حين تتغير الحرب… هل انتهى زمن الجيوش الضخمة؟

العميد صلاح الدين أبوبكر الزيداني

Northrop Grumman - Raid Hunter

في عصر التغيرات السريعة الحاصلة في الوسائط القتالية وأدوات الحرب الذكية، ومن خلال متابعة أحداث الحروب الجارية في العالم، هل يمكن القول إن زمن التشكيلات القتالية الضخمة قد انتهى؟  وهل ما زالت الجيوش بحاجة إلى تنظيم قوتها القتالية وفق التشكيلات التي ورثتها عن حروب القرن العشرين، أم أن طبيعة الحرب الجديدة تفرض إعادة النظر في طريقة بناء القوة واستخدامها؟ وإذا تغيرت طبيعة الحرب بهذا العمق، فهل ما زال التنظيم العسكري التقليدي قادرًا على استيعابها؟

تساؤلات عديدة جالت بفكري حول جدوى التنظيم المتقادم والموروث للجيوش والوحدات القتالية في زمن أصبحت فيه المسيّرات، والاستشعار المتقدم، والحرب الإلكترونية، والضربات الصاروخية الدقيقة، وسرعة نقل المعلومات واتخاذ القرار، عناصر أساسية في معادلة القوة القتالية الحديثة.

نحن اليوم في زمن جديد له خصوصيته في كل شيء، حتى حروبه اختلفت وتطورت، وأصبحت فيه الوحدات الصغيرة، القادرة على الحركة والتشتت وإعادة التجمع، قادرة على إحداث تأثيرات كانت تتطلب في السابق كتلة أكبر من القوات والنيران؛ زمن اجتاحته آلات الحرب الدقيقة لتختصر الجهد والوقت والمسافات، وتختصر معها تشكيلات قتالية كثيرة وكبيرة.

هل انتهى زمن اللواء والفرقة وأصبحت من الماضي؟ وهل انتهى احتكار التشكيلات الكبيرة لتنظيم القوة القتالية، وصار لزامًا أن تستبدل تلك التنظيمات بنظام جديد يعيد تشكيل الجيوش وفق متطلبات الحرب الحديثة التي تبتعد عن عبء التشكيلات القديمة؟

وهنا تبدأ المسألة الحقيقية؛ فكما تفرض تغيرات طبيعة الحرب تغيرًا في السلاح، فإن تطور تكنولوجيا السلاح يؤثر في العقيدة، والعقيدة تعيد تشكيل التنظيم، والتنظيم نفسه يفرض أحيانًا متطلبات على التكنولوجيا والعقيدة حتى تتكيف المؤسسة العسكرية مع طبيعة الحرب الجديدة.

الخلفية التاريخية للتشكيلات العسكرية الكبرى.

شهدت الحروب التاريخية تطورًا لمفهوم التشكيل العسكري الضخم الذي لا يزال معتمدًا في أغلب الجيوش اليوم , فقد تطور نظام الفرق والفيالق خلال الثورة الفرنسية والحروب النابليونية ضمن تنظيم أوسع للقيادة والمناورة والتنظيم، كوحدات أكثر استقلالًا وقدرة على المناورة والعمل ضمن جيش أكبر، بما عالج مشكلة القيادة والسيطرة على جيوش ضخمة ومتعددة الأسلحة.

وخلال الحرب العالمية الأولى أعيد النظر في هيكلة الفرق بسبب طبيعة حرب الخنادق وكثافة المدفعية والأسلحة الرشاشة، فجرى تقليص بنية بعض الوحدات وتغيير تركيبها أثناء الحرب. ثم ترسخ هذا النموذج بشكل أكبر خلال الحرب العالمية الثانية، عندما احتاجت الحرب الصناعية إلى كتل بشرية وقوة نارية كبيرة لاختراق خطوط دفاعية عميقة، وإلى تنظيم قادر على إدارة أعداد هائلة من القوات وما يتبعها من أسلحة المدفعية والمدرعات والخدمات في شكل ألوية وفرق وفيالق.

ثم خلال مرحلة الحرب الباردة اكتسب تنظيم التشكيلات القتالية الكبرى بُعدًا إضافيًا، حيث شهد تحولات كبيرة في التنظيم والتشغيل نتيجة ظهور الأسلحة النووية، والحرب الآلية، وتطور الطيران المقاتل والصواريخ ووسائط الحرب الإلكترونية، مع ظهور وتطور منظومات القيادة والسيطرة، والاستعداد الدائم لمواجهة واسعة النطاق بين تحالفات كبرى.

وكل ذلك جاء وفقًا لمفاهيم استراتيجية مثل المعركة العميقة السوفيتية والتشكيلات المدرعة الغربية وكان منطق ذلك العصر واضحًا: الكتلة تعني القوة.

