في خطوة وصفها المراقبون بالمفاجئة وعدّها المسؤولون في شركة «راينميتال» كارثية، أعلنت الحكومة الألمانية إلغاء برنامج فرقاطات «إف-126» المثير للجدل، مُودِعةً بذلك عقداً تبلغ قيمته نحو 15 مليار يورو في خانة المشاريع المُجهضة، ومُلقيةً بظلالها على مستقبل «راينميتال» في مجال التصنيع الدفاعي البحري، ومُعيدةً إلى الواجهة أسئلةً جوهرية حول حوكمة الإنفاق الدفاعي في أوروبا.
صدمة تُربك رائد الصناعة الدفاعية الألمانية
وفقاً لمصادر مطلعة استندت إليها صحيفة «فاينانشال تايمز»، عَلِم الرئيس التنفيذي لشركة «راينميتال»، أرمين بابرغر، صباح الثلاثاء بقرار وزارة الدفاع الألمانية إلغاء برنامج «إف-126» من خلال شائعات تداولتها الأسواق، لا عبر قنوات رسمية، في مشهدٍ وصفه المقربون منه بأنه كان «صدمةً حقيقية».
جاء هذا القرار في وقتٍ بالغ الحساسية؛ إذ لم تكن قد مضت سوى أشهر قليلة على إتمام «راينميتال» استحواذها على مجموعة «إن في إل» (NVL) لبناء السفن الحربية التي تضم أربعة أحواض بحرية في شمال ألمانيا ونحو 2100 موظف، وهو استثمار كان مدفوعاً في جوهره بتوقعات راسخة بأن تُحكم «راينميتال» قبضتها على قيادة برنامج «إف-126» من يد شركة «دامن نافال» الهولندية. وبينما كان بابرغر يُطمئن المستثمرين خلال مؤتمر للمحللين في سبتمبر/ أيلول بأن فرص الاستحواذ على البرنامج «خالية نسبياً من المخاطر»، كانت برلين تُعِدّ العدةَ لإسقاط تلك التطمينات دفعةً واحدة.

ووصف مسؤول تنفيذي رفيع المستوى في «راينميتال» قرارَ الإلغاء بأنه «كارثة» و«صدمة كبيرة» للشركة.
لماذا تخلّت برلين عن مشروع «إف-126»؟
دافع وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس عن القرار، محتجاً بثلاثة أسباب رئيسية: تصاعد التكاليف بصورة غير مقبولة، والتأخيرات المتراكمة، والاحتياجات التشغيلية العاجلة للبحرية الألمانية.
وكان البرنامج الأصلي قد أُطلق عام 2020 بتكلفة تقديرية بلغت 10 مليارات يورو، غير أن هذا الرقم تضخّم بحسب بيستوريوس إلى نحو 18 مليار يورو، من بينها 2.3 مليار يورو أُنفقت بالفعل دون أن تُسلَّم فرقاطةٌ واحدة. وقال الوزير بشكل قاطع: «هذا أمر غير مقبول بتاتاً».
عوضاً عن ذلك، اختارت برلين المضيَّ في شراء ثماني فرقاطات من طراز «ميكو إيه-200» من إنتاج «تيسن كروب مارين سيستمز» (TKMS)، مستندةً إلى ميزة تسليم أسرع تُمكّن من تعزيز القدرات البحرية الألمانية في مواجهة التهديدات المتصاعدة، ولا سيما التهديد البحري الروسي. وحظي القرار بدعم قيادة البحرية الألمانية وعدد من نواب البرلمان، في مقدمتهم باستيان إرنست، المتخصص في الدفاع البحري من الاتحاد الديمقراطي المسيحي والموظف السابق في «راينميتال» ذاتها، الذي رأى أن هذه الخطوة ستُمكّن البحرية من الحصول على سفنها «بأسرع وقت ممكن» لمواجهة تهديدات الغواصات الروسية.
رهانٌ خسره بابرغر بمليارات
يُجمع المراقبون على أن استحواذ «راينميتال» على «إن في إل» كان يُمثّل في جوهره رهاناً استراتيجياً على الفوز بعقد «إف-126»، لا مجرد توسع تنويعي عضوي في مجال الدفاع البحري. وقد صرّح بابرغر عند الإعلان عن الصفقة بأن الدمج سيُحوّل «راينميتال» إلى «لاعب مؤثر في البر والبحر والجو والفضاء»، وهو تصريح يبدو اليوم مثقلاً بحجم المراهنة التي خسرتها الشركة.
