أعلنت وزارة الدفاع البريطانية، في السابع والعشرين من مارس (آذار)، عن استلام طائرتها الثامنة والأربعين من طراز إف-35بي “لايتنينغ الثاني” المُصنَّعة من قِبَل شركة لوكهيد مارتن الأمريكية، مُنهيةً بذلك المرحلة الأولى الكاملة من برنامج اقتنائها للمقاتلة الشبحية متعددة المهام. يُشكّل هذا الاستلام منعطفاً لافتاً في مسيرة تحديث سلاحي الجو والبحرية الملكيين البريطانيين، وإن كانت تحديات جوهرية لا تزال تُخيّم على المدى البعيد للبرنامج.
بدأت أولى عمليات التسليم في يونيو (حزيران) 2018، حين استقبلت قاعدة RAF مارهام الجوية في نورفولك أولى هذه المقاتلات، لتغدو المركز الرئيسي لتشغيل طرازات إف-35بي داخل المملكة المتحدة. أرست القوات المسلحة البريطانية منذ البداية متطلباً إجمالياً يبلغ 138 طائرة من هذا الطراز، غير أن الدفعة الأولى اقتصرت على 48 وحدة فحسب، مما يعني أن ثلثَي الأسطول المأمول لا يزالان في دائرة الانتظار. تُعبّر هذه الفجوة الرقمية عن حجم التحدي المالي والتخطيطي الذي يواجهه المسؤولون البريطانيون في تحقيق التوازن بين الطموحات الاستراتيجية ومتطلبات الميزانية الدفاعية المتقلبة.
تضمّنت مسيرة البرنامج خسارة مُؤلمة، إذ سقطت الطائرة ZM152 في مياه البحر الأبيض المتوسط يوم السابع عشر من نوفمبر (تشرين الثاني) 2021، وذلك إثر فشل إقلاعها من على متن حاملة الطائرات HMS Queen Elizabeth. جرى انتشال الحطام في مطلع ديسمبر (كانون الأول) من العام ذاته، في عملية استعادة دقيقة وبالغة الحساسية التقنية. أسهم هذا الحادث في إثارة تساؤلات جدية حول إجراءات سلامة الإقلاع والهبوط العمودي من على متون حاملات الطائرات، وإن أكدت الجهات المختصة أن التحقيقات انتهت واستُخلصت دروسها المهنية.
تُؤدّي الطائرات الثماني والأربعون مهاماً تشغيلية فعلية في الوقت الراهن، تشمل دوريات المراقبة الجوية التي تنطلق من قاعدة RAF أكروتيري في قبرص دعماً للشركاء والحلفاء في منطقة الشرق الأوسط. يُؤكّد المسؤولون البريطانيون التزامهم الثابت بالوصول إلى العدد الإجمالي المُستهدَف البالغ 138 طائرة، مُشيرين إلى أن البرنامج يسير وفق منهجية تدريجية مدروسة. يُتوقَّع أن يضمّ الأسطول المستقبلي عدداً محدوداً من طائرات إف-35أيه، وهو الطراز البري المُصمَّم أساساً لأغراض التدريب وتطوير الكوادر المتخصصة. يُرجَّح كذلك أن تُعدَّل هذه الطائرات لتكون قادرة على حمل قنابل B61 النووية، مما يمنح الأسطول البريطاني بُعداً استراتيجياً رادعاً يتجاوز وظيفته التدريبية الأولية ويُعزز الدور البريطاني في منظومة الردع النووي لحلف شمال الأطلسي.
بيد أن الصورة لا تخلو من إشكاليات متراكمة؛ إذ لم يُوقَّع حتى الآن أي عقد لبدء عمليات التسليم ضمن دفعة الاقتناء الثانية. كشفت تقارير وسائل الإعلام البريطانية المتخصصة عن قيود تشغيلية تعوق الاستغلال الأمثل للأسطول القائم، في مقدمتها شُحّ الكوادر البشرية المؤهلة وانخفاض مستويات الجاهزية التشغيلية عن المعدلات المستهدفة. تُضاعف من وطأة هذه الإشكاليات التأخيراتُ المتراكمة في دمج منظومات الأسلحة والمعدات الإلكترونية الإضافية مع المنصات القائمة. يزيد المشهد تعقيداً أن مشاريع توسعة البنية التحتية الأرضية داخل المملكة المتحدة لم تبلغ مرحلة الاكتمال بعد، مما ينعكس مباشرة على الطاقة التشغيلية الفعلية للأسطول ويُضيّق هامش المناورة أمام قادة سلاح الجو.
تتقاطع هذه المعطيات مع سياق أوروبي أوسع يشهد تسابقاً محموماً لتحديث القدرات الجوية، إذ تُسارع دول حلفاء بريطانيا في حلف الناتو إلى رفع جاهزيتها في مواجهة التهديدات المتصاعدة. يرى المحللون الدفاعيون أن التأخير في إبرام عقد الدفعة الثانية يُولّد حالة من الغموض الاستراتيجي تُربك جداول التخطيط العملياتي بعيد المدى، وقد يُفضي إلى تقليص الرافعة التفاوضية البريطانية مع شركاء الإنتاج والتطوير داخل برنامج إف-35 متعدد الأطراف. تبقى مقاتلة إف-35بي ركيزةً محورية في منظومة الدفاع البريطانية المستقبلية، غير أن تحقيق كامل إمكاناتها العملياتية يظل رهيناً بتجاوز العوائق البنيوية والموارد البشرية والتمويلية التي تُواجه البرنامج في مرحلته الراهنة، وتُحدد فعلياً الوتيرة الحقيقية لنمو هذا الأسطول الجوي الاستراتيجي.






