نظرية إبطال التهديد “Threat Neutralization Theory — TNT”

ظافر مراد

Northrop Grumman - Raid Hunter

تناقش “دفاع العرب” مفهوماً استراتيجياً جديداً بعنوان “نظرية إبطال التهديد (Threat Neutralization Theory – TNT)، يطرح إطاراً نظرياً يحتاج إلى تأصيل مفاهيمي وتحديد مرتكزاته وآليات تخطيطه وتنفيذه وقياس نتائجه. تنطلق النظرية من أن الغاية الاستراتيجية للعمل العسكري لا تُقاس بحجم التدمير الذي يلحق بالخصم، أو بمساحة الأرض التي تُحتل، وإنما بمدى القدرة على تعطيل منظومته لإنتاج التهديد ومنعه من تحويل موارده إلى تأثير استراتيجي. وبموجب هذا المنظور، يمكن أن يحتفظ الخصم بجزء من بنيته العسكرية ومؤسساته وموارده، مع تراجع قدرته الفعلية على توظيفها لإحداث تأثير عسكري أو سياسي حاسم. وتتمثل النتيجة المنشودة في إحداث اختلال مستدام في العلاقة بين الموارد والقدرات من جهة، والنتائج من جهة أخرى، بما يحدّ من قدرة الخصم على استعادة فاعليته التهديدية، حتى بعد توقف العمليات وانتهاء المواجهة المباشرة.

المرتكز النظري الأهم هنا هو الفصل بين “بقاء القوة”  و”القدرة على إنتاج التهديد” فوجود السلاح أو الموارد أو البنية التنظيمية لا يعني بالضرورة امتلاك القدرة على استخدامها لتحقيق أهداف استراتيجية؛ ومن هنا، تحتاج النظرية إلى معيار واضح يقيس مدى استدامة إبطال التهديد، ويحدد متى يصبح تراجع القدرة مؤشراً على تغيير استراتيجي فعلي، لا مجرد انخفاض مؤقت في الأداء العسكري.

“نظرية إبطال التهديد- Threat Neutralization Theory — TNT”

الفرضية الأساسية: عندما يكون التهديد غير متماثل، هجيناً، موزعاً، ومحصناً اجتماعياً أو جغرافياً، فإن محاولة القضاء عليه مباشرة قد تكون أعلى كلفة من قيمة الهدف نفسه، أو أن ذلك يتطلب وقتاً وجهداً كبيرين وغير مضموني النتائج، حينها تتحول الخطة في هدفها النهائي من تدمير العدو إلى جعله عاجزاً عن تحويل قدراته إلى تأثير استراتيجي، وهنا يكمن الفرق الجوهري بين تدمير القوة وإبطال التهديد، مع الإشارة هنا إلى أن إبطال التهديد لا يجب أن يكون مرحلياً بل مستداماً عبر فكفكة الروابط وتدمير أو إبطال عمل العقد الهامة في منظومة العدو.

مركز النظرية: التهديد ليس هو القوة العسكرية وحدها؛ بل منظومة إنتاج التهديد عبر القوة العسكرية أو عبر قدرات أخرى، وفي العادة، تتألف منظومة إنتاج التهديد من: القيادة، القدرة على التخطيط وصناعة القرار، منظومة الإتصال، الموارد بجميع أنواعها، حرية الحركة في مجالات محددة تخدم صناعة التهديد، دعم شعبي إجتماعي أو إقتصادي، دعم خارجي مادي أو علمي، بنية تنظيمية قادرة على الإستمرار.

إذا تم ضرب أو إبطال عمل نقطة أو أكثر من هذه السلسلة، يمكن أن تنهار الفعالية الاستراتيجية للتهديد من دون الحاجة إلى تدمير كل مكوناته.