وهكذا تظهر الأحداث التاريخية أن التشكيل العسكري لم يكن يومًا شيئًا ثابتًا، بل كان دائمًا استجابة لطبيعة الحرب وفي الوقت نفسه , يوفر التشكيل القتالي الكبير مهام لا يمكن للوحدة الصغيرة أن تؤديها منفردة، من بينها تكامل الأسلحة، والعمق اللوجستي والاحتياط، والدفاع الجوي، والهندسة، والمدفعية، والقدرة على الاحتفاظ بالأرض بعد الاستيلاء عليها.

ومع كل ما قد توفره تشكيلات الجيوش وظيفيًا، إلا أن البيئة التي أنتجت هذه الأشكال التنظيمية تغيرت، وربما يكون قد آن الأوان لإعادة تنظيمها مع ظهور أسلحة وعتاد جديدين ووفق ترتيبات جديدة تتسم بالمرونة وخفة الحركة والكفاءة العالية؛ فالمهمة التي ينبغي أن تؤديها التشكيلات القتالية الكبرى قد تغيرت في حرب لم تعد الكتلة فيها وحدها مصدر القوة.

من الكتلة والحشد إلى القدرة العملياتية.

أضافت الحرب الحديثة إلى معادلة القوة عناصر أصبحت أحيانًا أكثر حساسية من العدد وحده، كالمعلومة، والاستشعار، وسرعة اتخاذ القرار، ودقة الاستهداف، والقدرة على إعادة الانتشار، والمرونة، والحماية من الاستطلاع والاستهداف.

فالقوة التي تُكتشف بسرعة قد تتحول كثافتها العددية من ميزة إلى عبء، والتشكيل الذي يحتاج إلى وقت طويل للتحرك وإعادة الانتشار قد يجد نفسه أبطأ من دورة الاستشعار والقرار والاستهداف التي تدور حوله.

وهذا لا يعني أن القوة البشرية أو النيران التقليدية فقدت أهميتها، وإنما يعني أن القيمة القتالية أصبحت مرتبطة بصورة متزايدة بقدرة القوة على تحويل المعلومات إلى تأثير في الوقت والمكان المناسبين.

ومن هنا يمكن فهم أحد أهم دروس الحروب الحديثة: ليست القوة الأكثر عددًا بالضرورة هي القوة الأكثر قدرة على المناورة والتأثير.

فالجيوش اليوم لا تتحرك بالضرورة ككتلة ضخمة، لكنها ما زالت تحتاج إلى قيادة الكتلة عندما تتطلب المعركة ذلك فعقيدة الجيش الأمريكي القتالية الحالية ما زالت تحتفظ بمستويات الفيلق والفرقة واللواء، مع تطوير طريقة وانتشار مراكز قيادتها.

وقد بدأت المؤسسات العسكرية الغربية إنشاء «وحدات مسيّرات» منفصلة، ودمجها في تشكيلات صغيرة ومرنة داخل تشكيل الألوية والفرق والفيالق العاملة مع بقية الأسلحة. وحتى المدافعون عن السلاح المدرع يقرون بأن صعوبة تنفيذ المناورة الهجومية التقليدية ازدادت فعلًا بعد دروس حرب أوكرانيا وناغورنو كاراباخ والتدخل القوي للمسيّرات والصواريخ الموجهة.

قدم الصراع في أوكرانيا، وهو حرب ذات خصائص خاصة، باعتباره أحد أهم المختبرات المعاصرة، مثالًا مهمًا وأكثر وضوحًا لهذه التحولات. فالانتشار الواسع للمسيّرات، والاستطلاع المستمر، والحرب الإلكترونية، والنيران الدقيقة، جعل تجمع القوات والمعدات عرضة بصورة أكبر للاكتشاف والاستهداف.

وأصبح الحفاظ على البصمة المنخفضة، وتوزيع الوحدات، وإخفاء مراكز القيادة، وتقليل زمن التعرض، مسائل حاسمة في بقاء القوة وقدرتها على الاستمرار , حتى إن بعض التحليلات العسكرية تشير إلى أن تحريك تشكيلات أكبر من مستوى السرية أصبح شديد الصعوبة في بعض قطاعات جبهة القتال بسبب سرعة اكتشافها وقوة الضربات النارية عليها.

لقد ذهبت أوكرانيا إلى تأسيس قوات الأنظمة غير المأهولة كفرع مستقل من القوات المسلحة، بما يعكس انتقال المسيّرات من كونها مجرد أداة إضافية إلى قدرة عسكرية يجري تنظيمها وتطويرها وتدريبها على مستوى مؤسسي, وفي الوقت نفسه، بقيت هذه القدرات تعمل داخل منظومة أوسع تضم المشاة والمدفعية والدفاع الجوي والهندسة والاستطلاع والحرب الإلكترونية واللوجستيات.

