على مدى أكثر من 4 عقود، شكّلت Naval Group ركيزة أساسية في منظومة الدفاع البحري للمملكة العربية السعودية، وهي شراكة بدأت مع تسليم أسطول صواريخ السوارِي 1 (Sawari I) في ثمانينيات القرن الماضي. غير أنّ هذه العلاقة تشهد اليوم تحولًا نوعيًا متسارعًا لمواكبة طموحات رؤية السعودية 2030. فبعد أن كانت تقتصر على التوريد والدعم الفني، انتقلت الشراكة إلى مرحلة أعمق تقوم على التوطين الصناعي وبناء الاستقلالية التشغيلية، من خلال تأسيس شركة تابعة دائمة داخل المملكة، واستبدال الفنيين الفرنسيين بكوادر سعودية مؤهلة.
في هذا السياق، أجرينا هذا الحوار مع باتريس بيرّا، نائب الرئيس للمبيعات والمدير الإقليمي للمملكة العربية السعودية في Naval Group، للوقوف على كيفية إعادة تعريف الشركة لبصمتها الاستراتيجية داخل المملكة، وخارطة طريقها نحو دعم صناعة بحرية سعودية مكتفية ذاتيًا.
كيف تقيّمون تطور هذه الشراكة، ولماذا تمثل المملكة أولوية استراتيجية اليوم؟
تتواجد Naval Group في المملكة العربية السعودية منذ أكثر من 40 عامًا، بدءًا من تسليم سفن وفرقاطات Sawari I في ثمانينيات القرن الماضي، تلاها برنامج Sawari II في العقد الأول من الألفية الجديدة. وقد عززنا هذا الالتزام بإنشاء وجود دائم في المملكة منذ عام 2007، فيما شكّل عام 2013 محطة مفصلية مع تأسيس شركة Naval Group Arabia كذراع محلية للمجموعة.
هدفنا يتمثل في بناء شراكات مستدامة وطويلة الأمد تُسهم في تعزيز الاكتفاء الذاتي والسيادة الوطنية. ولا تزال Naval Group ملتزمة بتوطين عملياتها والتعاون مع مختلف الجهات داخل المملكة، لا سيما من خلال عقد الدعم الحالي لأسطول السوارِي، بما يؤكد التزامنا طويل الأمد بدعم الجاهزية التشغيلية للقوات البحرية الملكية السعودية.
إلى جانب ذلك، عمّقنا تعاونًا وثيقًا مع الصناعات المحلية والجامعات السعودية، دعمًا لنمو وتطوير الصناعة البحرية الوطنية. وتُعد المملكة أولوية استراتيجية لـ Naval Group نظرًا لالتزامها المتزايد بتطوير قدراتها البحرية، حيث تسهم جهود التوطين والشراكات المحلية في ترسيخ علاقة تحقق منافع متبادلة ونموًا مستدامًا للطرفين.
كيف أثّرت رؤية السعودية 2030 في استراتيجية Naval Group ومستوى انخراطها في المملكة؟
نحن ندعم بشكل كامل رؤية السعودية 2030 التي أطلقها صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان. وعلى صعيد التوطين والسعودة، يشكّل السعوديون اليوم أكثر من ثلث القوى العاملة في شركتنا التابعة داخل المملكة.
تركز استراتيجيتنا على بناء القدرات المحلية. ويتجسد ذلك، على سبيل المثال، في عقد دعم أسطول السوارِي الحالي، حيث نعمل على إحلال ما يقارب نصف الفنيين الفرنسيين بكوادر سعودية. ولا يدعم هذا التوجه أهداف السعودة فحسب، بل يضمن أيضًا رفع مستوى مهارات القوى العاملة الوطنية، وخلق وظائف عالية التأهيل وقيمة مضافة مستدامة على المدى الطويل.
وبالإضافة إلى السعودة، فإن الشراكات التي بنيناها مع الصناعة المحلية لتعزيز الاكتفاء الذاتي للمملكة تتماشى بالكامل مع أهداف رؤية 2030، وتعكس التزامًا عميقًا بتوطين القدرات الحيوية لدعم الأسطول البحري داخل المملكة.
هل تبدي Naval Group استعدادها لتطوير بصمة صناعية طويلة الأمد في السعودية؟ وأين ترون أكبر فرص التعاون المحلي؟
عملت Naval Group باستمرار على تعزيز تعاونها مع القوات البحرية السعودية ومنظومة الدفاع الوطنية، بما يدعم سيادة المملكة وقدرتها على الاعتماد على الذات في المجال البحري.
