العميد صلاح الدين الزيداني الأنصاري
لاعبون جدد عززوا ترسانة القوة الجوفضائية للحرس الثوري الإيراني وأكدوا وجودهم ضمن حسابات الصراع القائم كأدوات إستراتيجية أعادت تشكيل المشهد وعززت قوة الردع الإيرانية وهددت وجود الكيان بشكل غير مسبوق , يتجهون قدماً لأن يكونوا أحد أهم عناصر التحول السياسي والعسكري وخاصة ما يتعلق بأنظمة الردع والدفاع الإستراتيجي على مستوى المنطقة بل على مستوى العالم بأسره ، إنهم مجموعة الصواريخ الفرط – صوتية التي دخلت على خط المواجهة المباشرة بقوة لتؤكد بأنها ليست مجرد إضافة سلاح لترسانة طهران، بل هي عاملا مؤثراً وبقوة في تقلبات ميزان القوى الإقليمي الذي اعادت إيران تشكيله بأيدي ابنائها وعزمهم وبمساعدة أصدقاؤها وبقدراتهم الفنية العالية.
في زمنٍ أصبحت فيه الحروب لا تُحسم فقط بحجم الترسانة أو التفوق الجوي التقليدي، بل بقدرة السلاح على اختراق الزمن نفسه قبل اختراق الدفاعات, أصبحت الثواني الفاصلة بين الرصد والاعتراض هي الفارق بين البقاء والانهيار، ظهرت منظومات الصواريخ الفرط صوتية الايرانية في معادلة الحرب القائمة حالياً وكان أستخدامها بشكل مكثف وناجح ليس مجرد قفزة تكنولوجية في برنامج الصواريخ بل تحولًا عميقًا في العقيدة القتالية الإيرانية، وانتقالًا مدروسًا من استراتيجية الردع التقليدي إلى الردع الصاروخي عالي السرعة، القادر على فرض معادلات جديدة على خصوم يمتلكون أكثر أنظمة الدفاع تطورًا في العالم.
تجاوز إستخدام الصواريخ الفرط صوتية دورها كأسلحة مدمرة حديثة فقط بل تعدت ذلك لتساهم في تغيير وإعادة مفهوم قواعد العمليات العسكرية في المنطقة , ففي سياق التصعيد الإقليمي المستمر أصبحت الصواريخ الفرط صوتية الإيرانية مثل ( فتاح-1 وفتاح-2 وخرمشهر وخيبر شكن وحاج قاسم …. وأخواتها ) ، عاملاً حاسماً في إعادة تشكيل التوازن الاستراتيجي بالشرق الأوسط فسرعتها الفائقة التي جاوزت بمرات عديدة سرعة الصوت وقدرتها على المناورة داخل الغلاف الجوي قوضت فعليًا قدرة الدفاعات الجوية التقليدية المعادية على تحييدها ومثلت تحدياً كبيراً لأنظمة ومظلات الدفاع الأمريكية – الإسرائيلية المتعددة التي تحمي دولة الكيان بشكل عكس تحولاً جيوسياسياً عزز قوة الردع الإيرانية المدعومة بتعاون فني روسي- صيني، كوري شمالي لمواجهة الهيمنة الغربية.
خلفية تاريخية على برنامج الصواريخ الإيراني.
يمتد برنامج الصواريخ الإيراني لأكثر من أربعة عقود، مر خلالها بعدة مراحل:
- مرحلة التأسيس خلال فترة السبعينيات:
من المفارقات الغريبة أن برنامج الصواريخ البالستية الإيرانية بدأ في حقبة السبعينات بتعاون أمريكي إسرائيلي لتطوير وصناعة صواريخ بالستية قادرة على حمل رؤوس نووية لكن إنتهاء فترة حكم الشاه ووجود العديد من العوائق الفنية واللوجستية أنهى ذلك المشروع مبكراً بعد صرف أموالاً طائلة عليه.