أدوات أو وسائل النظرية: هناك وسائل عديدة لإبطال التهديد، لكن ابرزها وأكثرها فاعلية إثنتان:

  1. “تفكيك الترابط أو الروابط”: تقترح النظرية الانتقال من مفهوم استهداف العقد إلى مفهوم تفكيك الترابط بدلاً من استهداف كل عقدة، يتم تحديد الروابط الحرجة بين العقد والقيام بتحليلها وربما بفحصها وإختبارها إذا دعت الحاجة، والروابط تكون بين: القيادة والمرؤوسين، الاستخبارات والقرار، التمويل والعمليات، السلاح والمقاتل، القيادة والمجتمع، الداخل والخارج، الإنتاج والإمداد، القدرة العسكرية والغطاء السياسي؛ وفي الصراعات والحروب التقليدية، يتم في العادة مهاجمة العقد الاساسية في منظومة العدو، ولكن في كثير من الاحيان، يكون قطع وتفكيك الروابط بين العقد الأساسية أهم من تدمير العقد نفسها.
  2. توجيه وحرف التهديد بدلاً من مواجهته: وهذه إستراتيجية مستخدمة حالياً، برهنت على نجاحها على الرغم من عدم وضوحها في كثير من الحالات، فيمكن في بعض السياقات، إعادة توجيه موارد واهتمام وقدرات الخصم نحو أزمات ومسارات تستنزف قدرته على إنتاج التهديد الأساسي، أي أن الخصم يبقى موجوداً لكنه يصبح مشغولاً بـأزمة داخلية، استنزاف اقتصادي، اضطراب اجتماعي، صراع على الموارد، أزمة شرعية، انقسام مؤسساتي.

إبطال التهديد هنا لا يعني اختفاء العدو، بل اختفاء قدرته على إنتاج تهديد ذي أثر استراتيجي، وهذا الإبطال يأتي ضمن ثلاثة مستويات:

  • الإبطال المؤقت: تعطيل القدرة لفترة محددة.
  • الإبطال الممتد: منع إعادة توليد القدرة لفترة طويلة.
  • الإبطال البنيوي: تغيير البيئة التي تجعل إنتاج التهديد ممكناً أصلاً.

تنظر TNT إلى التهديد باعتباره منظومة إنتاج، فالتهديد لا ينتج من السلاح وحده، ولا من عدد المقاتلين وحده، وإنما من تفاعل مجموعة من العناصر تشمل القيادة، وصناعة القرار، والمعلومات والاستخبارات، والاتصالات، والتمويل، والإمداد، وحرية الحركة، والبنية التنظيمية، والسردية، والايديولوجيا، والدعم الاجتماعي والاقتصادي، والعلاقات الخارجية، والقدرة على التعويض وإعادة إنتاج القوة، وهنا يمكن أن يتحول التفوق العسكري من قدرة على إحداث خسائر مادية إلى قدرة على إحداث انقطاع وظيفي داخل منظومة الخصم.

وهنا يجب التمييز بين توجيه التهديد واحتوائه، فالاحتواء يسعى أساساً إلى الحد من حركة التهديد وانتشاره، بينما يسعى توجيه التهديد إلى تغيير اتجاه استخدام موارد الخصم وقدراته، بحيث يستهلك جزءاً متزايداً منها في مسارات تقلل قدرته على إنتاج التهديد الأساسي، لكن الاختبار الحقيقي للنظرية لا يكمن في تحقيق تعطيل مؤقت، فإذا استطاع الخصم إعادة بناء قدرته خلال فترة قصيرة، فإن ما حدث هو تعطيل عملياتي، وليس إبطالاً استراتيجياً.

يمكن ترجمة النظرية إلى نموذج عملي من سبع مراحل: تحديد التهديد، تحديد مركز الثقل، رسم شبكة الترابط (العقد والروابط)، تحديد نقاط الإبطال، إعادة تشكيل البيئة، منع إعادة توليد التهديد، قياس مستوى الإبطال.

