الصراع في المنطقة الرمادية: الرقص على حافة الحرب

العقيد الركن م. ظافر مراد

لم تعد الحدود الفاصلة بين الحرب والسلام خطًا واضحًا يمكن تحديده بقرار إعلان الحرب أو بدء العمليات العسكرية؛ في البيئة الاستراتيجية المعاصرة، ظهرت مساحة عملياتية أكثر تعقيدًا تتحرك فيها الدول والفاعلون من دون الانتقال إلى الحرب المباشرة، لكن من دون الالتزام أيضًا بقواعد السلم التقليدي؛ إنها “المنطقة الرمادية”؛ حيث يصبح الضغط السياسي والاقتصادي والعسكري والسيبراني والاستخباراتي جزءًا من صراع مستمر، فيما يبقى مستوى العنف مضبوطًا تحت عتبة الحرب المفتوحة.

جوهر المنطقة الرمادية ليس غياب القوة في المواجهة، بل إعادة هندسة استخدامها، الدولة لا تتخلى عن القوة العسكرية، وإنما تستخدمها ضمن منظومة أوسع من الأدوات القابلة للإنكار، والمصممة لتحقيق مكاسب استراتيجية من دون منح الخصم مبررًا واضحًا للانتقال إلى الرد العسكري الشامل. لهذا أصبحت العمليات السيبرانية، التخريب، المسيّرات، الوكلاء، الحرب المعلوماتية، الضغط الاقتصادي، استهداف البنى التحتية، والعمليات البحرية غير التقليدية أدوات متكاملة في إدارة الصراع.

يظهر أحد أبرز النماذج الحالية في العلاقة بين روسيا وأوروبا، فقد وثقت خدمة العمل الخارجي الأوروبي خلال عام 2026 تزايد أنشطة هجينة شملت اختراقات للمجال الجوي بواسطة المسيّرات، هجمات سيبرانية، عمليات نفسية، أعمال تخريب، أضرارًا طالت البنية التحتية البحرية والكابلات تحت البحر، ومحاولات للتأثير في البنية السياسية والمجتمعية الأوروبية. وفي 24 أيلول/سبتمبر، أشارت مؤسسة  Critical Threats  إلى تحذيرات غربية من احتمال توسيع موسكو أدواتها عبر المسيّرات، والسفن المرتبطة بالأسطول الخفي، والبنية التحتية تحت البحر، مع تأكيد عدم وجود دليل على تنفيذ بعض السيناريوهات التي جرى التحذير منها.

المغزى الاستراتيجي هنا أن موسكو تستطيع اختبار تماسك الناتو من دون مهاجمته بشكلٍ مباشر، فكل حادثة تخريب أو اختراق أو مسيّرة مجهولة المصدر تضع الحلف أمام معضلة: كيف يرد عندما يكون مصدر الهجوم محتملًا لكن غير محسوم؟ وكيف يحافظ على الردع من دون أن يحول حادثة محدودة إلى مواجهة عسكرية؟ هذه المعضلة هي إحدى أهم نقاط القوة في استراتيجية المنطقة الرمادية، لأن الغموض نفسه هو اساس هذه الإستراتيجية.

وتظهر الصورة بصورة أكثر وضوحًا في ليتوانيا، حيث يجري تحصين محطة كهرباء استراتيجية قرب ممر سوالكي ضد المسيّرات والتخريب. وذكرت رويترز في 22 أيلول/سبتمبر أن المنشأة صُممت لمواجهة تهديدات هجينة وغير هجينة، مع تحصينات خرسانية ومعدات احتياطية وأنظمة حماية من المسيّرات. هنا تنتقل الحرب من استهداف القوات المسلحة إلى استهداف قدرة الدولة على الاستمرار؛ أي أن مركز الثقل يصبح شبكة الطاقة والاتصالات والموانئ والكابلات بدلًا من الفرقة المدرعة أو القاعدة الجوية.

