تستعد شركة «لوكهيد مارتن» الأميركية لنقل جزء من إنتاج صواريخ «باتريوت PAC-3» إلى خارج الولايات المتحدة، في خطوة تعكس حجم الطلب العالمي المتزايد على هذه الصواريخ، بعدما تضاعف ثلاث مرات، وسط استنزاف متواصل للمخزونات بفعل الحروب في أوكرانيا والشرق الأوسط.
وكشف دان تيني، نائب الرئيس الأول لتطوير الأعمال والاستراتيجية العالمية في الشركة، في مقابلة مع صحيفة «كييف بوست» في 30 سبتمبر/أيلول 2026، أن «لوكهيد مارتن» تجري مفاوضات متقدمة مع عدد من الدول الحليفة لإنشاء مواقع إنتاج جديدة والمشاركة في تصنيع الصواريخ. وأوضح أن المحادثات وصلت إلى مراحل متقدمة، من دون الكشف عن الدول المعنية أو الإعلان عن أي اتفاق رسمي حتى الآن.وتأتي هذه التحركات بالتزامن مع مساعي واشنطن لرفع القدرة الإنتاجية السنوية لصواريخ «PAC-3 MSE» من نحو 600 إلى 2000 صاروخ بحلول نهاية عام 2030، في ظل تزايد الحاجة إلى منظومات الدفاع الجوي القادرة على اعتراض الصواريخ الباليستية والتهديدات الجوية المتقدمة.
تشكّل أوكرانيا إحدى أبرز ساحات الضغط على مخزونات هذه الصواريخ، إذ تواصل روسيا تكثيف هجماتها بالصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة السريعة، فيما تواجه الدفاعات الجوية الأوكرانية نقصًا في صواريخ «باتريوت» الأميركية الصنع. ولا يرتبط هذا النقص بالهجمات الروسية وحدها، بل يتأثر أيضًا بتزايد الطلب العالمي على الصواريخ الاعتراضية، خصوصًا مع احتدام المواجهات في الشرق الأوسط.فالصراع مع إيران فرض بدوره استهلاكًا كبيرًا لصواريخ الدفاع الجوي لدى القوات الأميركية وحلفائها، ما زاد الحاجة إلى تعويض المخزونات بالتوازي مع الحفاظ على الجاهزية العسكرية. وأشارت تقارير صحافية، بينها تقرير لصحيفة «وول ستريت جورنال»، إلى تسابق شركات الصناعات الدفاعية الأميركية لزيادة إنتاج الصواريخ، في محاولة لسد الفجوة بين حجم الاستهلاك الميداني والقدرات التصنيعية الحالية.
وفي مواجهة هذه الضغوط، خصصت «لوكهيد مارتن» استثمارات قد تصل إلى 9 مليارات دولار حتى عام 2030، بهدف توسيع إنتاج الصواريخ وتعزيز سلاسل الإمداد وتطوير قدراتها التصنيعية. وأوضح تيني أن ما لا يقل عن 20 منشأة أميركية تشارك في هذه الجهود، بالتوازي مع دراسة توسيع التصنيع خارج البلاد، بما يتيح زيادة الإنتاج وتنويع مصادر الإمداد.وكانت الشركة قد سلّمت 620 صاروخًا من طراز «PAC-3 MSE» خلال عام 2025، محققة رقمًا قياسيًا بعد رفع الإنتاج بأكثر من 60% خلال عامين. غير أن بلوغ هدف 2000 صاروخ سنويًا يتطلب توسعًا صناعيًا كبيرًا، لا يقتصر على المصانع الرئيسية، بل يشمل أيضًا شبكة الموردين والمكونات المتخصصة.وتكمن أهمية هذه الصواريخ في قدرتها على تدمير الصواريخ الباليستية وصواريخ كروز والطائرات المتقدمة عبر تقنية الاصطدام المباشر بالهدف، المعروفة باسم «Hit-to-Kill». كما يمنحها محركها الصاروخي الأكبر، العامل بنظام الدفع ثنائي النبضة، وأسطح التحكم المطوّرة، مدى اشتباك أوسع وقدرة أكبر على المناورة والوصول إلى ارتفاعات أعلى مقارنة بالإصدارات السابقة.لكن هذه القدرات لا تلغي التحدي الأساسي المتمثل في توافر الصواريخ. فبطاريات «باتريوت» قد تبقى جاهزة للعمل، إلا أن انخفاض مخزونها من الصواريخ الاعتراضية يحدّ من قدرتها على مواجهة الهجمات المتكررة، خصوصًا أن بعض الاشتباكات قد تتطلب إطلاق أكثر من صاروخ على الهدف الواحد، ما يسرّع استنزاف المخزونات.
وفي موازاة ذلك، تعمل «لوكهيد مارتن» على تطوير نسخة «PAC-3 ACE»، التي وصفها تيني بأنها أقل تكلفة ضمن عائلة «PAC-3»، مع خطط لتعزيز إنتاج النسختين. إلا أن هذه النسخة لا تزال قيد التطوير، ولا تُعدّ بديلًا عملياتيًا جاهزًا لصواريخ «PAC-3 MSE».أما توسيع الإنتاج خارج الولايات المتحدة، فقد يمنح الدول الحليفة دورًا أكبر في تصنيع هذه المنظومة، ويخفف الاعتماد على عدد محدود من المنشآت الأميركية، لكنه يتطلب ترتيبات معقدة تشمل نقل التكنولوجيا والموافقات الأمنية وتأهيل المصانع وتوسيع سلاسل توريد المكونات.وتبرز أوكرانيا ضمن الدول المهتمة بهذا التوجه، في ظل حاجتها إلى تعزيز دفاعاتها الجوية وتطوير صناعاتها العسكرية المحلية. وكانت تصريحات أوكرانية قد أشارت إلى موافقة سياسية على متابعة مساعي إنتاج صواريخ «باتريوت»، إلا أن «لوكهيد مارتن» لم تؤكد أن كييف من بين الدول التي تتفاوض معها حاليًا، ولم يُعلن عن أي اتفاق لإنتاج هذه الصواريخ على الأراضي الأوكرانية.
وبين الحاجة الأميركية إلى إعادة بناء مخزوناتها، واستمرار استهلاك الصواريخ في أوكرانيا والشرق الأوسط، وتزايد طلب الحلفاء، يتحول إنتاج «باتريوت» إلى جزء أساسي من معادلة القدرة على خوض مواجهات طويلة الأمد. وإذا نجحت «لوكهيد مارتن» في تحويل مفاوضاتها إلى اتفاقات تصنيع خارجية، بالتزامن مع رفع الإنتاج الأميركي، فقد تدخل صناعة هذه الصواريخ مرحلة جديدة، عنوانها توسيع الإنتاج عالميًا لمواجهة سباق متصاعد على أسلحة الاعتراض.

