سجلّ الاعتراض الخليجي تحت النار: كيف صمدت دفاعات دول مجلس التعاون أمام أعنف وابل صاروخي في تاريخها

خاص ٠ Defense Arabia

كشفت الحرب الأمريكية–الإسرائيلية على إيران، التي اندلعت في 28 شباط/فبراير 2026، عن أداء غير مسبوق لمنظومات الدفاع الجوي في دول مجلس التعاون الخليجي، التي وجدت نفسها للمرة الأولى هدفاً جماعياً متزامناً لوابلٍ من الصواريخ الباليستية والمجنّحة والطائرات المسيّرة الإيرانية. وتقدّم الأرقام الرسمية الصادرة عن وزارات الدفاع الخليجية صورةً نادرة عن فاعلية هذه المنظومات، وعن حدودها في آنٍ معاً.

تحوّلت المنطقة إلى أكبر مختبر تشغيلي حيّ لمنظومات الدفاع الجوي منذ عقود. وبحسب ما أعلنه مندوب البحرين الدائم لدى الأمم المتحدة جمال فارس الرويعي في 12 آذار/مارس 2026، فإن دول المجلس مجتمعةً اعترضت أكثر من 954 صاروخاً إيرانياً، و2500 طائرة مسيّرة، و17 طائرة، وفق ما نقلته وكالة الأنباء الهندية الرسمية. وتجاوزت هذه الحصيلة لاحقاً عتبات أعلى بكثير مع استمرار الحرب لأكثر من خمسة أسابيع.

الإمارات: العبء الأثقل في التحالف

تحمّلت دولة الإمارات العربية المتحدة العبء الأكبر بين دول المجلس. أعلنت وزارة الدفاع الإماراتية، وفق ما نقلته صحيفة «غلف نيوز» في 4 نيسان/أبريل 2026، أن دفاعاتها الجوية تصدّت منذ بدء الهجمات لـ475 صاروخاً باليستياً، و23 صاروخاً مجنّحاً، و2085 طائرة مسيّرة. وأشارت الوزارة في تحديثٍ لاحق إلى أن الحصيلة التراكمية بلغت 498 صاروخاً باليستياً، و2141 طائرة مسيّرة، و23 صاروخاً مجنّحاً.

سجّلت الإمارات في 3 نيسان/أبريل ذروةً يومية بلغت 69 هدفاً اعترضته دفاعاتها: 18 صاروخاً باليستياً، و4 صواريخ مجنّحة، و47 طائرة مسيّرة. وتؤكد هذه الأرقام أن الإمارات واجهت، بحسب ما أعلنته سلطاتها ، أكثر من 2400 مقذوف، أي أكثر من أي دولة خليجية أخرى أو حتى إسرائيل، وفق تقرير مجموعة الأزمات الدولية الصادر في 31 آذار/مارس 2026.

دفعت الإمارات ثمناً بشرياً ومادياً للاعتراض نفسه: أكدت السلطات سقوط قتلى وإصابة العشرات جرّاء تساقط شظايا المقذوفات المعترَضة، فيما تسبّبت الشظايا في حرائق بمنشآت مدنية في أبوظبي ودبي، إضافةً إلى حريق في المنطقة الصناعية بميناء الفجيرة.

الكويت: حِملٌ تشغيلي استثنائي ببنية محدودة

شكّلت الكويت المفاجأة الأبرز من حيث الكثافة. أعلنت قوات الدفاع الجوي الكويتية اعتراض 97 صاروخاً باليستياً، و283 طائرة مسيّرة منذ بدء الحرب، وفق ما نقلته وسائل اعلام أمريكية نقلاً عن الحكومة الكويتية. وبيّن العقيد الركن سعود العتوان، المتحدث باسم وزارة الدفاع، أن البلاد تصدّت في نافذة 24 ساعة خلال مطلع نيسان/أبريل لـ9 صواريخ باليستية، و4 صواريخ مجنّحة، و31 طائرة مسيّرة.

يُعدّ هذا الأداء استثنائياً قياساً بعمق المنظومة الدفاعية الكويتية المقدَّر بنحو 4 بطاريات «باتريوت» فقط. واستهدفت الضربات الإيرانية بنىً مدنية حيوية، شملت محطتين لتوليد الطاقة وتحلية المياه، ومنشآت مرتبطة بقطاع النفط، ومجمّع الوزارات الحكومي، وفق صحيفة «كويت تايمز».

البحرين: كثافة عالية على مساحة صغيرة

أعلنت مملكة البحرين، التي تستضيف مقرّ الأسطول الأمريكي الخامس، إسقاط 45 صاروخاً إيرانياً، و9 طائرات مسيّرة، بينها طائرات «شاهد-136» الانتحارية، في المراحل الأولى من الحرب. وأصيب ما لا يقل عن 32 مواطناً، بينهم أطفال، جرّاء هجومٍ بطائرة مسيّرة على منطقة سترة جنوب المنامة، بحسب وسائل إعلام رسمية نقلتها «الجزيرة» في 9 آذار/مارس 2026.

