إمبراطورية الإمداد ضد الأنفاق الحصينة.. ميزان القوى الخفي في حرب الجبهات المتعددة

العقيد الركن م. ظافر مراد

بدأ الإسبوع الرابع من الحرب الأميركية–الإسرائيلية–الإيرانية متعددة الجبهات، وبدأ الحديث عن إستدامة القدرات عند أطراف الصراع، ولا نتحدث هنا عن أي قدرات، بل بالتحديد الصواريخ والمسيرات عند إيران وحلفائها، وذخائر منظومات الدفاع الجوي عند الولايات المتحدة وإسرائيل ودول الخليج التي تتعرض لهجمات من إيران، في هذا الواقع، أصبحت اللوجستيات جبهة خفية، قد تحسم المواجهة باكراً أو قد تطيل أمدها لتدخل المواجهة في مرحلة إستنزاف، تستوجب تدخلاً حاسماً وقبولاً لمخاطر عالية وإستعداداً لتقديم تضحيات إستثنائية، وذلك لمنع الإستنزاف وتحقيق الغايات ضمن المهل المقبولة، وهذا وعلى الأرجح سيدفع لتصعيد خطير في الايام المقبلة، سيكون عنوانه بلا شك مواجهات مباشرة على الارض في إيران وفي لبنان، وربما في مناطق أخرى. 

لا زالت الحرب في مرحلتها الثالثة، مرحلة إكتساب المبادرة لتحقيق الهيمنة الكاملة عسكرياً، و من المتوقع ان تمتد هذه المرحلة عدة اسابيع أخرى، فهي المرحلة الحاسمة والاساسية التي تحدد نتيجة الصراع، وترسم مسارات احداثه الهامة وشروط إنهائه، وفي هذه المرحلة، السؤال الكبير المطروح في هذا التوقيت بالذات، كيف تعيد اللوجستيات تشكيل ميزان القوى في حرب ثلاثية غير متكافئة بين قوة عظمى (أميركا)، قوة إقليمية متفوقة تقنيًا ونوعياً (إسرائيل)، وقوة إستثنائية صاعدة غير متماثلة (إيران وحلفائها)؟

قبل الإجابة على هذا السؤال، يجب الحديث عن طبيعة اللوجستيات في الحروب الحديثة، فهي إنتقلت من الإمداد التقليدي إلى إمداد عبر إدارة ذكية للشبكات والسلاسل والممرات، تتكيف وتتجاوب بسرعة فائقة مع متطلبات وظروف المواجهات، وتأخذ بعين الإعتبار مقاربة الزمن اللوجستي بالزمن العملياتي ومراحل الحملات، وفي هذا الإطار، نلاحظ أن الولايات المتحدة وإسرائيل، قد حضرتا جيداً خططهما اللوجستية للحرب، والتي تعتمد بشكلٍ اساسي على قوة الإنتشار، وقدرة التصنيع الهائلة لتحقيق متطلبات المعركة، واساطيل نقل بحري وجوي لا مثيل لها عند اي طرف آخر، بينما اعتمدت إيران على نقيض ذلك، فهي وزعت قواعدها اللوجستية بشكلٍ واسع،لا سيما العملياتية منها والتي تتعلق بالصواريخ والمسيرات، ونشرتها على أكثر من ألف قاعدة ومركز، معظمها تحت الارض، وبعضها في أعماق لا تصلها اية تهديدات، مع إدارة لا مركزية للإستخدام إلا في ما يتعلق بالصواريخ الفرط صوتية النوعية، والتي تتجاوز سرعتها 10 ماخ.

تعتمد اللوجستيات الأميركية “إمبراطورية الإمداد” على نقاط القوة المتمثلة بقواعد ممتدة (دييغو غارسيا، الخليج، أوروبا) وأساطيل نقل استراتيجي (جوي + بحري) وقدرة على التخزين المسبق، وإمكانيات التعويض السريع للمصروف الهائل من الصواريخ والقنابل والمعدات المتكاملة وقطع البدل، مقابل ذلك لديها نقاط ضعف متمثلة بالإعتماد على خطوط إمداد طويلة، ممرات بحرية مهددة. أما بالنسبة للوجستيات الإسرائيلية، فهي تعتمد على التخزين الإستراتيجي الهائل وإدارة المخزون، وعلى الإمداد من حلفائها وعلى رأسهم الولايات المتحدة، وتكمن نقطة ضعفها في ضيق العمق الإستراتيجي وعدم القدرة على المناورة اللوجستية وتركيز قواعد في الخلف، فإسرائيل لا تعاني من نقص القوة، بل من ضيق المساحة التي تحتضن هذه القوة. أما بالنسبة لإيران، فنقطة قوتها تكمن في توزيع ونشر قواعدها اللوجستية على مساحات شاسعة، اللامركزية القصوى في الإدارة والإستخدام، الإعتماد على المرونة والسرية، بينما تكمن نقطة ضعفها في الحصار والمراقبة المستمرة للتحركات والنشاطات اللوجستية.  

