من أيقظ التكفيريين في الأردن؟ هجوم الكرك ورسائل استهداف النسيج الوطني

خاص دفاع العرب

Northrop Grumman - IVEWS

الهجوم الذي استهدف كنيسة الروم الأرثوذكس في قرية حمود بمحافظة الكرك، جنوبي الأردن، الجمعة 23 تشرين الأول، يطرح تساؤلاً يتجاوز هوية المسلحين، هل نحن أمام عودة خلايا جهادية منظمة، أم أمام أفراد أعادت البيئة الإقليمية تنشيط دوافعهم بما يعرف بالذئاب المنفردة، أم عملية تحمل رسالة أمنية وسياسية تتجاوز موقع الهجوم؟

أسفر الاعتداء عن مقتل سبعة أشخاص وإصابة حوالي 40 شخصاً خلال مراسم جنازة في الكنيسة، وفق ما نقلته وكالة رويترز في 23 تشرين الأول/اكتوبر. وأعلنت الحكومة الأردنية أن الاعتداء مرتبط بالفكر التكفيري المتطرف، فيما أكدت وزارة الداخلية أن التحقيق لا يزال جارياً لتحديد هوية المنفذين وصلاتهم التنظيمية؛ وحتى الآن، لم تعلن جهة مسؤوليتها عن الهجوم.

والسؤال الأول المطروح حول من يقف وراء الهجوم: تنظيم أم ذئاب منفردة؟

لا تسمح المعلومات المنشورة حتى الآن بالجزم بأن تنظيم “داعش” يقف وراء العملية، رغم التشابه بين استهداف تجمع مدني في مناسبة دينية وبين أساليب اعتمدتها التنظيمات الجهادية، خصوصاً في ضرب المجتمعات المتنوعة دينياً، ومن حيث اسلوب الهجوم المنفذ، هناك تشابه مع إسلوب داعش، مع التشديد على أن هذه قراءة تحليلية وليست نتيجة تحقيق أمني معلنة، كذلك، فإن ظهور أكثر من مسلح في مشاهد متداولة لا يثبت وحده وجود تنظيم مركزي؛ فقد تكون العملية من تنفيذ خلية صغيرة، أو مجموعة متأثرة بالدعاية التكفيرية، أو أفراد حصلوا على تحريض أو دعم من جهة خارجية، والتمييز بينها يتطلب أدلة على الاتصالات والتمويل والتخطيط وتوزيع الأدوار، لا الاكتفاء بطبيعة الهدف؛ نقطة أخرى مهمة يجب الإشارة لها، وهي ان تنظيم داعش أصبح جهة تُلصق بها العديد من العمليات الأمنية التي تقف ورائها جهات وربما دول، تريد ضرب الإستقرار في المنطقة، وهذا يفسر نشاطه الموسمي في ظروف جيوسياسية معينة.  

أما السؤال الثاني فيتعلق بالتوقيت: لماذا الآن وما الرسائل المحتملة؟

اختيار كنيسة أثناء مراسم جنازة يرفع الأثر النفسي والاجتماعي للهجوم، فالهدف لا يقتصر على الضحايا، بل يمتد إلى بث الخوف بين المسيحيين الأردنيين، وإثارة الشكوك بين مكونات المجتمع، ودفع الدولة إلى التعامل مع أزمة تمس الأمن الوطني والتعايش الداخلي معاً، أما التوقيت، فلا توجد حتى الآن أدلة علنية تثبت ارتباط العملية بتطور إقليمي محدد أو بقرار صادر عن تنظيم خارجي؛ لكن اضطراب البيئة الإقليمية، وتراكم الخطاب الطائفي، واستمرار حضور الدعاية الجهادية في الفضاء الرقمي، عوامل تستحق الفحص في التحقيق، من دون تحويلها إلى استنتاجات مسبقة.

تزداد أهمية هذه الأسئلة بالنظر إلى سجل الأردن مع العنف المتطرف، ولا سيما هجمات الكرك عام 2016، التي أوقعت عشرة قتلى، غير أن التشابه الجغرافي أو الأيديولوجي لا يكفي لإثبات وجود صلة بين الحادثتين.