- مرحلة الحرب خلال فترة الثمانينيات:
تجدد الحلم الإيراني في حقبة الثمانينيات خلال فترة الحرب العراقية- الإيرانية (1980-1988)، حيث جاء كرد فعل على هجمات صواريخ “سكود” العراقية التي أنهكتها لتستعين بليبيا التي قدمت لها المساعدة لدعمها سياسيا وعسكريا والنيل من العراق التي كانت تدعم الفصائل التشادية في حربها مع الجيش الليبي , وهكذا تحصلت طهران على أول صواريخ Scud-B/C من ليبيا, هذه الصواريخ سمحت للحرس الثوري الإيراني بإنشاء أول وحدة نظامية للصواريخ بقيادة حسن طهراني مقدم الملقب بأبو الصواريخ والذي يعتبر المهندس الرئيسي لقوة الصواريخ وقد لقى حتفه عام 2011 في انفجار داخل إحدى القواعد الصاروخية بالقرب من طهران.
وفرت ليبيا اول صاروخ لإيران ومنصات إطلاق ووفرت ايضا مستشارين فنيين وتدريبات عملية للأطقم الإيرانية وساهمت فعلياً في ضرب أهداف عراقية حيث تعرضت بغداد لعدة ضربات صاروخية لقربها من الحدود العراقية الإيرانية وبالتالي كانت نقطة البداية لبناء قوة الصواريخ التي دخلت مرحلة حرب المدن خلال أحداث الحرب الايرانية العراقية وهكذا كان الدور الليبي مهماً في تاريخ تأسيس قوة الصواريخ الايرانية لكنه كان أيضا قصيراً ومحدوداً , والمفارقة أن ليبيا التي ساعدت طهران في بداية برنامجها الصاروخي في الثمانيات حاولت الحصول على صواريخ ايرانية مطورة في التسعينات لتتخلى ليبيا لاحقاً عن برنامجها الصاروخي وتستمر ايران في التوسع فيه لتصبح قوة ضاربة لها كلمتها.
- مرحلة الاعتماد الذاتي خلال فترة التسعينيات وما بعدها:
بعد توقف الامدادات الليبية بضغوط روسية اتجهت ايران الى سوريا لتدريب أطقمها على تشغيل وإستخدام الصواريخ والى كوريا الشمالية لنقل التقنية الصاروخية والبدء في مرحلة انتاج نسخ محلية.
في حقبة التسعينيات بدأت مرحلة التطوير باستيراد صواريخ سكود من كوريا الشمالية حيث طورت نسخ محلية عن صواريخ هواسونغ الكورية منها صواريخ شهاب 1- 2 -3(نسخ سكود)، ثم شهاب-3 (1998، بمدى 1300 كم وهو شبيه بصاروخ نودونغ من Nodong الكوري ويعمل بالوقود الصلب.
- مرحلة النضج خلال بداية عام 2000 وحتى عام 2026:
في الفترة من عام 2000 وحتى عام 2010م تنوعت النماذج الضاربة من القوة الصاروخية المستقلة وظهرت صواريخ محلية الإنتاج بتقنيات عالية مع دمج برامج الفضاء لتعزيز أنظمة التوجيه وتحسين الخصائص الفنية فكانت صواريخ سجيل وقادر وعماد وقيام -1 ذات الرؤوس المتعددة ومنها الخارقة للتحصينات التي يصل مداها نحو 2000 كم وتعمل بالوقود الصلب ثم صواريخ وذو الفقار في عام 2016م.
وفي العام 2000 ظهرت الصواريخ البالستية الفرط صوتية خرمشهر -4 مدعوما بتعاون فني روسي صيني وكوري و صواريخ فتاح -1 ذات السرعات العالية التي بلغت 13-15 ماخ وصواريخ فتاح-2 مع مركبة انزلاقية لتعزيز المناورة وهي تعمل بالوقود الصلب الذي يتميز بالجاهزية الفورية للصواريخ العاملة به وسهولة تخزينه، مما يجعله مثالياً للاستخدامات العسكرية والدفاعية.
وقد ساهم هذا التراكم في انتقال إيران من الاعتماد على الاستيراد إلى الاكتفاء النسبي والتطوير المحلي وفي السنوات اللاحقة يلاحظ التطور التقني الكبير في صناعة الصواريخ الإيرانية والطائرات المسيرة والإنتقال من مرحلة الاعتماد الكلي على الاستيراد (90% في حقبة الثمانينات إلى مرحلة الإنتاج المحلي بحلول 2026 عبر منظمة الصناعات الجو فضائية (AIO) التي تشرف عليها وزارة الدفاع والحرس الثوري وجامعات محلية تعنى بتقنيات الحديثة في مجال هندسة الطيران مثل جامعة شريف للتكنولوجيا ، مع تكثيف دراسة تقنيات وهندسة الطيران في عدد 24 جامعة محلية في مختلف أنحاء ايران وقد أدى ذلك فعليا إلى ظهور ترسانة صواريخ ضاربة من مختلف الأنواع والأجيال فاقت في أعدادها الـ 3000 صاروخ , هذه الصواريخ صنعت وطورت إعتمادا على الهندسة العكسية والقدرات الذاتية ومساهمات الدول الصديقة لهم الى جانب توفير الموارد ومواد التصنيع المحلية وشبكات توريد خارجية لتصل ايران لأن تصبح قوة صاروخية أقليمية ذات قدرات ردع كبيرة.
