صندوق رأس المال المخاطر المدعوم من وكالة المخابرات المركزية الأمريكية لدعم تكنولوجيا التجسس
صندوق رأس المال المخاطر المدعوم من وكالة المخابرات المركزية الأمريكية لدعم تكنولوجيا التجسس

صندوق رأس المال المخاطر المدعوم من وكالة المخابرات المركزية الأمريكية لدعم تكنولوجيا التجسس

ا.د. غادة محمد عامر
وكيل كلية الهندسة للدراسات العليا والبحوث – جامعة بنها
زميل ومحاضر كلية الدفاع- أكاديمية ناصر العسكرية

في فبراير 1999م استأجرت وكالة المخابرات المركزية الأمريكية (CIA) صندوق لرأس المال المخاطر للاستثمار في كل أنواع التكنولوجيا الفائقة يسمى “Peleus”، هذا الصندوق الذي أسسه “نورم أوغسطين” الرئيس التنفيذي السابق لشركة ” Lockheed Martin “. وبعد الاستحواذ على الصندوق من قبل وكالة المخابرات المركزية الأمريكية أطلق عليه اسم “إن كيوتل” “In-Q-Tel”. ليصبح ذراع وكالة المخابرات المركزية لتمويل المشاريع ذات الاهتمام المشترك لكل من وكالة المخابرات المركزية والسوق التجاري. هذا الصندوق الذي يتم دعمه من قبل الجيوب العميقة “الميزانية السوداء” لوكالة المخابرات المركزية.

تتمثل مهمة الصندوق في تحديد الحلول التكنولوجية المبتكرة للمشكلات الملحة وتكييفها وتقديمها لدعم مهام وكالة الاستخبارات المركزية ومجتمع الاستخبارات الأمريكي في كل القطاعات. يقوم نموذج “إن كيوتل” بالاستثمار في القطاع الخاص ورواد الأعمال، وشركات الصغيرة والمتوسطة، والباحثين، الذين طوروا تقنيات متطورة يمكن أن توفر مزايا قوية وقدرات فائقة في وقت قصير لمهمة وكالة المخابرات المركزية ومجتمع الاستخبارات. حتى إن الرئيس “بايدن” تعهد يوم تنصيبه باستثمار بقيمة 9 مليارات دولار لتحديث التكنولوجيا عبر الحكومة الفيدرالية، وذلك في أعقاب تعرض شركة “سولار ويندز” “SolarWinds” -وهي شركة أمريكية كبرى لتكنولوجيا المعلومات- لهجوم إلكتروني امتد إلى عملائها ولم يتم اكتشافه لعدة أشهر، حيث تمكن المتسللون الأجانب، الذين يعتقد بعض كبار المسؤولين الأمريكيين من أنهم من روسيا، من استخدام الاختراق للتجسس على الشركات الخاصة مثل شركة الأمن السيبراني النخبة “FireEye”، والمستويات العليا في الحكومة الأمريكية، بما في ذلك وزارة الأمن الداخلي ووزارة الخزانة وأجزاء من البنتاغون.

يركز صندوق “إن كيوتل” على ثلاث مجالات تقنية بشكل موسع وفي كل المجالات: البرمجيات والبنية التحتية وعلوم المواد. في عام 2020م أنشأ الصندوق برنامجًا جديدًا أطلق عليه اسم “أي كيو تي إيميرج” “IQT Emerge”، لإتاحة التكنولوجيا المطورة للتجسس تجاريًا، وهي خطوة مصممة لتحفيز الابتكار وتشجيع التعاون بين القطاعين العام والخاص. وذلك عن طريق ربط جهود البحث والتطوير الحكومية المخفية سابقًا بالأسواق التجارية. يعكس إطلاق هذا البرنامج تحولا كبيرا في كيفية دفاع مجتمع الاستخبارات الأمريكية عن البنية التحتية الحيوية والتقنيات الناشئة التجارية، حيث وُضعت استراتيجية لمكافحة التجسس في البلاد لإعطاء الأولوية للعمل مع القطاع الخاص للدفاع ضد الهجمات على الشركات والملكية الفكرية والتقنية الخاصة بالكيانات الخاصة الأخرى وليس الكيانات الحكومية فقط. وفي سبتمبر من نفس العام أعلنت وكالة المخابرات المركزية عن إنشاء أول مختبر فيدرالي خاص بها للبحث والتطوير الداخلي، أطلق عليه “سي أي ايه لابس” “CIA Labs”، والذي سمح لضباط وكالة المخابرات المركزية بالحصول على براءات الاختراع والتراخيص للمنتجات التي يصنعونها أثناء عملهم في الوكالة. 

