يتصدر مفهوم “الجناح الوفي” (Loyal Wingman) اتجاهات تطوير الطيران القتالي الحديث. ويقوم المفهوم على إنتاج طائرة مسيّرة أرخص وأصغر بكثير من المقاتلة “الحقيقية”، لكنها قادرة على أداء أدوار متعددة، منها الاستطلاع وحمل الأسلحة والحرب الإلكترونية وإعادة بث الاتصالات، والتزود بالوقود جواً. وبحكم التعريف، يُفترض أن تكون هذه الطائرة قابلة للاستهلاك، ما يضع المصممين أمام معادلة صعبة بين معدات فعّالة، ومن ثم باهظة، وسعر مقبول للطائرة. ولا يقتصر أثر غياب الطيار على تصغير حجم الطائرة، بل يوسّع كذلك قدرتها على المناورة، إذ لم تعد مقيدة بالقدرات الفسيولوجية للطيار البشري.
مفهوم أمريكي سبق المنصة: مبادئ قبل العتاد
تجري الولايات المتحدة أعمالاً مفاهيمية ضمن برنامج الطائرات القتالية التعاونية (CCA)، أو بالأحرى مبادرة بحثية. وتركز جهدها الرئيس على وضع المبادئ الحاكمة للتفاعل بين الطائرات القتالية المأهولة وغير المأهولة، لا على “العتاد”. وحُددت خمسة مبادئ:
- تعظيم نقاط القوة لدى الطائرات التعاونية والمأهولة عند عملها كفريق.
- إشراك المشغّلين في تطوير الطائرات التعاونية ليدركوا كيفية عملها في ظروف القتال.
- ضمان إمكانية اعتماد العسكريين على استقلالية الطائرات التعاونية.
- ضمان احتفاظ العسكريين بسيطرة مؤكدة عليها أثناء العمليات شديدة الديناميكية.
- إبقاء عبء العمل البشري ضمن حدود يمكن التحكم فيها.
وتبيّن أن صياغة المبادئ أسهل بكثير من تطبيقها، ولم يتحقق ذلك إلا مع تطور تقنيات الذكاء الاصطناعي القادرة على تمكين التشغيل المستقل للطائرات المسيّرة. ففي أواخر عام 2022، اكتملت بنجاح المرحلة الأولى من اختبارات الطائرة التجريبية X-62A VISTA، وهي طائرة محوّلة من مقاتلة إف-16 دي (F-16D)، مع اختبار نموذجين مختلفين للذكاء الاصطناعي خلال التجارب. وتأكدت جدوى المفهوم، فانتقل البرنامج إلى مرحلة تطوير المنصة الفعلية لـ”الجناح الوفي” غير المأهول.
شركة ناشئة في سباق العتاد: حين تقود البرمجيات التصميم
أثّر التطبيق العملي للتحكم بالطائرات المسيّرة عبر الذكاء الاصطناعي تأثيراً كبيراً في تصميم هذه الطائرات. فانتقل الدور القيادي إلى مطوّري التقنية المحورية، أي الذكاء الاصطناعي، وتراجعت التقنيات الأخرى، كالهيكل والمحرك وخصائص التخفي، إلى الخلفية. وفتح ذلك الباب أمام لاعبين جدد في صناعة الطيران والفضاء، ومنهم شركة أندوريل إندستريز (Anduril Industries) الناشئة التي يقع مقرها في كوستا ميسا (Costa Mesa) بولاية كاليفورنيا. وتأسست الشركة عام 2017، وتتخصص في تطوير منظومات عسكرية تعتمد على الذكاء الاصطناعي والروبوتات. ويرتبط وصف “الشركة الناشئة” عادة بمجموعة من الهواة يبتكرون تقنيات رائدة في مرآب، بينما لا تشبه أندوريل اليوم هذه الصورة، إذ يعمل فيها آلاف الموظفين، وتبلغ قيمتها السوقية 61 مليار دولار بعد جولة تمويل بقيمة 5 مليارات دولار أُعلنت في مايو/أيار 2026.
وعند دخول أندوريل مسابقة سلاح الجو الأمريكي للمرحلة الأولى (Increment 1) من البرنامج، واجهت مشكلة تتمثل في غياب خبرة سابقة لديها في تطوير طائرات مسيّرة نفاثة عالية السرعة. فقد امتلكت “البرمجيات” وافتقرت إلى خبرة “العتاد”، أي الطائرات نفسها. وجاء الحل بقرار من إدارة الشركة شراء مطوّر جاهز للطائرات المسيّرة.