تجدر الإشارة إلى أن الجغرافيا دخلت كلاعب لوجستي وكفاعل إستراتيجي في هذه الحرب، ومن أولى تأثيراتها خنق الطاقة في مضيق هرمز، وتراهن إيران على هذا العامل للضغط على الفاعلين الدوليين للدفع بإتجاه التفاوض ووقف الحرب عليها، عبر إقفال المضيق وضرب منشآت الطاقة في دول الخليج بهدف خلق أزمة طاقة عالمية، وهي في سبيل ذلك تقامر في مستقبلها السياسي والامني في المنطقة، فعليها أن تُدرك انها لا تستطيع الإستمرار طويلاً بهذه الإستراتيجية، فحليفتها الصين هي أبرز المتضررين من ذلك، وهجماتها على دول الخليج ستترك أثراً سيئاً وستقابل بالعداء والقطيعة والعزل، ومشكلة الطاقة العالمية ستدفع بقوى غربية أخرى للمشاركة في الصراع ضدها، دولاً كانت منذ فترة تعارض الحرب ولا تقبل المشاركة فيها. 

دخل أطراف الصراع حالياً في “مرحلة الترشيد العملياتي للذخائر الحساسة-Operational Critical Munitions Rationalization Phase” وهي مرحلة تنخفض فيها شدة المواجهات وعدد الإستهدافات لتقتصر على الاهداف ذات القيمة العالية، وتبدأ هذه المرحلة عادة عندما يتجاوز مصروف الذخائر نسبة 50% تقريبا من المخزون العام، وفي ظروف حرب الإستنزاف المفروضة، تسمى “مرحلة أدارة الإستنزاف الذكي- Smart Attrition Management Phase”، وفي الحروب والحملات الكبرى، هناك ما يسمى بـ “الوقفة العملياتية – Operational Pause”، وفيها يتم تعويض المصروف، إستبدال أو إعادة تأهيل سريع للوحدات، تركيز التموضع وإعادة نشر القوات، وتنظيم القدرات للإنطلاق بمرحلة جديدة تختلف عن سابقاتها.

تبدو ملامح المرحلة الحالية غامضة بعض الشيء، بسبب كثافة التحليلات على الشاشات، والتناقض بالمعلومات، والتضارب بالمواقف والآراء، والتي معظمها تتحدث عن الإستمرارية بالحرب، والقدرة على الصمود، والإستنزاف، وإدارة التصعيد، وفقدان المبادرة، وما إلى ذلك من التعابير، ولكن في الحقيقة هناك حتمية للحسم، على الرغم من حراجة الموقف اللوجستي لجميع اطراف الصراع، خاصة أن هناك أصول عسكرية ضخمة وصلت وستصل إلى المنطقة، فمقابل نجاح إيران في خنق ممر الطاقة وخلق بوادر أزمة عالمية، نجح ترامب في دفع حلفائه الغربيين للتفكير ملياً بضرورة المشاركة في هذه الحرب، وعلى الرغم من توحيد الجهود ودمج شروط وقف النار والتفاوض من قبل إيران وحلفائها، إلا أن ما هو محضر لهم يختلف عن ذلك، فعلى صعيد المواجهة مع إيران، تركِّز الولايات المتحدة على شروط تكبل قدرات إيران النووية والباليستية بشكلٍ كامل ومضمون، مع رقابة صارمة ليس فقط على نشاطها العسكري، بل على إمداداتها ودعمها للحلفاء والوكلاء في المنطقة، ما يعني أنها تعتمد “إستراتيجية التآكل” والتي من شأنها مع الوقت، إزالة التهديدات نهائياً وربما زوال النظام أو تغيير وجهه العقائدي، وهي حالياً في موقف قوي بعد ظهور مؤشرات تؤكد مشاركة قوى غربية، وربما حلف الناتو، في مهام محددة مثل فتح مضيق هرمز وضمان سلاسل إمداد الطاقة في المنطقة، أما بالنسبة للجبهة اللبنانية، فإسرائيل ووفقاً لتصريحات مسؤوليها، ستعتمد “إستراتيجية السحق” اي التدمير الكلي لقدرات حزب الله، وهي استفادت من دروس الحرب في غزة، حيث أن القصف الجوي والبحري والبري لا ينفع وحده في إزالة التهديدات بشكلٍ حاسم، لذلك هي تقوم بعملية حشد لفرقها العسكرية على الحدود الشمالية، وتوسِّع شيئاً فشيئاً منطقتها العازلة، وتحضر قواتها الخاصة للقيام بعمليات في العمق اللبناني، إضافةً إلى إستحضار أعداد هائلة من القنابل الخارقة للتحصينات.

في هذه الحرب لم تعد اللوجستيات نشاطاً في الخطوط الخلفية، بل اصبحت الاساس الذي تبنى عليه إستدامة القوة وإستمرارية القتال، وهي الشرط المسبق لأي إنتصار ممكن.