تتعثر صفقة الهند لشراء 114 مقاتلة رافال الفرنسية، البالغة قيمتها نحو 35 مليار دولار، عند عقبة لم تكن في الحسبان، إذ لا يتعلق الخلاف هذه المرة بالسعر أو بجداول التسليم كما جرت العادة في صفقات التسلح الكبرى، بل بمسألة أكثر حساسية: من يملك حق الوصول إلى الأكواد البرمجية التي تشغّل أنظمة الطائرة الأكثر تطورًا.
وتتمحور المفاوضات بين نيودلهي وباريس حول ثلاثة أنظمة تُعد جوهر القدرات القتالية لمقاتلة الرافال: رادار RBE2 ذو المسح الإلكتروني النشط من إنتاج شركة “تاليس” الفرنسية (Thales)، ووحدة معالجة البيانات المعيارية التي تُشكّل حاسوب المهمة ومحور دمج بيانات المستشعرات، ومجموعة “سبيكترا” (SPECTRA) للحرب الإلكترونية، التي وُصفت بأنها “أكثر تقنية محمية بسرية على متن الطائرة”. ويختصر مسؤولون في قطاع الطيران العسكري جوهر الأزمة بعبارة دالة: الطائرة الحديثة ليست سوى منصة برمجية مزودة بأجنحة، ومن يتحكم بالبرمجيات هو من يتحكم فعليًا بقدرات الطائرة القتالية.
“السيادة البرمجية”.. مطلب هندي لا تتنازل عنه نيودلهي
تسعى الهند إلى ما تسميه “السيادة البرمجية”، أي القدرة على دمج أسلحتها وأنظمتها الإلكترونية الخاصة بمقاتلات الرافال، وفي مقدمتها صاروخ “براهموس” الأسرع من الصوت، دون الحاجة إلى العودة في كل مرة إلى موافقة شركة “داسو” (Dassault) الفرنسية المصنّعة للطائرة. وتنظر نيودلهي إلى هذا المطلب باعتباره امتدادًا طبيعيًا لسياستها الدفاعية القائمة على تعزيز الاكتفاء الذاتي العسكري وتقليص الاعتماد على الموردين الأجانب في تحديث وصيانة قدراتها القتالية على المدى الطويل.
باريس: لا تسليم للأكواد المصدرية.. والمخاوف تتجه نحو موسكو
في المقابل، ترفض فرنسا تسليم الأكواد المصدرية للهند، وتطرح بدلًا من ذلك حلًا وسطًا يقوم على واجهات تحكم مغلقة تتيح دمج الأسلحة الهندية، لكن مع بقاء مسؤولية التكامل والتحقق التقني بيد “داسو” حصريًا. ويعزو مسؤولون فرنسيون هذا الموقف إلى مخاوف أمنية جدية من احتمال وصول تقنيات حساسة إلى روسيا، في ظل العلاقات العسكرية العميقة والممتدة تاريخيًا بين نيودلهي وموسكو، وهو ما تعتبره باريس خطرًا مباشرًا على أمن تقنياتها الدفاعية الأكثر تطورًا.
جدول زمني مشدود ومهلة تمتد إلى 2027
وافقت الهند رسميًا على “ضرورة” إبرام الصفقة في 12 فبراير/ شباط 2026، قبل أن تصدر طلبها الرسمي في مايو/ أيار 2026، فيما يُنتظر أن تقدّم فرنسا ردها النهائي بشأن قضية الأكواد البرمجية خلال أغسطس/ آب 2026. ووفق المعطيات الحالية، يبقى التوقيع النهائي للصفقة مرجّحًا في نهاية عام 2026 أو خلال النصف الأول من عام 2027، في ظل استمرار المفاوضات حول هذه النقطة الخلافية الجوهرية.
سابقة إماراتية تنذر بمسار مشابه
ليست هذه أول مرة تصطدم فيها صفقة رافال بهذا النوع من الاشتراطات الفرنسية، فقد واجهت الإمارات العربية المتحدة، التي طلبت 80 مقاتلة رافال عام 2021، القيود ذاتها المتعلقة بالوصول إلى الأكواد المصدرية، وهو ما دفعها -بحسب المعطيات المتاحة- إلى التراجع عن تمويل تطوير معيار “رافال F5” المستقبلي.
وبعيدًا عن تفاصيل الصفقة الهندية تحديدًا، يعكس هذا الخلاف تحولًا استراتيجيًا أوسع في صناعة تصدير السلاح عالميًا، إذ لم يعد النقاش محصورًا في الأداء التقني للمنصة أو سعرها التنافسي، بل انتقل إلى سؤال أكثر جوهرية يتعلق بمن يملك “المفاتيح” البرمجية الفعلية للأسلحة الأكثر تطورًا في العالم.






