الممرات الآمنة… هل هي حقاً آمنة ؟

العميد صلاح الدين أبوبكر الزيداني الأنصاري

للحروب أعراف وأخلاق فرضتها ظروفها وتفرضها مباديء القانون الدولي الإنساني والقواعد العرفية المنظمة للصراع الإنساني منذ الأزل ومن تلك الأعراف توفير ممرات آمنة تترك لإعطاء المدنيين العالقين في مناطق الإشتباك فرصة الإنسحاب لأغراض إنسانية بحتة دون التعرض لهم وفي حالات خاصة يمكن السماح للخصوم بالإنسحاب عبر تلك الممرات الآمنة بعد الإنفاق على كيفية ذلك

لا يتوفر تعريف محدد لعبارة الممرات الآمنة التي أنتشرت وذاع صيتها مؤخراً في وسائل الإعلام المختلفة لكننا كمصطلح نجده وقد تداخلت فيه الجوانب القانونية والعسكرية والإنسانية ولذلك فمن الجائز أن نعرفها بأنها مسارات وممرات في مناطق التماس وخطوط ومناطق القتال تستخدم لإجلاء العالقين والمحاصرين داخلها خلال أحداث النزاعات المسلحة المحلية والحروب الأقليمية والدولية التي تتميز عملياتها العسكرية بالشدة والعنف والضراوة .

لمحة تاريخية :

تاريخياً وقانونياً ورد إصطلاح الممر الآمن ضمن إتفاقيات جنيف للعام 1949م والتي تعتبر المرجع الأساس للقانون الإنساني الذي تلتزم به العديد من دول العالم والتي قد تكون في حالة من الأحوال طرف لنزاع مسلح وتلزم مواد القانون الدولي الإنساني الدول المتحاربة ببعض الواجبات وتنص المادة 23 من الإتفاقية الرابعة على مبدأ «حرية مرور المساعدات المتضمنة على الأدوية والمواد الصحية والأغذية والثياب، للسكان المدنيين وتسهيل عمليات الإنسحاب عن طريق ممر آمن».

ومن هذا المنطلق يلتزم القادة العسكريون وضباط العمليات الحربية أثناء وضع خطط الحروب بإحترام ذلك العرف القتالي وترك ممرات آمنة تحت المراقبة لإستخدامها في عمليات إيصال الدعم والمساعدات للسكان المدنيين الذين قد يكونون محاصرين خلال العمليات القتالية وكذلك لتسهيل عمليات إنسحاب وخروج الوحدات المعادية من منطقة العمليات القتالية وهذه الإلتزامات قد تكون محددة ومقيدة للوصول لأفضل وضع يمكن تأمينه لمرور قوافل المساعدات أو تأمين خروج الوحدات المعادية أو الأفراد المسلحين التابعين لأحد أطراف النزاعات المسلحة وقد تكون عرضة للتغيير أو الإلغاء أذا ما فكر الخصم أن يستفيد منها عسكرياً.

وفي ذات السياق ومنعاً لحدوث خروقات تستطيع الدولة التي سمحت بإنشاء ممرات آمنة أن تطلب رقابة دولة محايدة أو منظمات دولية محايدة كالهلال الأحمر أو الصليب الأحمر لضمان وصول المساعدات أو تنفيذ علميات الإنسحاب والإخلاء لأغراض إنسانية وهذه أيضاً حددتها إتفاقيات جنيف في بروتوكول إضافي سنة 1977م كعروض للنجدة والمساعدة شريطة عدم التدخل في النزاع مع إستيفاء شروط الحياد والتجرد وخاصة خلال الحروب الدولية.

