الغضب الملحمي” (Operation Epic Fury)، التي استهدفت منشآت نووية إيرانية ومنظومات صواريخ باليستية وعقد قيادة وسيطرة.

الصاروخ: سلاح العمق الاستراتيجي الأمريكي

يمثّل الـ “جاسم-إي آر” النسخة الأشد تطوراً في عائلة الضربات الجوية البعيدة المدى الأمريكية؛ يمتد مداه إلى أكثر من 925 كيلومتراً (نحو 575 ميلاً)، ويعتمد تصميماً شبحياً يُقلّص بصمته الرادارية بصورة جذرية، مما يُمكّن طائرات الإطلاق من تنفيذ ضرباتها الدقيقة خارج نطاق اشتباك منظومات الدفاع الجوي المعادية دون المخاطرة باختراق الأجواء المحمية. وتتراوح تكلفة الوحدة الواحدة بين 1.5 و2.3 مليون دولار وفق الإصدار، في حين تُعدّ ركيزةً محورية في عقيدة الضربة العميقة الأمريكية ضمن بيئات تهديد متعددة الطبقات.

واستُنفد هذا السلاح بوتيرة أفاقت كل التوقعات خلال الأسابيع الأولى من العمليات؛ إذ تشير التقارير إلى أن القوات الأمريكية أطلقت أكثر من ألف وحدة من مخزون عالمي بلغ نحو 2,300 وحدة قبيل اندلاع العمليات، فتراجعت الاحتياطيات المتاحة إلى نحو 425 صاروخاً فحسب بحلول مطلع أبريل/ نيسان 2026. وفي ضوء هذا الاستنزاف الحاد، أعلن سلاح الجو الأمريكي في أبريل/ نيسان 2026 خطة لاقتناء 4,300 وحدة إضافية حتى السنة المالية 2031، بتكلفة إجمالية تبلغ نحو 20.2 مليار دولار.

الدلالات الاستخباراتية: ما وراء الدعاية

يتخطى القلق الاستراتيجي الذي أثاره استحواذ إيران على هذا الحطام، إن ثبتت صحة الادعاءات، البُعدَ الدعائي المباشر؛ إذ تُتيح الشظايا، حتى في حال تشتتها، إمكانية الدراسة التقنية لأنظمة الامتصاص الراداري وتقنيات الطلاء الشبحي، وتصميمات مدخل الهواء، فضلاً عن حزمة الملاحة والمستشعر الحراري اللازمَين للمرحلة النهائية من الاستهداف.

وتفاقمت هذه المخاوف في أعقاب الهدنة، حين أعلن الحرس الثوري استعادته كميات من الذخائر الأمريكية غير المنفجرة، من بينها قنابل الاختراق العميق “جي بي يو-57” (GBU-57 Massive Ordnance Penetrator)، وأنها أُحيلت إلى وحدات هندسة عكسية متخصصة. ووصف المحللون الموالون للدولة الإيرانية هذه الغنيمة بأنها “نقل تكنولوجي مجاني” قد يُعيد تشكيل برامج الضربات الإيرانية في الجيل المقبل، في حين أثار المراقبون الدوليون تساؤلات جدية حول احتمال انتقال هذه التقنيات إلى أطراف ثالثة.

تحفظات التحقق: الرواية في مواجهة الوقائع

في المقابل، يظل التحقق المستقل محدوداً؛ فلم يُقرّ المسؤولون الأمريكيون، ولم ينفوا، ادعاء طهران باعتراض أحد هذه الصواريخ. وأشار عدد من المحللين الغربيين إلى أن حطام الصواريخ في بيئات النزاع المعاصر كثيراً ما يكون وليد خلل تقني أو عطل في المستشعرات لا نتيجة اعتراض دفاعي فعلي، مُنبّهين إلى أن إيران تمتلك حوافز استراتيجية واضحة لتضخيم صورة قدراتها الدفاعية بهدف تعزيز معادلة الردع وتعقيد الحسابات الأمريكية في مرحلة ما بعد الهدنة. كما لفت المحللون إلى أن الأدلة المرئية الواردة من ساحات المعارك المتنازَع عليها تخضع حكماً لأهداف صياغة الرواية بقدر ما تنقل الوقائع الميدانية.

وفي السياق الأشمل، يُلاحَظ أن الادعاء الإيراني الأول بإسقاط صاروخ “جاسم” جاء في مارس/ آذار 2026، وتكرّرت ادعاءات مماثلة في 24 مارس/ آذار، مما يُشير إلى توجه طهران نحو تأسيس سردية استمرارية دفاعية عبر مشاركات متعددة بدلاً من الاقتصار على حادثة منفردة.

وفي ضوء هذه المعطيات، بات ملف الحطام الأمريكي بين أيدي إيران — سواء تعلّق بصواريخ الكروز أو الذخائر غير المنفجرة ، أحد أكثر المسارات الاستخباراتية حساسية في مرحلة ما بعد وقف إطلاق النار، وهو ملف سيظل يُلقي بظلاله الطويلة على مستقبل التوازنات التقنية العسكرية في المنطقة وما وراءها.