دانيال يوسف تامر ابراهيم
تعد صناعة المحركات في العصر الحديث واحدة من أعقد وأصعب الصناعات التكنولوجية على مستوى العالم نظراً لاعتمادها على هندسة دقيقة، وتقنيات معدنية متقدمة، واستثمارات ضخمة في مجالات البحث والتطوير تحت رعاية ودعم استراتيجي من الدول الكبرى. وعادة ما يهيمن على هذا القطاع عمالقة الصناعة العالمية، مثل مجموعة سافران (Safran) الفرنسية العريقة، التي تمتلك باعاً طويلاً في إنتاج محركات المقاتلات المتقدمة مثل (Snecma M88) المخصصة لطائرات “رافال”، إلى جانب خطوط إنتاج محركات الهليكوبتر الشهيرة مثل (Arrano) و (Makila).

محرك «استازو 14» في معرض العلمين :2026 ركيزة توطين الصيانة والتصنيع
في هذا السياق التقني العالمي خطفت الهيئة العربية للتصنيع الأنظار خلال فعاليات النسخة الثانية من معرض العلمين الدولي للطيران والفضاء (2026) EIAS، من خلال عرض محركها التوربيني «Astazou XIV » والذي يُصنع محلياً داخل مصانع الهيئة بنسبة معتبرة من المكونات وقطع الغيار التفصيلية، بموجب عقود تراخيص ونقل تكنولوجيا مع مجموعة “سافران” المالكة الحالية لحقوق الإنتاج. تم تصميم وإطلاق عائلة محركات استازو» في الأصل بواسطة Turbomeca (التي أصبحت تعرف اليوم باسم afran Helicopter Engine قبل عام 1971 وتاريخياً، تمثل هذه العائلة حجر الأساس والجيل الهندسي المبكر الذي مهد الطريق لتطوير محركات الجيل الحالي الأكثر قوة وكفاءة لسافران مثل عائلة محركا Arrange Arrie التي تشكل عصب تشغيل أساطيل المروحيات العسكرية والمدنية الحديثة. ويأتي تسليط الضوء على هذا المحرك في توقيت حاسم تشهده المنطقة، متزامناً مع جهود الدولة الحثيثة لتوطين الصناعات الدفاعية، وتقليل الاعتماد على الواردات الخارجية، وتأمين سلاسل الإمداد في ظل تصاعد التحديات والتهديدات الإقليمية.

شراكات استراتيجية متكاملة: التعاون مع «داسو» الفرنسية
تتكامل هذه الخطوة مع حزمة من الشراكات الاستراتيجية الكبرى التي أبرمتها الهيئة العربية للتصنيع وفي مقدمتها التعاون الوثيق مع شركة داسو (Dassault Aviation) الفرنسية العملاقة لتصنيع أجزاء ومكونات متقدمة للطائرات والمحركات وشملت هذه الاتفاقيات التعاون المشترك لتصنيع أجزاء هيكلية من طائرات المقاتلة المتقدر طفال» (Rafale) المزودة بمحركات Snecma M88 ومكونات طائرات رجال الأعمال فالكون» (Falcon) فضلاً عن توقيع عقود التصنيع المشترك لبعض أجزاء المحركات ومكوناتها الدقيقة. ويضع هذا التعاون المتقدم الصناعة الدفاعية المصرية رسمياً ضمن سلاسل الإمداد العالمية لشركة داسو، مما يؤكد الثقة الدولية الكبيرة في كفاءة المعامل ومصانع الهيئة.
الرد على المشككين القيمة الهندسية والتقنية للطراز XIV قد يتبادر إلى ذهن البعض تساؤلات حول طبيعة التصنيع المحلي، وما إذا كان المحرك ينتج كاملاً أو يُمثل تقنية تقليدية مقارنة بالأنظمة الرقمية الحديثة والتقييم هذه الخطوة بموضوعية، يجب النظر إلى الخصائص التقنية المتقدمة لهذا الطراز:
- يمثل طراز XIV وصل تطورية متقدمة في الجيل الذي شهد دمج مرحلة ضغط محورية ثانية (Axial Compressor Stage بجانب الضاغط المركزي، وهو الابتكار الهندسي الذي رفع بصورة ملحوظة نسبة انضغاط الهواء وكفاءة الأداء مقارنة بالإصدارات الأولى (مثل Astazou II و (III) التي اقتصرت على مرحلة محورية واحدة.
- يمتلك المحرك مرونة تقنية عالية تتيح تكييفه لدعم التطبيقات العسكرية الحديثة، بما في ذلك متطلبات الدفع للطائرات المسيرة (الدرونز)، مما يوسع نطاق الاستخدام العملياتي.
جذور الإرث الصناعي: من 300-E» إلى الكفاءات الحالية
لا تبدأ قصة التصنيع الفضائي والمحركات في مصر من فراغ بل تستند إلى إرث تاريخي يعود إلى حقبة الستينيات من القرن العشرين، حين خاض مصنع المحركات” (مصنع الطائرات سابقاً بحلوان) تجربة رائدة لتطوير وتصنيع المحرك النفاث الوطني 300-E المخصص للمقاتلة المصرية الأسرع من الصوت «القاهرة 300 300-Helwan HA). وقد أجريت تلك الاختبارات التقنية المتقدمة تحت إشراف خبير المحركات النمساوي البارز فردیناند براندند و بمشاركة نخبة من الكوادر المصرية المؤهلة من مهندسين وفنيين.
واليوم، يعتمد مصنع المحركات التابع للهيئة العربية للتصنيع على كوادر هندسية وفنية تمتلك خبرة متراكمة وقدرة عالية على الابتكار وتطوير خطوط الإنتاج الحالية لتلبية المتطلبات العسكرية والتعاقدية الخارجية، وهو ما أكده بوضوح رئيس مجلس إدارة مصنع المحركات، اللواء مهندس جمال رمضان.
خاتمة
إن إبراز محرك استازو 14 وعرضه ضمن فعاليات معرض العلمين 2026 – حتى وإن كانت نسبة تصنيعه المحلي لا تبلغ المئة بالمئة – يمثل في حد ذاته رسالة واضحة تتجاوز حدود العرض التقني العابر بل يعكس خطوة استراتيجية راسخة وبداية حقيقية لتثبيت أقدام الصناعة العسكرية المصرية في ميدان هندسة المحركات المعقد، مما يفتح آفاقاً أوسع للاكتفاء الذاتي والتطوير المستقبلي. المصادر: EASA معرض العلمين 2026 جريدة اليوم السابع المصرية ويكيبيديا مصادر صحفية عسكرية سرية.