أما في النزاعات المسلحة المحلية والحروب الأفليمية يستلزم الأمر موافقة الدولة المعنية كمبدأ أساسي كما ورد في المادة 18 من البروتوكول الإضافي الثاني للعام 1977م لتقديم المساعدات الإنسانية وتوفير الممرات الآمنة وأعمال النجدة لصالح السكان المدنيين وهذا الأمر يبين أنه في حالتي النزاعات الدولية وغير الدولية تخضع الممرات الإنسانية لمفاوضات شاقة بين المنظمات الدولية والدولة المعنية حتى يتم إعتمادها

ونتيجة لذلك أصدرت الأمم المتحدة جملة من القرارات الدولية لمساندة المنظمات الإنسانية في فتح ممرات إنسانية دعت فيها إلى تسهيل المساعدات الإنسانية وتوفير الممرات الآمنة وإحترام مبدأ الإنسانية والحيادية تجاه النزاعات المسلحة وكان أوّل نص رمزي صدر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة يتعلق بالوصول إلى ضحايا النزاعات المسلحة هو القرار رقم 131/43 الصادر في 8 كانون الأول عام 1958م وعنوانه: «المساعدة الإنسانية لضحايا الكوارث الطبيعية» ويؤكد النص مسؤولية الدولة المعنية أولاً تجاه توفير الممر الآمن وحمايته، والدعوة إلى تسهيل المساعدات الإنسانية إذا كانوا لا يستطيعون تأمينها ويؤكد القرار أنّ المساعدات يجب أن تحترم مبدأ الإنسانية والحيادية والتجرد.

ووضح القرار رقم 100/45 الصادر في 14 كانون الأول عام 1990م طرق احترام هذه المبادئ مؤكداً على حق المرور للمساعدات شرط أن يكون هدفها إنسانياً، ولمساعدة السكان المدنيين فقط وعلى الرغم من صدور هذين القرارين فإنّ الدول بقيت متعلقة بسيادتها وبالتالي نُزعت عن القرارين قوتهما الإلزامية في التطبيق.

قرارات وممرات وحروب :

وقياساً على نفس النهج والمسار الذي قامت به الجمعية العامة لجعل الأمر ذو صبغة وعرف دولي أصدر مجلس الأمن الدولي قرارات تؤكد على حرية مرور المساعدات وتأمين أمن مجموعة الموظفين القائمين بالمساعدات بمناسبات عديدة كما في النزاع العراقي (1991)، والصومالي (1992)، وفي ليبيريا ويوغوسلافيا، ورواندا وأنغولا، وأخيراً في موزمبيق داعياً الأطراف المتحاربة وناصحاً إيّاهم أن يؤمنوا حرية مرور المساعدات للسكان المدنيين عملاً بقرارات الأمم المتحدة بالخصوص ، ومع ذلك تبقى الدعوة لتوفير ممر آمن غير إلزامية نظراً لتعلق الدول بسيادتها الوطنية والتي تبقى حجر الزاوية في القانون الدولي.

خلال الحروب والمنازعات المسلحة التي دارت وتدور في العالم وجدت صعوبات كبيرة في تأمين وصول المساعدات الإنسانية للمدنيين وخاصة في النزاعات الداخلية بسبب العنف الحاصل ووجود المسلحين ، وكان لابد من إيجاد ممرات إنسانية عن طريق المفاوضات وإعلان وقف إطلاق النار لضمان وصول المساعدات، وفي سبيل تحقيق ذلك يحق للسلطة المخولة من الأمم المتحدة تهديد الأشخاص الذين يعوقون وصول المساعدات بإحالتهم إلى محكمة الجزاء الدولية حسب توصية الأمين العام بالخصوص.

الممرات لأغراض إنسانية :

يظهر إصرار مجلس الأمن على تأمين ممرات إنسانية ومساعدة المدنيين أن هذه العمليات ستستمر وهذا ما أكده القرار رقم 1674 سنة 2006م الذي نصَّ على حماية المدنيين وتقديم المساعدات الإنسانية فقط ومما تقدم يتبيّن أنّ قوات حفظ السلام أصبحت عامل حسمٍ مهم في فتح الممرات الإنسانية وتقديم المساعدات، لكن استعمالها للقوة حسب الفصل السابع يفقدها جزءاً من حياديتها وتجردها ويجعلها خاضعة لمبدأ استعمال القوة المسلحة والتدخل في شؤون الخصوم الأمر الذي سيجعلها مرفوضة حتى وإن كانت مشرعة من المجتمع الدولي ومجلس الأمن