ومن أمثلة الشركات التي ساهمت في تأسيسها شركة “إن كيوتل” والتي يمكن استخدامها استخدام مزدوج، شركة “Skincential Sciences ” وهي شركة مشهورة تبيع منتجات التجميل التي تهدف إلى جعل البشرة تبدو “شابة” و”ناعمة”، وفي نفس الوقت توفر أيضًا نظامًا يجمع المؤشرات الحيوية، حيث يتم عمل اختبار الحمض النووي سرا! فهذه الشركة حصلت على براءة اختراع لتقنية تجميع الحمض النووي البشري بدون ألم. حيث تتطلب العملية الماء فقط وعدد قليل من الفرش ونوع خاص من المنظفات. وهذا يمكن استخدامه كطريقة فعالة للحصول على معلومات الكيمياء الحيوية البشرية. كما استثمر الصندوق في انشاء شركة “جيوفيديا” ” Geofeedia” وهي عبارة عن تقنيات تسمح لعملائها باختراق وسائل التواصل الاجتماعي وربط منشوراتها بالمواقع الجغرافية، كما تسمح لهم “بالتنبؤ والتحليل والتصرف” في محادثات وسائل التواصل الاجتماعي. وهو ما قامت به بعد الجهات المعادية لمنطقتنا لاختراق وسائل التواصل الاجتماعي لتتبع المتظاهرين في أي مكان في العالم وجمعهم مع بعض وجمع معلوماتهم وكلماتهم ومواقعهم، وذلك أثناء أحداث ما أُطلق عليه “الربيع العربي”. أيضا استثمر الصندوق عام 2016م في شركة “سيلانس” Cylance”، والتي يمكنها أن تساعد مديري الأمن في المكاتب على تحديد وتحييد هجمات الأمن السيبراني باستخدام معالجة اللغة الطبيعية والتحليل التنبئي والذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي. وأيضا استثمر الصندوق في شركة “فانتوم” ” Phantom” الذي خرجت من شركة ” West Bridge ” الذراع الأمريكية لشركة التجسس الإسرائيلية NSO -“فانتوم” هو الاسم التجاري لبرنامج الشركة الإسرائيلية سيئ السمعة “بيغاسوس” “Pegasus”- هذه الشركة تبيع برامج قرصنة لحكومات استبدادية، تعمل برامج “فانتوم” باختراق الهاتف عن بعد، وتستطيع سحب رسائل البريد الإلكتروني والرسائل النصية وقائمة جهات الاتصال الخاصة بالهدف، وكذلك تتبع موقعه وتشغيل ميكروفون الجهاز والتقاط الصور باستخدام الكاميرا الخاصة به.  وهناك شركات أخرى كثيرة سوف نتكلم عنها في مقالات قادمة نظرا لأهميتها وأهمية منتجاتها في عالم الدفاع.

أن الشركات الكثيرة جدا التي أسسها صندوق “إن كيوتل” تبين أن تحول مجتمع المخابرات يجب أن يكون ثورة وليس تطورًا. يجب أن يكون المجتمع مبتكرًا ومرنًا، وقادرًا على تبني التقنيات المبتكرة بسرعة أينما ظهرت. لأن مجتمعات الاستخبارات في جميع أنحاء العالم العربي الآن على مفترق طرق بسبب الانتشار المتزايد للتقنيات، بما في ذلك الذكاء الاصطناعي، والبيانات الضخمة، والروبوتات، وإنترنت الأشياء، وblockchain الذي غير وسوف يغير أكثر قواعد اللعبة. إن انتشار هذه التقنيات – ومعظمها مدني- يمكن أن يخلق خروقات للبيانات ويؤدي إلى تهديدات سرية لوكالات الاستخبارات. علاوة على ذلك، نظرًا لأنها قليلة التكلفة ومتواجدة في كل مكان، يمكن استخدامها لأغراض ضارة.

وعلى الرغم هذا كله لا تزال مؤسسات الاستخبارات اليوم في بعض دولنا العربية مبنية وتعمل بروح مفاهيم الحرب الباردة. بمعنى إنها لم تستوعب التعقيد الذي يميز الوقت الحاضر، وهو تعقيد يتطلب التخلي عن التصور الثنائي (داخل وخارج) للمؤسسة الاستخباراتية، فضلاً عن فهم المؤسسة الاستخباراتية والهيئات الحكومية على أنها تمتلك احتكار المعرفة مفاهيم عفا عليها الزمن في عصر اللامركزية والتواصل والتقدم التكنولوجي السريع والمتزايد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: غير مسموح