قطر: اعتراضٌ شمل مقاتلات وأنظمة أرضية

أعلنت وزارة الدفاع القطرية في 2 آذار/مارس 2026 أن مقاتلاتها أسقطت طائرتي «سوخوي سو-24» إيرانيتين اقتربتا من المجال الجوي القطري، في حادثة لافتة شاركت فيها المقاتلات إلى جانب الأنظمة الأرضية. وذكرت بيانات لاحقة أن قطر اعترضت عشرات المقذوفات، فيما أُصيب نحو 16 شخصاً بفعل تساقط الشظايا. ويُقدَّر استنزاف مخزون «باتريوت» القطري بنحو 40% فقط، وهو الأدنى خليجياً، إذ واجهت الدوحة الوابل الأخف نسبياً، وفق تحليل مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS).

السعودية: حصيلة تراكمية تتجاوز 890 تهديداً

لم تنشر المملكة العربية السعودية أرقاماً تفصيلية يومية في بداية الحرب، لكنها أصدرت لاحقاً حصيلتها التراكمية الأولى: 894 تهديداً جرى اعتراضها وتدميرها خلال 35 يوماً. وأعلنت قوات الدفاع الجوي الملكي السعودي اعتراض صواريخ موجّهة نحو قاعدة الأمير سلطان الجوية في الخرج، و6 طائرات مسيّرة متّجهة نحو حقل الشيبة النفطي، وفق «الجزيرة».

تجاوزت الحصيلة التراكمية السعودية 460 طائرة مسيّرة، و43 صاروخاً، بحسب تقارير. واستهدفت إيران حقل الشيبة العملاق في الربع الخالي بـ 20 طائرة مسيّرة جرى رصدها واعتراضها على 5 موجات، وفق ما نقلته «أرغوس ميديا».

المعادلة الحاسمة: مخزون الاعتراضات لا عدد الصواريخ

تكشف الأرقام عن حقيقةٍ تتجاوز نسب النجاح: المعركة الحقيقية ليست في عدد ما تطلقه إيران، بل في عدد ما تستطيع دول المجلس إيقافه قبل نفاد المخزون. واستهلكت دول المجلس مجتمعةً نحو 2400 صاروخ اعتراضي، معظمها من طرازَي «باك-3» و«جيم-تي» GEM-T، خلال 35 يوماً، أي ما يعادل نحو 85% من المخزون المشترك قبل الحرب المقدَّر بـ2800 وحدة، وفق تقديرات غير رسمية.

تُنتج شركة «لوكهيد مارتن» نحو 620 صاروخ «باك-3 إم إس إي» سنوياً في ذروة إنتاجها، أي ما يقارب 50 صاروخاً شهرياً. وهذا يعني أن التحالف استنفد خلال الأيام الأربعة الأولى من الحرب ما يعادل 19 شهراً من هذا الإنتاج. وقدّرت تقييمات «CSIS» أن مخزون «باك-3 إم إس إي» الخليجي تراجع إلى نحو 400 صاروخ فقط، أي 14% من مستوياته قبل الحرب، فيما بلغ معدل الاستنزاف في البحرين 87%، وفي الإمارات والكويت نحو 75%.

ولخّص المعهد الملكي للخدمات المتحدة (RUSI) المعادلة بوضوح في تقريره الصادر في آذار/مارس 2026 بعنوان حول استدامة الذخائر، إذ رأى أن الأفضلية الحاسمة تعود لمن يعيد ملء مخزوناته الحرجة أسرع من غيره.

تحوّلٌ هيكلي في عقيدة الدفاع الخليجي

أثبتت دول المجلس قدرةً اعتراضية توازي، بل تتجاوز في بعض المؤشرات، دولاً أكثر خبرة قتالية مثل إسرائيل وأوكرانيا. لكن الدرس الأعمق يكمن في هشاشة سلسلة الإمداد: فالاعتراض الناجح لا يعني النصر إذا كان المخزون ينضب أسرع من قدرة التعويض. ويدفع هذا الواقع دول المجلس نحو إعادة هيكلة عقيدتها الدفاعية بالكامل: مزيد من الصواريخ الاعتراضية منخفضة التكلفة، وأنظمة مضادة للطائرات المسيّرة، وتنويع مصادر التوريد بعيداً عن الاعتماد الحصري على واشنطن، وهو تحوّلٌ سيعيد رسم خريطة سوق الدفاع الجوي في الشرق الأوسط لسنوات مقبلة.