هل الممرات حقاً آمنة :

تبقى الممرات الآمنة عرضة للخطر خاصة في النزاعات الداخلية، ولذلك يتمَّ عادة إقتراح قوات دولية من الأمم المتحدة أو قوى إقليمية أو متعددة الجنسية لحماية هذه الممرات الإنسانية وفي مرات عديدة قامت الأمم المتحدة بنشر قوات حفظ سلام سمح لها باللجوء إلى القوة في بعض الظروف لتأمين وصول المساعدات كما حصل في النزاع اليوغسلافي حيث تم تأمين ممرات إنسانية تحت حماية قوات الأمم المتحدة من أجل وصول المساعدات الإنسانية للمدن المحاصرة وكذلك فعل مجلس الأمن في الصومال، وصدرت قرارات لحقّ استعمال القوة إذا استدعى الأمر لذلك.

وتبقي مسألة تأمين الممرات الإنسانية من المواضيع الشائكة في الأمم المتحدة نظراً للظروف الطارئة التي تحيط بهذا الموضوع كصعوبة إيصال المساعدات، ووجود العصابات والميليشيات المسلحة والتي تكون خارجة عن السيطرة في كثير من الأحيان ، وعدم وجود بنية تحتية في بعض الدول وفي أحيان كثيرة تكون الظروف الأمنية غير ملائمة لذلك نتيجة التطور السريع للأحداث في مناطق النزاع ، كل تلك العوامل قد تؤدي لفشل توفير ممرات آمنة وتقديم المساعدات الإنسانية في وقتها ونتيجة لذلك بدأ مجلس الأمن منذ التسعينيات من القرن الماضي باللجوء إلى الفصل السابع من الميثاق من أجل السماح لقوات حفظ السلام باستعمال القوة لفتح ممرات إنسانية آمنة وخاصة عندما يتعلق الأمر بمساعدة السكان المدنيين ولذلك يقول بعض الخبراء إنّ مجلس الأمن بهذه الطريق سن الفصل السابع وأدخله ضمن مبدأ الدفاع المشروع عن النفس من أجل تفعيل قوات حفظ السلام في فتح الممرات الإنسانية.

وهذا الوضع قد يتحول في كثير من الأحيان إلى عناد وتصادم مباشر بين تلك القوات والقوات المحلية التي ستعتبر ذلك تدخلاً سافراً في شئون الدولة ما ينقل الوضع العام لشكل آخر من أشكال الصراع الدامي وسيفقد تلك الممرات أمنها وإنسانيتها لتتحول لممرات الموت والفناء.

ويبقى السؤال الملح الذي ينبغي الإجابة عليه من كل المجتمع الدولي هل الممرات الآمنة حقاً آمنة وهل تطبق الأطراف المتنازعة قواعد القانون الدولي الإنساني في نزاعاتها وتترك مسافات وممرات آمنة لمن يحتاجها صديق أم عدو؟

الإجابة عادة ما تأتي متأخرة بعد أن تكون الحرب قد أنهكت الجميع ويكون أطرافها بحاجة لمن يتدخل لحفظ ماء الوجه , فالحرب وإن كانت أحدى وسائل فض المنازعات المعروفة والمشروعة فاتورتها مكلفة وباهضة الثمن يدفعها الناس من أبنائهم وقوتهم وأمنهم ويكونون خلالها في أشد الحاجة لمن يخفف آلامهم ولمن يخرجهم إلى حيث يكونون في مأمن من بطش الإنسان لأخيه الإنسان في مناطق محايدة وقد أدمجت الأحكام ذات الصلة بهذا الأمر من اتفاقيات جنيف في الكثير من كتيبات الدليل العسكري للدول التي تؤكد وجوب احترام هذه المناطق، وتجرم الهجوم عليها.

قم بكتابة اول تعليق

Leave a Reply

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*