السؤال الثالث يتعلق بإختيار الاردن في الإستهداف الإرهابي، وإذا كان هناك جهة تحاول الضغط على عمّان؟

هذا احتمال تحليلي يحتاج إلى أدلة، فقد يكون الهدف إرباك الدولة الأردنية، أو اختبار سرعة استجابتها الأمنية، أو استدراجها إلى إجراءات متشددة تخلق توترات داخلية، لا سيما بعد النجاحات الكبيرة التي حققها الأمن الاردني في إحباط عمليات التهريب عبر الحدود ونقل الاسلحة والمتفجرات والمخدرات. وقد تكون الرسالة موجهة أيضاً إلى حلفاء الأردن، عبر إظهار أن المملكة تواجه تهديدات داخلية رغم دورها الأمني الإقليمي، لكن لا تتوافر أدلة منشورة تربط الهجوم بسياسة الأردن تجاه إسرائيل أو إيران أو علاقاتها الأمنية مع الولايات المتحدة؛ وأي اتهام لجهة إقليمية قبل ظهور أدلة على التخطيط أو الدعم سيبقى في نطاق التكهن.

أما السؤال المركزي الذي يجب أن يُطرح من الزاوية التحليلية، ليس من الذي أطلق النار، بل من استفاد من الأثر الذي أراد إطلاقه داخل المجتمع الأردني، فالتنظيمات التكفيرية تستطيع تحقيق جزء من أهدافها حتى من دون السيطرة على الأرض أو تنفيذ عمليات متكررة؛ يكفي أحياناً أن تنجح في تحويل الخوف إلى انقسام، وأن تدفع الدولة إلى استنزاف مواردها الأمنية في حماية أهداف متفرقة، وهذا قد يكون مرتبطاً بواقع إقليمي أمني حالي أو مستقبلي، فالإرهاب في المنطقة استخدم كوسيلة ضغط على الحكومات والمجتمعات

لذلك، فإن المؤشر الحاسم سيكون ما تكشفه التحقيقات عن مستوى التنظيم، وطبيعة التحضير، ومصادر التحريض والدعم، فإذا ثبت وجود خلية مرتبطة بشبكة أوسع، نكون أمام تهديد تنظيمي يتطلب تفكيك بنيته؛ أما إذا كان المنفذون ذئاب منفردة تحركوا بفعل التطرف والتحريض، فالتحدي يتصل أيضاً بمنع التعبئة الأيديولوجية وتحويلها إلى عنف؛ وهنا تجدر الإشارة إلى أن مفهوم “الذئاب المنفردة” في الإرهاب غير منطقي في بعض جوانبه، خاصة في ظل ووجود وسائل التواصل الإجتماعي، والدعاية الهادفة لخداع الجماهير للتأثير في آرائهم وأفعالهم وردود أفعالهم، ولذلك فإن الذئاب المنفردة هي فعلياً غير منفردة، بل تم توجيههم بطريقة مباشرة أو غير مباشرة لتنفيذ أعمالهم الإرهابية، مع الحرص على إخفاء الروابط وشبكة الإتصال مع الجهة التي اتخذت القرار بتنفيذ هذا العمل. أما في شأن المستفيد من أثر العملية الإرهابية، فهم بالطبع جهات خارجية أو داخلية لا تخشى التطرف الديني، بل تعمد إلى تغذيته وتفجيره في وجه الإعتدال والشعور بالإنتماء الوطني، لتعزيز الإنتماء للطائفة أو المذهب، بحيث تسرق الولاء للوطن ليصبح ولاءً مطلقاً لها.

وهنا، نعود إلى نظرية “إبطال التهديد” أي إبطال التطرف والعداء للتنوع الديني، وتطبيق هذه النظرية يبدأ بتحديد مصدر القدرة على إنتاج هذا التهديد، لا بالاكتفاء بملاحقة المنفذين بعد وقوع الهجوم، والأولوية الأردنية هي حماية المواطنين، ومنع استثمار الجريمة في تفكيك الثقة بين مكونات المجتمع، مع إبقاء الاستنتاجات الأمنية مرتبطة بالأدلة.

يقدم الاردن نموذجاً متقدماً في حماية التنوع الديني وترسيخ التعايش، مستنداً إلى إرادة الدولة وقراراتها الحاسمة في هذا الشأن، وإلى وعي وطني راسخ يعتبر التعددية مصدر قوة، والإستقرار مسؤولية مشتركة؛ وفي مكافحة الإرهاب، سيثبت الأردن مرة أخرى تفوقه الأمني على الرغم من الخسارة الاليمة، مع التأكيد على أن الأمن والإستقرار لا يقوم فقط على القدرات الإستخباراتية والعملياتية، بل على الوعي الإستباقي، والفكر المعتدل، والتربية الوطنية، لتحصين المجتمع من التطرف، وهذا يتجلى بأقوى صوره في هذا البلد الشقيق.