كشفت الحروب المعاصرة، لا سيما تلك في أوكرانيا وفي الشرق الأوسط، أن موازين القوة لا تقتصر فقط على ما تمتلكه الدول من أنظمة متفوقة تقنيًا، بل بقدرتها على تحويل الصناعة العسكرية إلى آلة إنتاج مستمر في زمن الحرب. فأهمية تعويض الأسلحة والمحافظة على إستدامة الإستخدام الناري للعديد من المنظومات، قد تكون في ظروف معينة أهم من الفعالية والدقة في الإصابة، فالسلاح الذي لا يمكن تعويضه بسرعة، مهما بلغت دقته، يتحول إلى قلق وعبء استراتيجي، بينما يصبح السلاح البسيط، القابل للإنتاج المتكرر، هو الأداة الحقيقية لصناعة التفوق، أو على الاقل يصنع الصمود ويمنع الخصم من تحقيق أهدافه، فالحروب الحديثة لم تعد تُكسب بأكثر الأسلحة تطورًا فقط، بل يجب أن تكون هذه الاسلحة قابلة للإنتاج والتعويض السريع.

أظهرت الحرب بين روسيا وأوكرانيا، إضافة إلى حروب الشرق الأوسط، عن تحوّل عميق في أنماط التصنيع العسكري، يمكن اختصاره بالانتقال من أسلحة النخبة (Elite Systems) إلى أسلحة الكثافة (Mass & Scalable Warfare) حيث لم يعد يكفي أن يكون السلاح الأكثر تطورًا هو الحاسم بل يجب أن يكون السلاح قابل للإنتاج السريع، قليل الكلفة وقابل للتعويض، ويعتبر الحل الافضل هو الدمج بين المنظومات المتطورة والفعالة والدقيقة، والانظمة الرخيصة السريعة الإنتاج والتي يمكن أن تؤمن الديمومة في القتال والكثافة في الإطلاق.وهذا الحل يجب ان يتم إعتماده في معظم الدول التي تعيش مخاطر جيوسياسية، وعلى وجه الخصوص دول الخليج العربي، فهي تملك القدرات والخبرات اللازمة لحيازة وتشغيل هذين المستويين من المنظومات العسكرية.
بعد بداية الحرب الروسية الأوكرانية، وعلى وجه التحديد منذ العام 2020، برزت اتجاهات محددة في التصنيع العسكري، مثل صعود اقتصاد المسيّرات والإستثمار في صناعاتها وإنتاج متطلبات السوق، بعد ان اكتسبت شهرة واسعة وكبيرة، لا سيما في تسديد موجات من الضربات عبر أعداد كبيرة من المسيرات، لا سيما الإنتحارية منها، والتي ترهق الدفاعات الجوية وتتجاوزها في كثير من الأحيان، وتشير التقديرات إلى أن أعداد المسيرات الإنتحارية المستخدمة في الحروب والعمليات العسكرية حتى العام 2026، قد بلغ حوالي مليوني مسيرة مختلفة الأحجام والأنواع والمديات.

مع المسيرات برزت الحاجة إلى أعداد هائلة من منظومات المدفعية التقليدية والصاروخية، وهذا السلاح يعتبر هام جداً في الحروب التي تشهد هجمات برية، وتدمير لخطوط الدفاع الممتدة على الجبهة وفي العمق، كما هو حاصل في الحرب الروسية-الأوكرانية، وهنا لا بد من الإشادة بفعالية القذائف المدفعية الموجهة، فهي رخيصة الثمن وتعطي مفاعيل وتأثيرات تكتية هامة جداً في ارض المعركة. تشير التقديرات بأنه ومنذ اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية عام 2020 ولغاية اليوم، أطلقت روسيا أكثر من 30 مليون قذيفة مدفعية معظمها صناعة روسية، بينما أطلقت اوكرانيا حوالي 15 مليون قذيفة معظمها من مصدر غربي.

مع المدفعية، برز دور الصواريخ الباليستية والجوالة، ولكن استخدامها إقتصر على تدمير الأهداف ذات القيمة العالية، مثل مراكز القيادة والسيطرة، المخازن، الرادارات، المنشآت الهامة والخطرة مثل المطارات العسكرية ومحطات الطاقة، ويعتبر هذا السلاح اساسي في الحروب عن بعد، كما هو حاصل حالياً في الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران وحلفائها من جهة أخرى، مع الإشارة إلى أن معظم إستخدامات هذا السلاح في هذه الحرب جاء من الطرف الإيراني ومن حلفائه في لبنان والعراق واليمن، بينما اعتمدت الولايات المتحدة وإسرائيل على الضربات الجوية والقنابل الخارقة للتحصينات.