كما أن التجربة الروسية أظهرت الاتجاه نفسه من زاوية أخرى؛ فقد جرى تطوير وحدات ومؤسسات خاصة بالمسيّرات والحرب الإلكترونية، ودمج قدرات مضادة للمسيّرات على مستويات تكتيكية صغيرة، بدل الاكتفاء بإنشاء قدرة منفصلة عن التشكيلات التقليدية.

ونسوق مثالًا عمليًا على ذلك، بحسب ما أوردته سي إن إن بالعربية في العشرين من سبتمبر الجاري، حيث تعرضت العاصمة الروسية موسكو لهجوم واسع بالمسيرات، وفق التقارير المنشورة، مع تسجيل اختراقات وإصابات لأهداف داخل العاصمة وضواحيها، لتنقل الحرب إلى العمق الروسي وتزيد من شدة السجال القائم بين الطرفين.

وبالتأكيد فإن الأثر الاستراتيجي والمعنوي لمثل هذه الهجمات كبير، رغم اعتراض العدد الأكبر منها بواسطة الدفاعات الجوية الروسية.

لماذا لا يمكن إلغاء الفرقة واللواء؟

لا تتجه الحرب الحديثة حاليًا إلى إلغاء التشكيلات العسكرية الكبيرة التي تشكل مستويات رئيسية في التنظيم القتالي، بل تعمل على إعادة تنظيمها وتوزيع مهامها, وهنا يجب أن ندرك بأن القدرات الثقيلة لن تختفي، وإنما ستصبح قدرات قابلة للتخصيص والتجميع بحسب المهمة، بدل أن تكون دائمًا جزءًا عضويًا من كتلة مناورة ثابتة.

التاريخ نفسه يخدم فكرة التغيير فالتشكيلات العسكرية لم تكن مقدسة ولا ثابتة عبر التاريخ. فالجيوش الرومانية لم تكن نسخة من تشكيلات العصور الوسطى، وتشكيلات جيوش نابليون أعادت صياغة الجيش حول الفيلق، والجيوش الحديثة أعادت بناء نفسها مع المدفعية والأسلحة النارية والتعبئة الجماهيرية.

قد يبدو منطق الوحدات الصغيرة مغريًا السرية، والفصيل، وفريق الاستطلاع، ووحدة المسيّرات، والعنصر المضاد للدروع، وفريق الحرب الإلكترونية، وعنصر النيران الدقيقة. لكن إدارة الحرب تستوجب وجود قيادة وسيطرة، ووحدة إسناد، ودفاع جوي، ومدفعية، وهندسة، وإمداد، وصيانة، وإخلاء طبي، واستخبارات، واحتياط، وتعبئة، وقدرة على الاحتفاظ بالأرض وإدارة عملية قد تمتد زمنًا.

وهذه المهام لا تختفي لمجرد أن الوحدة التي تنفذ المهمة أصبحت أصغر.

فالفرقة التي كانت تجمع عددًا كبيرًا من الوحدات والقدرات في كتلة قتالية واحدة يمكن أن تتحول تدريجيًا إلى مستوى أعلى من القيادة والسيطرة وتخصيص القدرات، بينما تتولى تشكيلات أصغر تنفيذ المهام بحسب طبيعة الموقف.

وهنا تبدأ الثورة الفكرية الحقيقية في إعادة تنظيم الجيوش: من الجيش الهرمي التقليدي إلى جيش مركب من مجموعات قتال تعبوية، يقوم على الفصل النسبي بين الوحدة الدائمة والتشكيل القتالي المؤقت.

فالوحدة الدائمة هي وحدة الاختصاص والجاهزية والتدريب والإدامة، أما التشكيل القتالي فيتشكل حول المهمة. وهنا يمكن أن يصبح الجيش أكثر مرونة من خلال ارتباطه بالقدرة المطلوبة، وطبيعة المهمة، والزمن الذي تستغرقه.

مع ملاحظة أن مجموعات عمليات القتال ليست جيشًا بلا هيكل، بل هو جيش يستخدم لإدارة شبكة من العناصر والقدرات والوحدات القابلة لإعادة التشكيل، والتي تتجمع لتنفيذ مهمة محددة، ثم يعاد توزيعها بعد انتهاء المهمة وفق احتياجات الموقف.

وهكذا فالوحدة الدائمة لا تختفي، والتخصص لا يختفي، والقيادة لا تختفي؛ الذي يتغير هو طريقة تجميع هذه العناصر في الميدان. وهذه ربما تكون إحدى أهم خصائص الجيش الذي يحاول الاستجابة للحرب المستقبلية.