نحن ملتزمون بتوفير قدرات بحرية عسكرية عالية الأداء، إلى جانب الدعم اللوجستي وبناء قاعدة صناعية وتكنولوجية دفاعية متكاملة، من خلال الوقوف إلى جانب عملائنا وشركائنا على المدى الطويل.
ومن خلال عقد الدعم الحالي لأسطول السوارِي لمدة أربع سنوات، نجحنا في ترسيخ تعاون قوي مع المنظومة الصناعية السعودية، عبر نقل جزء من سلسلة الإمداد إلى داخل المملكة، سواء لتصنيع قطع الغيار أو لتنفيذ أعمال الصيانة والإصلاح. وقد قمنا حتى الآن بتأهيل نحو 40 شريكًا صناعيًا وموردًا، مع السعي لرفع العدد إلى أكثر من 60.
كما نعمل في مختلف المجالات التكنولوجية التي تشكّل مجموعة الصناعة البحرية، ونحن مستعدون لتوسيع الشراكات مع الجهات الصناعية السعودية الرئيسة في مجال بناء السفن وأنظمة المهام القتالية. ومن شأن هذه الشراكات أن تدفع المملكة نحو لعب دور محوري في بناء السفن الحربية وخدمات الصيانة والإصلاح والعمرة (MRO)، ليس على المستوى المحلي فحسب، بل العالمي أيضًا.
ما دور الشركاء السعوديين والصناعة المحلية في نهج Naval Group لنقل التكنولوجيا والتعاون الصناعي؟
تلعب Naval Group دورًا محوريًا في نقل التكنولوجيا والتعاون الصناعي، من خلال الشراكات الاستراتيجية ونقل الخبرات، وهو نهج متجذر في ثقافة الشركة وسجلها الحافل بالنجاحات. وقد أثبتنا ذلك عبر مشاريع دولية عديدة، شملت بناء سفن قتالية سطحية في مصر وماليزيا، وغواصات في الهند والبرازيل، إضافة إلى شراكة صناعية مهمة في اليونان لإنتاج أجزاء من الفرقاطات مع تجميع الهياكل في فرنسا.
في المملكة العربية السعودية، تشارك Naval Group في صيانة وتحديث أسطول السوارِي، بما يشمل برنامجي Sawari I وSawari II، من خلال توفير قطع الغيار والدعم الفني، والعمل على تطوير المنظومة الصناعية اللازمة لبرامج التعاون المستقبلية. من شأن ذلك أن يساهم في تهيئة بيئة ملائمة لنقل المعرفة وتعزيز الروابط الصناعية مع الشركاء المحليين، تمهيدًا لبرامج نقل تكنولوجيا أوسع نطاقًا.
تُعد فرقاطة FDI من الجيل الجديد من السفن القتالية السطحية. ما أبرز مزاياها مقارنة بالفرقاطات التقليدية؟
تُعد فرقاطة FDI التي طورتها Naval Group فرقاطة قتالية من الجيل الجديد، مصممة للعمليات عالية الكثافة. وهي منصة متعددة المجالات بامتياز، قادرة على تنفيذ مهام الدفاع الجوي، والحرب المضادة للغواصات، والضربات الهجومية، والأمن السيبراني، والحرب الرقمية، دون أي تنازلات تشغيلية. إنها ليست سفينة حلول وسط، بل تجسيداً لمجموعة متكاملة من القدرات المتقدمة ضمن منصة متوازنة.
في مجال الدفاع الجوي، أثبتت أنظمة Naval Group جاهزيتها القتالية من خلال عمليات حقيقية في البحر الأحمر، حيث نجحت فرقاطات فرنسية في اعتراض طائرات مسيّرة وصواريخ مضادة للسفن وصواريخ باليستية.
يمكن تجهيز فرقاطة FDI بما يصل إلى 32 خلية إطلاق عمودي (VLS)، إلى جانب صواريخ متقدمة ومؤثرات إضافية، مع إمكانية زيادة القوة النارية في النسخ التصديرية وفق متطلبات الزبائن. كما تتميز بهيكلية معيارية وقابلة للتطوير.
وقد تم بالفعل تسليم فرقاطات FDI إلى بحريتين، وهي ليست سفينة مطورة من الصفر، بل منصة خضعت لتجارب بحرية ناجحة، ومعظم تجهيزاتها مثبتة قتاليًا.