في نهاية المطاف، سنتحدث عن المنظومات القتالية الأكثر اهمية على الإطلاق في الحروب الحديثة، وهي منظومات الدفاع الجوي متعددة الطبقات ” فحيث أن الجو يشكَل مصدر التهديد الاول، كان لا بد من حماية الأجواء بشبكات ومنظومات دفاع جوي مشتركة، بين طائرات إعتراضية وصواريخ أرض-جو، ومنظومات لايزر ورشاشات ثقيلة، إضافة إلى رادارات كشف مبكر للهجمات الجوية باختلاف أنواعها، وعلى الرغم من أهمية وفعالية منظومات الدفاع الجوي الحديثة، إلا أنها تواجه تحديات هائلة مع ظهور مخاطر وتقنيات هجوم جوي بالغة التعقيد على المستويين النوعي والكمي، فميزة الطائرات الشبحية تُعمي الرادارات في هذه الأنظمة، كما أن إستراتيجية إشباع أو إغراق الدفاعات الجوية للخصم، تخلق ثغرات كبيرة في المجال الجوي، ما يشكِّل خطورة على الكثير من المقرات والمنشآت والمراكز الحساسة والهامة، والأخطر من كل ذلك بعض أنواع الصواريخ فرط صوتية التي تفوق سرعتها 10 ماخ، والتي تشكِّل تحدٍ هائل لأحدث منظومات الدفاع الجوي. لذلك يصار إلى إدارة عملية الدفاع الجوي ككل، من خلال توزيع ونشر للمنظومات بشكلٍ يراعي الأولويات في الدفاع عن المواقع والأصول العسكرية الاكثر أهمية.

تعتمد معظم الدول على أنظمة دفاع متعددة الطبقات، أي “Multi-Layered Air Defense- MLAD ” وهو مفهوم دفاعي يقوم على بناء شبكة متكاملة من أنظمة الدفاع الجوي تعمل على ارتفاعات ومسافات مختلفة لاعتراض التهديدات الجوية المتنوعة (طائرات، صواريخ باليستية، كروز، طائرات مسيّرة…)، وتكمن الفكرة الأساسية في ذلك بإنشاء طبقات متتالية من الحماية بحيث إذا اخترق التهديد طبقة، تواجهه طبقة أخرى، وتعتبر إسرائيل أول دولة إعتمدت هذا الفكرة وطبقتها في الحروب الحديثة في منطقة الشرق الاوسط.

تنقسم الطبقات الرئيسية للدفاع الجوي إلى 4 طبقات أو مستويات تهديد يتم التعامل معها:
- الطبقة بعيدة المدى (Strategic Layer): المدى 100–1000+ كلم وفيها يتم اعتراض الصواريخ الباليستية والطائرات قبل دخولها عمق المجال الجوي، ومن ابرز المنظومات الحديثة التي تتعامل مع هذا المستوى من التهديد، هي S-400 , THAAD, Arrow 3.
- الطبقة متوسطة المدى (Operational Layer): المدى 20–100 كلم، وفيها يتم التعامل مع الطائرات المنخفضة، صواريخ كروز، والصواريخ الباليستية في مراحل إنقضاضها، ومن هذه المنظومات: Buk-M2،Patriot ، Barak-8. تعتبر هذه الطبقة الأهم لأنها قادرة على التعامل مع معظم التهديدات.
- الطبقة قصيرة المدى (Tactical Layer): المدى 1-20 كلم، تستخدم بشكل كثيف في حماية المراكز والمنشآت الحساسة والقواعد الهامة ومراكز القيادة والسيطرة، أشهرها :Pantsir-S1، NASAMS، Tor-M2. وتكون الملاذ ما قبل الأخير ضد المخاطر الجوية التي لم يتم إسقاطها في الطبقات الاعلى، إضافةً للمسيرات الإنقضاضية والقذائف الموجهة.
- طبقة الدفاع القريب جدًا :(Point Defense /Very Short AD)المدى أقل من 5 كلم الهدف: التصدي للطائرات المسيّرة، الذخائر الذكية، والصواريخ في المرحلة النهائية، من أبرز الأمثلة: Iron Dome، C-RAM، Stinger، هذه الطبقة هي الخط الأخير حيث يتحول الدفاع إلى رد فعل سريع جدًا.

أصبحت منظومات الدفاع الجوي من أكثر متطلبات الحرب الحديثة أهمية، بسبب التطور الكبير في أدوات الإستهداف الجوي وقدراتها المتفوقة، وتحاول العديد من الجيوش إيجاد حلول جذرية لتحقيق الحد الأدنى من الحماية من هذه المخاطر، فكانت أنظمة الدفاع متعددة الطبقات والمدعومة بالحرب الإلكترونية وأدوات التشويش، الإستجابة المثالية لمواجهة هذه التهديدات، وتكمن القوة في الدفاع متعدد الطبقات في: التكامل من حيث ربط جميع المستويات بشبكة قيادة وسيطرة واحدة، تحقيق إنذار مبكر، توزيع الادوار والمهام وفقاً للمراحل، تأمين منصات متعددة لمواجهة إسلوب إغراق الدفاعات الجوية، التزامن في الإستجابة بين الوسائط النارية والدفاع الإلكتروني، والأهم من كل ذلك القدرة على خفض تكاليف الدفاع من خلال إختيار النظام المناسب والاقل كلفة ضد الخطر القادم، لأن إدارة إقتصاد الحرب تعتبر محوراً أساسياً في القدرة على الصمود وإستدامة الفعالية في الهجوم والدفاع.