وهنا تكمن القيمة النظرية لـTNT  فهي لا تلغي مفاهيم مثل مركز الثقل، أو القدرات الحرجة، أو دورة القرار، أو الردع، أو مكافحة التمرد، بل تقدم زاوية مختلفة للنظر إلى المشكلة تطرح السؤال: كيف نجعل القوة الموجودة غير قادرة على إنتاج التهديد؟ فقد يكون الخصم مسلحاً، منظماً، وموجوداً على الأرض، ومع ذلك يكون قد فقد قدرته على التأثير في الحرب، وهذه هي النقطة الفاصلة بين تدمير القوة وإبطال التهديد: تدمير القوة يقيس ما تم القضاء عليه، أما إبطال التهديد فيقيس ما أصبح الخصم عاجزاً عن فعله.

نظرية إبطال التهديد: نحو مقاربة مفاهيمية للقوة والفاعلية الاستراتيجية

تستند كثير من المقاربات العسكرية إلى افتراض ضمني مفاده أن خفض قدرة الخصم على التهديد يمر عبر خفض قدرته على القتال، وأن تعطيل هذه القدرة يتحقق أساساً من خلال استهداف مصادرها المادية والبشرية؛ إلا أن هذا الترابط لا يكون بالضرورة قائماً في جميع أنماط الصراع؛ فقد تحتفظ منظومة معادية بجزء كبير من قوتها المادية والتنظيمية، بينما تتراجع قدرتها بصورة حادة على تحويل تلك القوة إلى نتائج عملياتية أو استراتيجية. وفي المقابل، قد يؤدي تدمير نسبة مرتفعة من الوسائط القتالية إلى نتائج محدودة إذا ظلت البنية التي تعيد إنتاج القوة وتربط عناصرها قادرة على العمل.

من هذه الإشكالية تنطلق نظرية إبطال التهديد Threat Neutralization Theory (TNT)، بوصفها محاولة للتمييز بين مفهومين غالباً ما يتداخلان في التفكير العسكري: تدمير القوة وإبطال القدرة على إنتاج التهديد. ولا تفترض النظرية أن القوة هي التهديد ذاته، بل تعتبر أن التهديد يمثل حصيلة العلاقة الوظيفية بين مجموعة من القدرات والعقد والروابط التي تسمح بتحويل الموارد إلى فعل مؤثر. وفق هذا التصور، لا تُقاس أهمية عنصر من عناصر منظومة الخصم بحجمه أو بقيمته المادية منفردة، وإنما بموقعه داخل عملية إنتاج التهديد، فالقيادة لا تكتسب أهميتها من وجودها المادي، وإنما من قدرتها على تحويل المعلومات إلى قرارات، والقرارات إلى توجيه، والتوجيه إلى فعل. والتمويل لا يمثل تهديداً في ذاته، وإنما يكتسب قيمته عندما يرتبط بالإمداد والتجنيد والتسليح والتنفيذ. كذلك فإن المعلومات لا تكون ذات قيمة استراتيجية إلا إذا كانت قادرة على الوصول إلى جهة تستطيع تحويلها إلى قرار في الزمن المناسب.

بذلك يصبح التهديد نتاجاً لشبكة علاقات وظيفية أكثر منه مجموعاً حسابياً لعناصر القوة، وهذه النقطة تقود إلى المفهوم المركزي في النظرية: الروابط الحرجة، ففي النظم المعقدة، قد لا يكون تعطيل عقدة منفردة كافياً لإحداث انهيار وظيفي، بينما يمكن أن يؤدي قطع رابط واحد إلى إضعاف مجموعة من العقد التي تعتمد عليه في استمرار عملها؛ لذلك لا يقتصر التحليل على تحديد مراكز القوة، بل ينتقل إلى دراسة العلاقات التي تسمح لهذه المراكز بالتفاعل وإنتاج الأثر.

وعليه، فإن السؤال العملياتي لا يصبح فقط: أين توجد القوة؟ بل: ما الشروط التي تجعل هذه القوة قابلة للتحويل إلى تأثير؟ وما الروابط التي تحفظ قدرتها على ذلك التحويل؟ من هنا يختلف إبطال التهديد عن الاستنزاف التقليدي. فالاستنزاف يركز على تقليص مخزون القوة، بينما يركز الإبطال على تعطيل وظيفتها. وقد تكون النتيجة المطلوبة متحققة حتى في ظل بقاء قدر معتبر من القدرات القتالية، إذا فقدت هذه القدرات قدرتها على الارتباط بالقيادة، أو المعلومات، أو الموارد، أو الحركة، أو الإمداد، أو البيئة الحاضنة التي تمنحها الاستمرارية.

