“قوس السماء” يُسقط 29 صاروخاً فوق الإمارات: هل بات السلاح الكوري بديلاً حقيقياً عن “باتريوت” الأمريكي؟

تشيونجونج-2

كان نظام الدفاع الجوي الكوري الجنوبي “تشيونجونج-2” يقبع في ظل الغموض النسبي، حتى أثبت جدارته القتالية في مواجهة مباغتة لم يكن أحد يتوقع حجمها. فحين أطلقت إيران وابلاً من الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة باتجاه الإمارات العربية المتحدة، وقف هذا النظام — الذي لم يخض اختباراً قتالياً حقيقياً من قبل — في طليعة خطوط الدفاع الأول، فأسقط 29 هدفاً من أصل 30، وفق ما نقلته صحيفة “نيويورك تايمز” عن وسائل إعلام كورية جنوبية ومسؤول حكومي.

وقد يبدو هذا الرقم متواضعاً في سياق إجمالي الاعتراضات التي شهدتها الأسابيع الأولى من المواجهة، غير أن أثره تجاوز حدوده العددية بمراحل، إذ أشعل موجة واسعة من الاهتمام والإعجاب امتدت من دبي إلى سيول، في أوساط صانعي القرار والمحللين العسكريين على حدٍّ سواء.

واسم “تشيونجونج” يعني تقريباً “قوس السماء”، وهو اسم يُجسّد طموح الصناعة الدفاعية الكورية الجنوبية التي باتت تُثبت حضورها بوصفها لاعباً محورياً في خريطة تجارة الأسلحة العالمية، لا مجرد منافس ناشئ. ويكتسب هذا الصعود دلالةً استراتيجية مضاعفة في ظل عجز شركات الصناعات الدفاعية الأمريكية العملاقة عن مواكبة الطلب المتصاعد، مما أوقع دولاً عديدة في دوامة الانتظار لسنوات قبل الحصول على منظومات الدفاع الجوي التي تحتاجها.

ويُصيغ جيري ماكجين، مدير مركز القاعدة الصناعية في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، هذه المعادلة بوضوح قائلاً: “ثمة فرصة سوقية جلية لتوفير أسلحة أرخص ثمناً وأيسر حصولاً، وقد أدرك الكوريون هذه الفرصة وراحوا يستثمرونها”.

وتُترجم أرقام شركة LIG Nex1، المصنّعة لنظام تشيونجونج-2، هذا الزخم ترجمةً رقمية لافتة؛ إذ قفزت إيراداتها من صادرات بلغت 82.6 مليار وون عام 2021، إلى ما يزيد على 921.8 مليار وون بحلول عام 2025. وفي غضون ذلك، وسّعت الشركة انتشارها الإقليمي عبر إبرام عقود دفاعية رئيسية مع الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية والعراق.

ولا تقف قصة النجاح الكورية عند حدود شركة بعينها؛ فشركة هانوا إيروسبيس، الشريكة في إنتاج مكونات تشيونجونج-2 والمصنّعة لراجمة الصواريخ المتعددة “تشونمو”، وقّعت خلال السنوات الأربع الماضية عقوداً دفاعية تتخطى قيمتها الإجمالية 15 مليار دولار مع إستونيا والنرويج وبولندا. وتتطلع الشركة اليوم إلى مساعدة إسبانيا في تطوير مدافع ذاتية الدفع، فيما تُشيد منشأة متكاملة لتصنيع المركبات المدرعة على الأراضي الرومانية. وقد أسهمت هذه الإنجازات المتراكمة في رفع كوريا الجنوبية إلى مرتبة ثاني أكبر مورد لمنظومات التسليح لدول حلف الناتو الأوروبية بعد الولايات المتحدة، وفق ما رصده معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام (SIPRI).

أما الورقة الرابحة الأبرز التي تلوّح بها الصناعة الدفاعية الكورية، فهي الميزة السعرية بامتياز؛ إذ يبلغ سعر الصاروخ الاعتراضي لتشيونجونج-2 نحو مليون دولار، في مقابل أربعة ملايين دولار لكل صاروخ من طراز “باتريوت PAC-3” الأمريكي، وفق الباحثة كيللي غريكو من مركز ستيمسون. ويُضاف إلى هذه الميزة السعرية أن الشركات الكورية لا تتردد في إقامة مصانع على أراضي الدول المستوردة وتقاسم تكنولوجيا الإنتاج معها، في تناقض صريح مع تمسّك الشركات الأمريكية بحقوق ملكيتها الفكرية بصرامة بالغة.

وإن كان “تشيونجونج-2” يُلقَّب أحياناً بـ”باتريوت الكوري”، فإن هذه التسمية تظل جزئية؛ إذ يعمل على ارتفاعات أدنى مما يستهدفه نظاما “باتريوت” و”ثاد” الأمريكيان، اللذان يتفوقان عليه في التصدي لصواريخ أسرع وعلى مسافات أبعد. غير أن الإمارات العربية المتحدة أدركت قيمة التكامل بين هذه المنظومات المتباينة، فباتت تنشرها جنباً إلى جنب لتشكيل درع دفاعي متعدد الطبقات من الأكثر تطوراً في المنطقة. وفي هذا السياق، يُعلن الرئيس الكوري الجنوبي لي جاي ميونغ طموحاً استراتيجياً أبعد مدى: تحويل بلاده إلى رابع قوة صناعية دفاعية في العالم بحلول عام 2030.