جاء خبر الإقالات الواسعة لقيادات عسكرية في الجيش الأميركي، مع قرب إنتهاء المهلة المعطاة لإيران للإجابة على شروط الولايات المتحدة بشأن التوصل إلى إتفاق، ليطلق شرارة التحليلات والإستنتاجات، وليغير المشهد في طبيعة العلاقة بين المستويين السياسي والعسكري في الولايات المتحدة، فمن الواضح أن هناك خلافاً كبيراً بين هذين المستويين الذين يديران الحرب الحالية على إيران وحلفائها، وفي هذا الإطار، تُطرح جملة من الاسئلة سيتم الإجابة عنها عبر موقع دفاع العرب في هذا التقرير.
تُعتبر القرارات التي شهدها الجيش الأمريكي خلال الأيام الأخيرة تطورات لافتة تمثّلت في سلسلة إقالات وطلبات تقاعد طالت عددًا من كبار الضباط، بطلب من وزير الحرب “بيت هيغسيث”، وأثارت نقاشًا واسعًا حول أبعادها وتوقيتها، خصوصًا في ظل التوترات الإقليمية المتصاعدة. وقد أمر وزير الحرب رئيس أركان الجيش الأمريكي الجنرال “راندي جورج ” بالتقاعد فورا، كما أقال اثنين من الجنرالات الآخرين، هم “ويليام غرين” و”ديفيد هودني”، وكلاهما كانا يعملان في القيادة والتخطيط والدعم العملياتي.

من المفيد هنا الإشارة إلى أن رئيس أركان الجيش المُقال، هو رئيس فرع القوات البرية فقط وليس كافة الفروع والقيادات في القوات المسلحة الاميركية كما يعتقد البعض، من هنا يتبين أن طبيعة إقالة هذا الجنرال وزملائه الآخرين لها خلفيات خلافية متعلقة بالتخطيط والتنفيذ لعمليات برية مرتقبة على الاراضي الإيرانية، وهذا يذكرنا بما حصل قبل غزو العراق، حين أُقيل الجنرال “إريك شينسكي” والذي كان حينها رئيس أركان الجيش، وتمت إقالته بسبب معارضته عملية غزو العراق، معتبراً أنها تتطلب أعداد كبيرة جداً من القوات البرية والاصول العسكرية التي ستدعم هذه العملية، وتم الإتيان بضابط أقل رتبة ليقدم إيجازاً عن العملية تتوافق مع رأي وزير الدفاع حينها “دونالد رامسفيلد”.

إن طبيعة هذا الحدث وتوقيته، يشير إلى أن عمليات برية مرتقبة في إيران يتم دراستها حالياً وتوضع عليها اللمسات الاخيرة، وفي هذه الدراسة يتم تقييم المخاطر والخسائر المتوقعة، والعمل على تقليصها بإجراءات عسكرية لها طابع تكنولوجي مشابه لما حدث في عملية القبض على “مادورو” في فنزويلا، أما المكان المرتقب لهذه العمليات البرية، فيعتقد أنه قريب من طهران أو في محيطها، وفي بعض المواقع والمنشآت النووية. ومن المستبعد أن يتم إحتلال جزيرة خرج الإستراتيجية ذات القيمة الإقتصادية الكبيرة، كونها عبارة عن فخ ناري مليء بالمنشآت القابلة للتفجر والإشتعال، ما يجعل منها مكاناً غير صالح للبقاء.

وفي الحديث عن العمليات البرية المرتقبة، يجب الإشارة إلى الزيارة الغامضة التي قام بها نائب الرئيس الأميركي “جي دي فانس” إلى كل من أرمينيا وأذربيجان المجاورتان لإيران في شباط الماضي قبل إندلاع الحرب، وهو حدث مستغرب لجهة المستوى الرفيع الذي قام بها، والذي يتجاوز في أهميته الاهداف المعلنة للزيارة. والسؤال المركزي الذي يُطرح، هل هذه الزيارة متعلقة فقط بتعزيز السلام بين أرمينيا وأذربيجان و إقامة مشاريع تعاون طاقوي معهما، أم هي مرتبطة بالحرب على إيران وأعطاء الولايات المتحدة هامشاً أكبر للعمل العسكري، ربما إنطلاقاً من هذين البلدين، أو في الداخل الإيراني على حدودهما؟ وهل تم تركيز قواعد إستخباراتية وتجسسية فيهما لصالح الولايات المتحدة وإسرائيل؟ مع العلم أن نشاط الموساد الكبير في أذربيجان هو مسألة معروفة من زمن طويل، حيث يعتقد أن معظم عمليات التخريب والإغتيال في الداخل الإيراني تم إطلاقها ودعمها من هذا البلد.

مسألة أخرى هامة ومقلقة يجب الحديث عنها، وهي عملية إستخدام الولايات المتحدة لسلاح غير تقليدي ضد أهداف ومناطق إيرانية، وبالتحديد ضد مناطق تخزين اليورانيوم المخصب بنسب عالية، والتي تصر الولايات المتحدة على الحصول عليها كاملةً. ونتحدث هنا عن القنابل النووية التكتية، وهي محدودة التأثير ضمن نطاق قد لا يتجاوز دائرة قطرها 5 كلم، ولكنها تضمن شل العمل ومنع الدخول إليها لسنوات طويلة، وهناك تسريبات تحدثت عن درس هذا الخيار ووضعه على الطاولة كخيار أخير في حال تعذر التوصل إلى إتفاق مع إيران، وفي ظل عدم وجود خيارات عسكرية بديلة ومناسبة.
تراهن إيران على الوقت وعلى الخلافات الداخلية في الولايات المتحدة، معتبرة أن إطالة أمد الحرب سيفقد الرئيس “ترامب” مصداقيته ووعوده بحرب سريعة ونصر حاسم، لا سيما في ظل إمتناع حلفاؤه الاوروبيين عن دعم العملية العسكرية, مقابل ذلك، يريد ترامب توجيه ضربة ساحقة لكل مقومات الصمود وحرية العمل للنظام الإيراني، وقد تم استقدام أصول عسكرية جديدة إلى المنطقة، من ضمنها حاملة طائرات ثالثة وأعداد كبيرة من الطائرات، ابرزها 18 طائرة من نوع A-10 ، المتخصصة بالدعم الجوي القريب للعمليات البرية، والقادرة على تنفيذ هجمات دقيقة ومدمرة لأهداف حساسة وعالية القيمة.

يبدو من الواضح أن المستوى السياسي في الإدارة الأميركية مصر على تنفيذ عمليات برية في الداخل الإيراني، قد يكون لها طابع عمليات خاصة سريعة، أو توغل وإحتلال لوقت طويل يدعم تمرد أو ثورة داخلية مرتقبة. وفي هذا الشأن، قد تبدأ المرحلة الثانية من الحرب الأكثر عنفاً والتي تختلف عن سابقاتها خلال 24 ساعة، وقد تنتظر إنتهاء المهلة الممنوحة لإيران حتى السادس من نيسان الحالي، ولكن المؤكد أن التفاوض يسير نحو طريق مسدود، وما هو آتٍ عظيم سيزيد من عنف القصف وسيوسع مسرح العمليات لتشمل اليمن والبحر الأحمر، وربما إقفال مضيق باب المندب، لتكتمل الخطة الإيرانية النهائية في الموقف العسكري، والذي تريد منه الضغط ليس فقط على الولايات المتحدة وإسرائيل ودول الخليج، بل ايضاً على دول العالم كافة.




