واشنطن تنتقل إلى وضع “الحرب الدائمة”.. كيف تُعيد شركات الدفاع الأمريكية رسم خريطة الأمن الصاروخي العالمي؟

يُشكّل يناير/ كانون الثاني 2026 منعطفاً فارقاً في تاريخ الصناعة الدفاعية الأمريكية. أعلنت لوكهيد مارتن في التاسع والعشرين من ذلك الشهر عن توقيع اتفاقية إطارية مع وزارة الحرب الأمريكية لمضاعفة إنتاج صاروخ “ثاد” 4 مرات، في حين أعلنت ريثيون بعد أيام قليلة عن خمس اتفاقيات مماثلة تشمل طيفاً أوسع من الصواريخ الاعتراضية والضاربة. تكشف هذه الاتفاقيات المتلاحقة، التي تأتي في سياق التراجع الحاد في مخزونات الاعتراض جراء نزاعات الشرق الأوسط، عن مسار استراتيجي واضح: تتحوّل الولايات المتحدة من دولة تحتفظ بمخزون دفاعي إلى دولة تبني ترسانة يومية الإنتاج.

لوكهيد مارتن: من قلعة ثاد إلى “مسرّع الذخائر”

وقّعت لوكهيد مارتن اتفاقية مع البنتاغون لمضاعفة إنتاج صواريخ “ثاد” الاعتراضية أربع مرات خلال السنوات السبع المقبلة، لترفع الطاقة الإنتاجية من 96 صاروخاً سنوياً إلى 400، وفق وسائل اعلام امريكية. وتمثّل هذه الخطوة الاتفاقية الثانية من نوعها التي تُبرمها الشركة في غضون أسابيع، إذ سبقتها في سبتمبر/ ايلول 2025 صفقة بقيمة 9.8 مليار دولار لتوريد 1,970 صاروخ PAC-3 MSE، وهي الأكبر في تاريخ عقود باتريوت، تلتها اتفاقية يناير/كانون الثاني 2026 لرفع الإنتاج السنوي من هذا الصاروخ من 600 إلى 2,000 وحدة.

دعماً لهذه الخطط التوسعية، أعلنت الشركة عن تدشين مركز “مسرّع الذخائر” في مدينة كامدن بولاية أركنساس، الذي يُعدّ منشأة عالمية المستوى ستوظّف تقنيات التصنيع المتقدم والروبوتيات لإنتاج ثاد وPAC-3 وأنظمة أخرى.

ويُضاف إلى هذا المشهد الميداني استثمار يتجاوز 7 مليارات دولار ضخّتها لوكهيد منذ الولاية الأولى للرئيس ترامب، من بينها مليارا دولار مخصصان لتسريع إنتاج الذخائر.

على الصعيد الأبعد مدىً، يُمثّل برنامج “صاروخ الجيل القادم” (NGI) رهاناً استراتيجياً من طراز مختلف. فخلافاً لثاد وباتريوت اللذين يعترضان الصواريخ في مراحل نهائية، يستهدف NGI اصطياد التهديدات الباليستية في منتصف مسارها قبل إعادة دخول الغلاف الجوي — مما يضع لوكهيد في فئة الشركات القادرة على توفير حماية استراتيجية للأراضي الأمريكية ذاتها.

ريثيون: 5 اتفاقيات وثورة في خطوط الإنتاج

أبرمت ريثيون، الذراع الدفاعية لمجموعة RTX، خمس اتفاقيات إطارية مع وزارة الحرب الأمريكية في الرابع من فبراير/شباط 2026، تمتد لسبع سنوات، وتستهدف رفع الإنتاج السنوي لصواريخ توماهوك إلى أكثر من ألف وحدة، وصواريخ AMRAAM إلى 1,900 وحدة على الأقل، وصواريخ SM-6 إلى ما يتجاوز 500 وحدة سنوياً.

ويمنح صاروخ SM-3 الاعتراضي أهمية خاصة في ضوء ما شهدته المنطقة العربية. استُخدم صاروخ SM-3 IB للمرة الأولى في العمليات القتالية في أبريل/ نيسان 2024، حين اعترض صواريخ باليستية إيرانية كانت تتجه نحو أهداف إسرائيلية. وكان البنتاغون قد أوقف شراء هذا الصاروخ، قبل أن تكشف التجربة الميدانية عن حاجة ماسّة لاستعادة إنتاجه وتسريعه. تُنفّذ ريثيون أعمالها الإنتاجية ضمن مصانع في توسون بأريزونا وهنتسفيل بألاباما وأندوفر بماساتشوستس، وتندرج هذه التوسعات ضمن استثمار رأسمالي بلغ 2.6 مليار دولار عام 2025.

بوينج: مهندس الدرع الوطني

يُفاجئ كثيرٌ من المتابعين حين يكتشفون أن بوينج، المرتبطة في الأذهان بصناعة الطيران المدني، تؤدي دوراً لا يمكن الاستغناء عنه في منظومة الدفاع الباليستي الأمريكية. تتولى الشركة تصميم واختبار صواريخ الاعتراض الأرضية (GBI)، المخصصة لردّ الصواريخ الباليستية العابرة للقارات (ICBMs) قبل وصولها إلى الأراضي الأمريكية، إلى جانب تصنيع مركبات الدفع (Boost Vehicles) التي تحمل الرأس الاعتراضية إلى الفضاء.