في منطقة الخليج، يأخذ الصراع الرمادي شكلًا مختلفًا لكنه يقوم على المنطق نفسه، إيران استخدمت على مدى سنوات مزيجًا من الصواريخ والمسيّرات والوكلاء والضغط البحري والتهديد بإغلاق المضائق، بما يسمح لها بتوسيع مساحة المناورة من دون الدخول دائمًا في مواجهة تقليدية مباشرة. وفي تموز/يوليو 2026، أشارت Critical Threats إلى أن طهران استخدمت القوة للضغط على حركة الملاحة في مضيق هرمز، بالتوازي مع استهداف قواعد وبنى تحتية في المنطقة بهدف رفع الكلفة السياسية والاقتصادية على خصومها.

أما في المواجهة مع السعودية، فتظهر المنطقة الرمادية في استخدام المسافة العملياتية والوكلاء والممرات البحرية والطاقة كأدوات ضغط؛ وفي أيلول/سبتمبر، أفادت تقارير عن استهداف منشآت مرتبطة بخط أنابيب النفط السعودي بطائرات مسيّرة انطلقت من الأراضي العراقية، بالتزامن مع استمرار النشاط الحوثي في البحر الأحمر؛ وفي هذا النموذج تحديدًا، لا يكون الهدف بالضرورة تدمير القوة العسكرية السعودية، بل رفع كلفة القرار السياسي والاقتصادي وإجبار الخصم على توزيع موارده بين حماية الحدود، والمنشآت النفطية، والممرات البحرية، والبنية التحتية الحيوية.

وهنا تكمن فلسفة المنطقة الرمادية: إجبار الخصم على الإستجابة المكلفة ضد حرب لم يتم إعلانها.

وهذه الإستجابة قد تكون مكلفة ليس فقط في النواحي المادية والإقتصادية، بل ايضًا في النواحي المعنوية والنفسية، والتي تضع إستقرار الخصم وحالته الأمنية في موقف حرج ، حيث يفقد الخصم مصداقيته وسمعته تجاه المواطنين وتجاه الدول الاخرى، فالمهاجم لا يبحث دائمًا عن نصر عسكري حاسم، بل عن تراكمات صغيرة مثل: تعطيل شبكة، رفع كلفة التأمين البحري، إرهاق الدفاع الجوي، تشويه البيئة المعلوماتية، استنزاف الموارد، خلق قلق داخل المجتمع، أو دفع القيادة السياسية إلى اتخاذ قرارات تحت ضغط مستمر، وعندما تتراكم هذه التأثيرات، يتحول الاستنزاف التكتيكي اليومي إلى تآكل استراتيجي.

لذلك فإن أخطر ما في المنطقة الرمادية ليس أنها تمنع الحرب، بل أنها قد تجعل الحرب المستمرة أقل وضوحًا وأكثر قابلية للتصعيد، فالفاعل يستطيع رفع مستوى الضغط تدريجيًا، فيما يحاول الخصم تحديد اللحظة التي يجب عندها الانتقال من الاحتواء إلى الردع، ومن الردع إلى القوة.

ومن هنا يصبح مركز الثقل في صراعات القرن الحادي والعشرين هو القدرة على التحكم في عتبة التصعيد، من ينجح في فرض إيقاع الصراع، وتحديد مستوى العنف، وإبقاء خصمه في حالة استنفار دائم، يستطيع تحقيق تأثير استراتيجي يفوق أحيانًا ما تحققه الضربة العسكرية المباشرة.

وهذا هو التحول الحقيقي: الحرب لم تعد بالضرورة حدثًا يبدأ؛ قد تصبح حالة تُدار،  وفي هذه البيئة، لا يكون السؤال الاستراتيجي فقط: من يستطيع تدمير خصمه؟ بل: من يستطيع إنهاكه، اختراقه، تعطيل شبكاته، وتغيير حساباته السياسية، من دون أن يدفعه إلى إعلان الحرب؟

تلك هي المنطقة الرمادية: صراع كامل بأدوات ناقصة، وحرب حقيقية من دون إعلان.