كيف تواجه فرقاطة FDI التهديدات البحرية الحديثة، لا سيما في بيئات العمليات متعددة المجالات والشبكية؟
صُممت فرقاطة FDI للتعامل مع جميع التهديدات الحديثة، وتوفر حماية شاملة في بيئات عمليات معقدة دون أي تأثير على الأداء. وهي منصة معدّة لمواجهة تحديات عقد الثلاثينيات وما بعده.
استنادًا إلى الخبرة القتالية المثبتة للفرقاطات الفرنسية في مجال الدفاع الجوي بعيد المدى، ولا سيما في البحر الأحمر، تقدم FDI قدرات محسّنة للدفاع الجوي المناطقي ضد التهديدات التقليدية وغير المتماثلة. كما تعتمد أنظمتها في الحرب المضادة للغواصات (ASW) على منظومات مجرّبة قتاليًا، من بينها سونار Thales CAPTAS، وهو ما مكّن فرقاطات البحرية الفرنسية من التميز في مسارح عمليات متعددة.
وفي مجال مكافحة التهديدات غير المتماثلة (AsyW)، توفر FDI حلًا فريدًا للمراقبة البانورامية والتصدي للطائرات المسيّرة والتهديدات السطحية، بما يغطي كامل طيف الأمن البحري، من القرصنة والتهريب إلى الإرهاب، سواء أكان من الجو أو على سطح البحر.
جدّدت Naval Group مؤخرًا عقد دعمها الفني للبحرية المصرية لخمس سنوات إضافية. كيف يعزز هذا النموذج طويل الأمد من جاهزية الأسطول والشراكات المحلية؟
قامت البحرية المصرية مؤخرًا بتجديد عقد الدعم أثناء الخدمة (ISS) مع Naval Group للسفن التي زودتها بها الشركة. ويُعد توقيع هذا العقد اعترافًا حقيقيًا بجهود Naval Group والتزامها طويل الأمد في منطقة الشرق الأوسط، ويفتح المجال أمام عمليات دعم إضافية تضمن جاهزية سفن البحرية المصرية.
ولا يهدف هذا العقد إلى تحسين توافر الأسطول فحسب، بل يسعى أيضًا، بالتعاون مع السلطات المصرية، إلى تعزيز المنظومة الصناعية المحلية وترسيخ شراكة استراتيجية طويلة الأمد.
مع تزايد أهمية الطائرات المسيّرة والأنظمة غير المأهولة، كيف تدمج Naval Group هذه التقنيات في منصاتها البحرية المستقبلية؟
على مدى أكثر من 15 عامًا، استثمرت Naval Group بشكل مكثف في البحث والتطوير لتعزيز استخدام المسيّرات الجوية والسطحية وتحت السطحية لدى القوات البحرية. وقد أنشأنا قسمًا متخصصًا في الأنظمة غير المأهولة والذاتية (UxV)، يُعد أحد الأعمدة الاستراتيجية للمجموعة.
نوفّر للبحريات مسيّرات مجرّبة في البيئات البحرية، مع ضمان التكامل الفيزيائي والوظيفي الكامل لجميع مكونات الأنظمة غير المأهولة مع نظام إدارة القتال على متن السفن. وتتيح هذه الأنظمة نقل بيانات الاستطلاع والاستخبارات ومعالجتها آنيًا، بما يعزز الوعي الظرفي لقادة الوحدات البحرية.
وتتميز حلولنا بأنها محايدة تجاه نوع المسيّرة (Drone-agnostic)، ما يسمح باستخدامها مع مختلف المنصات، كما نغطي كامل سلسلة القيمة، بدءًا من سفن إطلاق المسيّرات، مرورًا بتصميم وإنتاج الأنظمة الذاتية، ووصولًا إلى التكامل التشغيلي والدعم أثناء الخدمة.
وقد قسّم قسم الأنظمة غير المأهولة مجموعته حول 4 عائلات منتجات رئيسة: STEERIS® للأنظمة، SEAQUEST® للمسيّرات السطحية، SEAGENT® للمسيّرات تحت السطحية، وSEALKEN® لتكامل ونشر المسيّرات الجوية على متن السفن. وتعتمد هذه المنظومة على نهج تدريجي يبدأ بحلول بسيطة وموثوقة تضيف قيمة تشغيلية فورية، مع قابلية التطوير المستمر لمواكبة تطور التقنيات والمتطلبات العملياتية.