يضع هذا التموضع بوينج في موقع “المهندس المعماري” الاستراتيجي: فبدلاً من منافسة لوكهيد وريثيون، تلتحم تقنياتها مع منظوماتهما لبناء طبقات دفاعية متكاملة تمتد من الغلاف الجوي إلى خارج الفضاء. وأبرز ما يُميّز هذا التموضع أنه يجعل بوينج طرفاً غير قابل للإحلال في أي تشكيل دفاعي شامل، بصرف النظر عن أي منافسة تجارية.

نورثروب غرومان: التحديات المستقبلية وصاروخ “اعتراض الانزلاق”

تسعى نورثروب غرومان إلى اقتحام أعسر تحديات الاعتراض الحديثة: التصدي للصواريخ الفرط صوتية. في سبتمبر/ أيلول 2024، أعلنت وكالة الدفاع الصاروخي الأمريكية (MDA) منح نورثروب غرومان عقد تطوير “صاروخ اعتراض مرحلة الانزلاق” (GPI)، المصمَّم للتكامل مع منظومة Aegis الحربية لمواجهة التهديدات الفرط صوتية.

كما تعمل الشركة في مجال أنظمة الرصد والتتبع الفضائية، غير أن المشهد لا يخلو من تعقيدات. كشفت وكالة الدفاع الصاروخي أن القمر الصناعي التجريبي لـ HBTSS الذي طوّرته نورثروب غرومان أخفق في استيفاء المتطلبات المحددة، فيما نجح النموذج المنافس من إنتاج L3Harris في إثبات وظائفه الأساسية. يُشير هذا إلى أن المنافسة في مجال الاعتراض الفرط صوتي لا تزال في طور التجريب والتقييم، وأن المشهد النهائي لم يتبلور بعد.

يلعب دور “المهندس الشامل” الذي يربط الأنظمة ببعضها أهمية موازية لدور الشركة كمُصنِّع مباشر، إذ تتوسط نورثروب في دمج رادارات ومنصات إطلاق وأنظمة سيطرة تنتجها شركات مختلفة في شبكة دفاعية واحدة متماسكة.

الشرق الأوسط: من ساحة الاستهلاك إلى أزمة الإنتاج

لا يمكن قراءة هذا التسارع الصناعي بمعزل عن السياق الإقليمي. كشفت الضربات الإيرانية المتكررة على إسرائيل، والعمليات الواسعة لاعتراض صواريخ الحوثيين في البحر الأحمر، عن معدل استهلاك مرعب لمخزونات الاعتراض الغربية. أشارت تقارير متخصصة إلى أن مخزون SM-3 الأمريكي لم يتجاوز نحو 400 صاروخ بحلول عام 2024، في حين لم يتجاوز SM-6 1,500 وحدة قبيل التصعيد الأخير.

تقع دول الخليج في قلب هذه المعادلة المزدوجة: فهي في الوقت ذاته مستهلكٌ استراتيجي لأنظمة ثاد وباتريوت، ومُموِّل لجزء من التوسع الصناعي الأمريكي عبر عقود توريد طويلة الأمد. يعني أي تأخر في التسليم فجوة دفاعية فعلية، والتوسع المتسارع يُترجم إلى قدرة ردع أعلى في مواجهة البرامج الصاروخية الإيرانية وامتداداتها الإقليمية. في الرابع من مارس/ آذار 2026، أكد المركزي الأمريكي (CENTCOM) الاستخدام القتالي الأول لصاروخ PrSM الدقيق في عملية “Furious Epic”، ما أضاف بُعداً جديداً للمعادلة الإقليمية.

الاعتراض كعملة استراتيجية

تكشف الاتفاقيات المتتالية التي أبرمتها هذه الشركات الأربع خلال الأسابيع القليلة الماضية أن الولايات المتحدة لا تُعيد تأهيل ترسانتها فحسب، بل تُعيد تعريف طبيعة الصناعة الدفاعية ذاتها: من نموذج الإنتاج الاحتياطي البطيء إلى نموذج المصنع الحربي الدائم.

تتحوّل صواريخ الاعتراض إلى عملة استراتيجية تُقاس بها قوة التحالفات وصدقية الضمانات الأمنية. يطرح هذا الواقع على صانعي القرار في العواصم العربية سؤالاً لا يحتمل التأجيل: هل تكفي عقود الشراء التقليدية لسدّ الاحتياجات في عالم تُستهلك فيه مخزونات الاعتراض بوتيرة لم تشهدها الترسانات الغربية من قبل؟ وهل بات الانتقال من الشراء الخارجي إلى الشراكة الصناعية المشتركة ضرورةً أمنية لا خياراً سياسياً؟ الإجابة ليست في ردهات البنتاغون، بل ستُكتب على متن الصواريخ القادمة.