وسيحتاج هذا التنظيم إلى مستوى أعلى من الثقة والاتصالات والتدريب المشترك والإجراءات الموحدة، كما أن الوحدات التي يعاد تجميعها باستمرار تحتاج إلى قدرة عالية على الاندماج السريع، وإلى قيادة تعرف كيف تدير عناصر لم تعمل معًا من قبل.

وهذا يتقاطع مع الاتجاهات الحديثة في تطوير القيادة والسيطرة لدى حلف الناتو، الذي يعمل على تطوير هياكل قيادة أكثر مرونة وتوزيعًا للقرار، بما يتلاءم مع العمليات متعددة المجالات.

وأعتقد أن التوجه لبناء جيش هجين قادر على الانتقال بين مستويات مختلفة من القوة قد يكون الأقرب إلى متطلبات الحرب المتغيرة , فماذا يحدث إذا واجه الجيش قوة تقليدية في حرب استنزاف واسعة وطويلة، تحتاج إلى الاحتفاظ بالأرض، وإدارة جبهة ممتدة، وتحمل خسائر، وتدوير الوحدات، واستخدام المدفعية والدروع والدفاع الجوي والنيران بعيدة المدى؟

والفرقة في المستقبل قد لا تكون مجموعة ضخمة من الجنود والدبابات مصطفة في هيكل ثابت، وإنما مركزًا يستطيع إنتاج مجموعات مهام قتالية، وإدارة المعلومات، وتخصيص النيران، وإدارة الاستطلاع، وتوفير الدفاع الجوي، وتوفير الحرب الإلكترونية، وإدارة الدعم اللوجستي، وإدارة قوة الاحتياط، وتنسيق العمليات الجوية والبرية، مع القدرة على إعادة توزيع القوات بسرعة.

وهذا الوضع يتوافق جزئيًا مع التحولات الجارية بالفعل في الجيوش الغربية نحو العمليات متعددة المجالات؛ فالناتو نفسه يتحدث عن الحاجة إلى هياكل قيادة أكثر مرونة وقدرة على التكيف، بينما يطور الجيش الأمريكي مفاهيم القيادة المباشرة على مستويات أصغر.

ويبقى الدرس الأهم وهو أن التنظيم العسكري يجب أن يبقى قابلًا للمراجعة عندما تتغير طبيعة الحرب.

هل انتهى زمن التشكيلات القتالية الضخمة؟

ربما يكون السؤال نفسه بحاجة إلى إعادة صياغة, فالحرب لا تقول إن الفرقة ماتت، ولا تقول إن اللواء أصبح من الماضي. ولا تقول إن الدبابة أو المدفعية أو أسلحة الدفاع الجوي يمكن استبدالها جميعًا بمسيّرات ووحدات خفيفة، لكنها تقول شيئًا أكثر عمقًا: إن احتكار التشكيل الكبير لتنظيم القوة القتالية لم يعد أمرًا مسلمًا به.

فالفرقة واللواء يمكن أن يبقيا، لكن ليس بالضرورة بالطريقة نفسها , والقوة الثقيلة يمكن أن تبقى، لكن ليس بالضرورة أن تكون موزعة عضويًا داخل كل تشكيل في كل وقت. والوحدة الصغيرة يمكن أن تصبح أكثر أهمية، لكن ليس بالضرورة أن تعمل منفردة.

وهكذا فإن المستقبل قد لا يكون لجيش بلا فرق وألوية، وإنما لجيش لا تعتمد قوته القتالية على بقاء الفرق والألوية كتلًا ثابتة في جميع الظروف.

الجيش الذي يعيد تشكيل نفسه.

لقد تغيرت الحرب مرات كثيرة عبر التاريخ، وفي كل مرة كانت الجيوش التي بقيت أسيرة شكلها القديم تواجه مشكلة أكبر من مشكلة السلاح نفسه ؛ فالجيوش لا تنهار لأنها تفتقر دائمًا إلى السلاح، وإنما قد تعجز لأنها تستخدم السلاح الجديد بعقل تنظيمي قديم.

ليس المطلوب أن نصغر الجيش، بل أن نجعله أكثر قابلية لإعادة التشكيل. وليس المطلوب أن نلغي الكتلة، بل أن نجعلها خيارًا من خيارات القوة؛ تُبنى عندما تتطلب المهمة ذلك، وتتفكك عندما يصبح فقدان السيطرة والتشتت أكثر فاعلية.

وليس المطلوب أن تختفي التشكيلات الكبرى، بل أن تتحول من أجسام قتالية ثابتة إلى مستويات قيادة وقدرات تستطيع تشكيل القوة التي تحتاجها المعركة.

وهنا ربما يكمن مستقبل الجيش: في التشكيل القادر على إعادة تشكيل نفسه وفق المهمة والحاجة . ففي خضم الحروب التي تتغير بسرعة، قد لا يكون أخطر ما يواجه الجيوش هو قوة خصمها، بل أن تظل هي نفسها كما كانت.