دور الصين وروسيا في تطوير الصواريخ الإيرانية.
لعبت روسيا والصين دوراً حاسماً في تطوير التكنولوجيا الفرط صوتية الإيرانية، من خلال نقل المعرفة وأنظمة دعم تكنولوجي، مدعوماً بجسور جوية وبحرية خاصة فترة ما بعد حرب الـ 12 يوماً في 2025 وتركز التعاون على الرادار، أنظمة الملاحة، والمركبات الانزلاقية (HGV)، بما يعزز دقة الإستهداف وسلاسة مناورة الصواريخ الإيرانية.
وقد ساعدت موسكو في تطوير مركبات الانزلاق الفرط صوتي، المستوحاة من صواريخ “أفانغارد”، عبر صفقات سرية 2025-2026 :كما أنها تساعد بقمر “خيام (Kanopus-V) الذي يوفر صوراً بدقة 1.2 متر للاستهداف دقيق، مع رادارات Rezonans-NE لكشف المقاتلات الشبحية لمحاولة التصدي لها.
ويتمثل الدور الصيني في المساعدة في جانب أنظمة التوجيه وتوفير نظام بيدو BeiDou للتموضع والبديل عن نظام GPS الأمريكي لتوجيه الصواريخ الى جانب تعزيز التعاون في مجالات نقل تكنولوجيا الصواريخ الباليستية.
دور كوريا الشمالية في تطوير الصواريخ الإيرانية.
يُمثل التعاون بين كوريا الشمالية وإيران أحد أعمدة تطوير الصواريخ الفرط صوتية الإيرانية، خاصة في مراحل الوقود الصلب والمركبات الانزلاقية (HGV)، مع جذور تعود إلى الثمانينيات خلال الحرب الإيرانية-العراقية وقد ساهمت بيونغ يانغ بنقل تكنولوجيا أساسية لصواريخ مثل “شهاب-3″ المبني على نودونغ و”خرمشهر” المستوحى من موسودن ما مهد لظهور صواريخ “فتاح” عبر مشاركة خبرات المناورة الفرط صوتية كما في هواسونغ Hwasong-8
وبشكل عام يُعمق هذا الدور الاستراتيجي للدول الصديقة لإيران ومساعدتها في برامجها الصاروخية التوازن الإقليمي المرتبط بالمحور المقاوم للغرب، مع مخاوف أمريكية من تصعيد نووي- صاروخي مشترك في 2026.
تأثير قمر خيام الروسي على قدرات إيران العسكرية.
يُمثل قمر “خيام (Khayyam)” – الذي أطلقته روسيا لإيران في 2022 كجزء من سلسلة أقمار صناعية روسية الصنع مخصصة لرصد الأرض بدقة عالية- ترقية نوعية في الاستخبارات الفضائية الإيرانية، مما يعزز دقة الاستهداف لصواريخ الفرط صوتية من كراز فتاح -2 وأخوته لدرجة تصل إلى 1.2 متر , مع إتاحة مراقبة مستمرة للقوات الأمريكية والإسرائيلية في منطقة الشرق الأوسط ، بما في ذلك سوريا والخليج، مدعوماً بصور عالية الدقة لتحديد الأهداف الديناميكية للصواريخ الفرط صوتية وتعزيز المناورة ضد أنظمة الدفاع الجوي الأسرائيلية والأمريكية العاملة في المنطقة ما يُضعف الهيمنة الأمريكية الفضائية.