ووصف مسؤول تنفيذي في شركة دفاع ألمانية منافسة عمليةَ الشراء بأنها «مقامرة باهظة الثمن»، مضيفاً: «اشتروا حوض بناء سفن مع احتمال كبير للفوز بعقد ضخم». وفي أبريل/ نيسان 2026، قدّمت «راينميتال» رسمياً عرضاً بقيمة نحو 12.8 مليار يورو، أو 15.2 مليار يورو شاملاً ضريبة القيمة المضافة، للاستحواذ على إدارة البرنامج. بل إن تقارير أشارت إلى أن مسؤولين حكوميين كانوا يُعدّون الوثائق التعاقدية ويُهيّئون طلب موافقة البرلمان على الميزانية قبيل العطلة الصيفية للبوندستاغ، قبل أن يصدر قرار الإلغاء المفاجئ.
خلافٌ حول وعود ضمنية
تتعارض رواية «راينميتال» والحكومة الألمانية حول طبيعة الالتزامات السابقة؛ فبينما يؤكد المسؤولون الألمان أن الشركة لم تتلقَ عقداً رسمياً قط، يكشف مطلعون على مسار المفاوضات أن مسؤولي الدفاع شجّعوا «راينميتال» على إعداد دراسات مكثفة استعداداً لتسلّم البرنامج من «دامن نافال». وفي أواخر عام 2025، توسطت الحكومة الألمانية في اتفاقية أتاحت لشركتي «دامن» و«إن في إل» إجراء تقييم تقني مشترك لمدة ستة أشهر لفحص إمكانية نقل إدارة البرنامج، مما يُرسّخ في أذهان المراقبين فكرة أن ثمة تشجيعاً ضمنياً لـ«راينميتال» لم يرتقِ إلى مستوى التعاقد الرسمي. وقبل أسبوع واحد فقط من إعلان الإلغاء، زار كبار مسؤولي وزارة الدفاع الألمانية قسمَ البحرية في «راينميتال» دون أي تلميح إلى أن الإلغاء قيد الدراسة.
أسهمٌ متراجعة وثقة مهتزة
أسفر الإعلان عن هبوط حاد في سعر سهم «راينميتال»، ليُضيف مزيداً من الخسائر إلى تراجع سابق أفقد الشركة ما يقارب 40% من قيمتها السوقية قياساً بذروتها. وجاء ذلك في أعقاب خيبة أمل سابقة في مطلع العام، حين جاءت أرباح الربع الأول أدنى من توقعات المحللين، مما طرح تساؤلات جدية حول قدرة الشركة على تحويل تدفق ميزانيات الدفاع الأوروبية المتنامية إلى عقود مربحة.
وقال ساش توسا، محلل الطيران والدفاع في شركة «أيجنسي بارتنرز»: «عندما يكون تقييم سعر سهمك مرتفعاً، يتوقع المستثمرون أداءً مستداماً وعالياً»، مضيفاً أن «الشركات التي تُخفق في تحقيق أرباح ربع سنوية ملموسة أو تفشل في صفقات استحواذ لم يعد يُتسامح معها» في المناخ الاستثماري الراهن. ورأى توسا أن «راينميتال» ربما بالغت في تقدير نفوذها السياسي في برلين وقدرتها على إعادة التفاوض على برنامج الفرقاطات المتعثر بشروط مالية مواتية.
آفاقٌ لا تزال ممكنة
على الرغم من حجم النكسة، يُحذّر المحللون من الإفراط في قراءة تداعياتها. يرى توسا أن قسم بناء السفن في «راينميتال» لن يُمثّل سوى نحو 10% من الإيرادات المستهدفة البالغة 50 مليار يورو بحلول عام 2030، مما يُخفف من الأثر الهيكلي للخسارة على المدى البعيد. وأكد مسؤولون ألمان أن القرار لا يُترجم تدهوراً في العلاقة مع «راينميتال»، إذ تُصنّفها برلين باعتبارها «بطلاً صناعياً وطنياً» بالغ الأهمية. وكشف بيستوريوس أن الرئيس التنفيذي لـ«تيسن كروب مارين سيستمز»، أوليفر بوركهارد، أبدى انفتاحه على مناقشة منح «راينميتال» دور مقاول من الباطن في برنامج «ميكو» الجديد، غير أن هذا الخيار يبقى بعيداً كل البعد عن الطموح الاستراتيجي الأصلي للشركة. وأكدت «راينميتال» في بيان رسمي أن توسعها البحري كان «قراراً صائباً»، مُشيرةً إلى التزامها بدمج «إن في إل» ضمن عملياتها واقتناص فرص بحرية جديدة.
ويُسلّط إلغاء برنامج «إف-126» الضوءَ على توتر حقيقي يعيشه القطاع الدفاعي الأوروبي في مرحلة إعادة التسلح: التوفيق بين الحاجة الأمنية الملحّة، والحرص على ضبط التكاليف، وكفاءة عمليات الشراء، ومتطلبات المنافسة الصناعية — وهو معادلة لا يبدو أن أحداً قد أتقن حلّها بعد.