ووقع الاختيار على شركة بلو فورس تكنولوجيز (Blue Force Technologies)، وهي شركة ناشئة أخرى، لكنها تعمل في تصنيع الطائرات المسيّرة لا في البرمجيات. وكانت تطوّر طائرة مسيّرة نفاثة مخصصة لدور “المعتدي”، أي محاكاة تحركات العدو في تدريبات القتال الجوي. وعُرفت الطائرة في البداية باسم “غراكل” (Grackle)، ثم “ريد ميديوم” (REDmedium)، وأخيراً “فيوري” (Fury)، وأبقت أندوريل على الاسم الأخير عند استحواذها على الشركة عام 2023. وبعد تكييف سريع للتصميم مع مفهوم “الجناح الوفي”، دخلت أندوريل بـ”فيوري” مسابقة سلاح الجو الأمريكي، وكانت من بين اثنين من المتأهلين النهائيين لنيل تمويل بناء النماذج الأولية والاختبار الكامل. ونالت الطائرة التسمية العسكرية YFQ-44A. وتنافسها في المرحلة الختامية طائرة YFQ-42A Vengeance من إنتاج جنرال أتوميكس، الشركة المعروفة في تصنيع الطائرات المسيّرة.
تصميم مضغوط وتسليح محدود: ما تحمله “فيوري”
بحسب مواصفات تقديرية متداولة، تعمل “فيوري” بمحرك نفاث واحد، ويبلغ طولها 6.1 أمتار وباع جناحيها 5.2 أمتار. وتتميز بجناح شبه منحرف وذيل عمودي واحد ومدخل هواء سفلي وجهاز هبوط ثلاثي العجلات يُسحب أثناء الطيران. ويمنحها محرك Williams FJ44-4M التوربيني المروحي، بقوة دفع 1,816 كيلوغراماً، سرعة قصوى تبلغ 0.95 ماخ عند وزن إقلاع أقصى يبلغ 2,270 كيلوغراماً. ويصل سقف الخدمة إلى 15,200 متر، وتستطيع الطائرة المناورة تحت أحمال تصل إلى 9 جي. ولا يسمح حجم الهيكل الصغير بوجود حجرة أسلحة داخلية، وهي من أبرز سمات مقاتلات الجيل الخامس، لذا تُحمل الأسلحة على نقطتي تعليق تحت الجناحين.
وبدأت الطائرة اختباراتها الجوية في 31 أكتوبر/تشرين الأول 2025.
ويريد سلاح الجو الأمريكي، ضمن المرحلة الأولى، “جناحاً وفياً” محسّناً لمهام جو-جو، بهدف خفض الخسائر المحتملة في المقاتلات المأهولة الحديثة وتعويض تراجع أعدادها الناجم عن الارتفاع الحاد في كلفة طائرات الجيل الخامس. وحدد هذا المتطلب التسليح الرئيس لـ”فيوري”: صاروخان جو-جو موجّهان متوسطا المدى من طراز إيه آي إم-120 (AIM-120).
آفاق الإنتاج: عقود مبرمة وأسئلة معلّقة
منح سلاح الجو الأمريكي في 17 يونيو/حزيران 2026 عقود الإنتاج للشركتين المتنافستين ضمن المرحلة الأولى، وأسقطت الطائرتان البادئة التجريبية “واي” لتصبحا FQ-44A وFQ-42A. وأكد وزير سلاح الجو تروي مينك (Troy Meink) عزم الخدمة شراء أكثر من 150 طائرة تعاونية قادرة على القتال بحلول نهاية العقد، لكن توزيع العدد بين النوعين لم يُعلن بعد. ويرى المقال المصدر أن من المنطقي افتراض تقسيم المشتريات بالتساوي، مع بقاء خيارات أخرى واردة.
وفي سلاح الجو الأمريكي، ستعمل “إف كيو-44 إيه”، كما “إف كيو-42 إيه”، إلى جانب مقاتلتي الجيل الخامس إف-22 “رابتور” (F-22 Raptor) وإف-35 “لايتنينغ 2” (F-35 Lightning II) ومقاتلة الجيل السادس المرتقبة إف-47 (F-47). ويُخطط كذلك لدمجها مع مقاتلات إف-15 إي إكس “إيغل 2” (F-15EX Eagle II) من الجيل 4+.
ولا يُعرف بعد ما المتطلبات التي سيفرضها سلاح الجو على “الأجنحة الوفية” في المرحلة الثانية (Increment 2): هل تبقى مقاتلات “خالصة”، أم تتوسع لتشمل عمليات جو-أرض. ورغم هذا الغموض، تعمل أندوريل على دمج أسلحة دقيقة جو-أرض في “فيوري”، انطلاقاً من أن طائرة متعددة المهام قد تجذب زبائن أجانب أكثر من طائرة شديدة التخصص.
وتشمل الخيارات المحتملة أربع قنابل موجّهة صغيرة القطر من طراز جي بي يو-39/إيه (GBU-39/A SDB) زنة 250 رطلاً، مثبتة على مهايئات مزدوجة الحوامل. ونُشرت قبل أيام صورة للطائرة تحمل هذه الحمولة. وتتضمن الخيارات الأخرى قنابل “جدام” (JDAM) الموجّهة زنة 500 رطل، أو حاضنات تحمل صواريخ “أيه بي كيه دبليو إس 2” (APKWS II) الموجّهة بالليزر عيار 70 ملم.