يوفر القمر الصناعي “خيام” تغطية يومية لإيران على مدار 24 ساعة ، مع إرسال بيانات فورية مشفرة عبر خوارزميات إيرانية، مع تكامل مع نظام الملاحة الصيني المتطور والفائق الدقة لتوجيه مستقل مما يقلل الاعتماد على نظام التموضع العالمي GPSالغربي مع دعم الوكلاء (حزب الله، الحوثيين) بتوفير بيانات محدثة بالمواقع والأهداف العسكرية كما يُستخدم قمر خيام لمراقبة المنشآت النفطية والعسكرية في إسرائيل والخليج.
في الأحداث الأخيرة التي مرت وتمر بها المنطقة تبين أن موازين القوى في المنطقة بدأت بالتأثر بشكل كبير على مستويات مختلفة خاصة وأن القدرات الصاروخية الإيرانية رغم عدم التكافؤ الظاهر في العدد والعدة مع خصومها إلا أنها قالت كلمتها ووصلت لأبعد ما قد كان الكثير يتصوره
تشير السيناريوهات إلى أن الصواريخ الفرط-صوتية الإيرانية ستظل عاملًا حاسمًا في تشكيل البيئة الأمنية الإقليمية، مع اتجاه واضح نحو زيادة الاعتماد على الردع عالي السرعة وتصاعد سباق التسلح التكنولوجي بالإضافة إلى تآكل التفوق التقليدي لأنظمة الدفاع الحالية
وضمن هذا السياق، فإن مستقبل الصراع في الشرق الأوسط سيتحدد ليس فقط بامتلاك السلاح، بل بالقدرة على التكيف مع سرعة الحرب الجديدة.
والتأثير البارز على موازين القوى في المنطقة كان واضحاً وله عدة مؤشرات يمكن وضعها في عدة نقاط إستراتيجية رئيسية كما يلي:
- تجاوز تأثير الصواريخ الفرط-صوتية بعدها التدميري، ليطال جوهر العقيدة العملياتية للحروب الحديثة.
- قدرة الصواريخ الفرط صوتية عززت قوة الردع الإقليمي لايران ضد أي عدوان عسكري مباشر مع توفر امكانات إستثنائية للرد المباشر وتنفيذ ضربات مباغتة مع فرض سيطرة جزئية على مجريات النزاع , ووجود احتمالات لتصعيد غير متوقع بسبب خصائص الصواريخ الفرط-صوتية وقدراتها الفنية.
- التحول في العمليات العسكرية من «حروب بطيئة ومراقبة» إلى ردود لحظية سريعة ذات تأثيرات استراتيجية واسعة مع التقليص في زمن اتخاذ القرار العسكري.
- التحول لتهديد وضرب قواعد عسكرية أمريكية أو للحلفاء في المنطقة وما يترتب على ذلك من تأثيرات للحرب النفسية وانخفاض المعنويات .
- البرامج الإيرانية المتطورة للصواريخ الفرط-صوتية ستحتم على دول المنطقة تطوير بدائل دفاعية وهجومية متقدمة لمواجهة التهديدات الجديدة.
- تسريع سباق التسلح التكتيكي والتكنولوجي وبرامج الصواريخ الذكية بين دول الشرق الأوسط وتحالفاتها.
- شكلت الصواريخ الفرط صوتية تهديداً وجودياً لدولة الكيان ما يدفعها لإعادة العمل بمفهوم “الدفاع النشط” و الاعتماد على المعلومات الاستخباراتية لشكل مكثف ومحاولة توفير أسلحة الردع المتبادل.
- دفع دول المجلس التعاوني الخليجينحو سباق تسلح فرط صوتي، بالإعتماد على الحليف الرئيسي الولايات المتحدة، وهذا الوضع سيعزز التوترات الاقتصادية عبر تهديد طرق النفط.
- إرباك منظومات القيادة والسيطرة لدى الخصوم وظهور ثغرات كبيرة في أنظمة الدفاع الجوي والصاروخي الأمريكية.
- إمتلاك الصواريخ الفرط صوتية وتقنية إنتاجها يعزز نفوذ طهران عبر مفهوم “الردع الاقتصادي” ما يهدد المنشآت النفطية ويرفع أسعار الطاقة ويُعيق العقوبات الغربية.
- ترتيب التحالفات في عموم المنطقة، وظهورتقارب روسي- إيراني- صيني يأكثر فعالية ما قد يؤدي إلى إُضعاف دور الـولايات المتحدة وحلفاؤها في منطقة الشرق الأوسط.