وتتسع النظرية أكثر عندما يتعلق الأمر بخصم غير متماثل أو موزع أو محصن اجتماعياً وجغرافياً، ففي هذه الحالات، قد يكون السعي إلى التدمير الشامل غير متناسب مع قيمة الهدف أو غير قابل للتحقيق ضمن الزمن والكلفة المتاحين؛ ويصبح من الأجدى البحث عن الشروط التي تسمح للخصم بإعادة إنتاج قدرته على التهديد، ثم تعطيل هذه الشروط بصورة متراكمة؛ من هنا تظهر مسألة إعادة توليد التهديد باعتبارها معياراً أساسياً لقياس نجاح الإبطال، فإذا تم تعطيل القدرة ثم أعيد إنتاجها خلال فترة قصيرة، فإن التأثير المحقق يظل عملياتياً ومحدوداً زمنياً، أما إذا تعذر على الخصم إعادة بناء الروابط والموارد والبنية التنظيمية اللازمة لإنتاج التهديد، فإن الإبطال يأخذ بعداً استراتيجياً.

والجدير ذكره هنا، أن إبطال التهديد قد يتم بمعظمه عبر افعال لا تتعدى المستوى التكتي، ولا تتطلب زج قدرات عملياتية أو إستراتيجية، وقد يكون عبر المزج بين عمليات عسكرية وعمليات ذات طابع غير عسكري، كما أن القرار بالافعال والمبادرات التي تهدف إلى إبطال التهديد، يشارك بها المستوى السياسي بشكلٍ مباشر، حيث أن إبطال التهديد قد يتم عبر التفاوض والتوصل إلى إتفاق ملزم، أو عبر عقوبات إقتصادية وضرب وظائف شبكات التمويل، أو عبر الضغط على حلفاء ومتعاونين.

كما تتضمن النظرية بعداً آخر يتعلق بالبيئة، فليس ضرورياً دائماً مهاجمة منظومة الخصم مباشرة، إذا كان هناك إمكانية للتأثير في البيئة التي يستمد منها موارده وشرعيته وحرية حركته وقدرته على التجدد. ويمكن أن يتم ذلك من خلال تغيير مسارات الموارد، أو زيادة كلفة الاستمرار، أو تضييق المجال العملياتي، أو التأثير في العلاقات التي تصل الداخل بالخارج، بما يؤدي إلى خفض القدرة على إنتاج التهديد من دون الحاجة إلى استهداف كل عناصر القوة بصورة مباشرة.

في سياق التصميم العملياتي التقليدي، يتم إستهداف مركز الثقل عبر إستهدافه بشكلٍ مباشر أو عبر إستهداف القدرات الحرجة والعقد والروابط التي تنتج قوته الحقيقية، بينما في نظرية إبطال التهديد، فيتم تحليل طبيعة الوظيفة وضرب إحتياجاتها وخصائصها، وعلى الرغم من التشابه الكبير في المفهومين، إلا أن إبطال التهديد يركز على ما هو أعمق في النظام الوظيفي لأي عقدة أو رابط، بحيث أن التأثير في هذا النظام (عبر إرباكه أو خلق فجوات وثغرات أو فواصل إنقطاع زمنية في السياق الوظيفي)، لا يظهر بشكلٍ واضح، ولا يتم إكتشافه بالسرعه المطلوبة، وتبقى مفاعيله وأسبابه غامضة، وتصبح عملية إصلاحه وإعادة ترميمه أو إستعادته أكثر تعقيداً.

الفهم العميق لطبيعة الوظيفة وإحتياجاتها وما تنتجه من مخرجات تخدم أهداف الصراع، هو ما يصنع الفارق في إبطال التهديد.