إيران وإستراتيجية اللا إتفاق واللا حرب

العقيد الركن م. ظافر مراد

تشير المعلومات المتداولة إلى أن زيارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى الصين، ناقشت المواضيع الإقتصادية بالدرجة الأولى، والحفاظ على العلاقة الجيدة بين البلدين، إلا أنها على مستوى الأمن، لم تقدم أي جديد في الملفات العالمية، لا في الحرب الروسية-الأوكرانية، ولا في الحرب على إيران، ولا حتى في المسألة التايوانية، ويعود السبب في ذلك إلى عدم قدرة البلدين في الوقت الحالي على تقديم وعود أو ممارسة أي ضغوطات على أطراف الصراع، بما ينتج مخرجات تتوافق مع رؤية الصين في حل المسألة التايوانية، أو في خطة الولايات المتحدة لإنهاء الصراع مع إيران. أما بالنسبة للحرب بين روسيا وأوكرانيا، فالأمور تسير على ما يرام بالنسبة للرئيسين، فالرئيس الصيني لا يريد هزيمة روسيا هناك، والرئيس الأميركي غير مهتم بإنتصار أو هزيمة أوكرانيا ومن خلفها أوروبا في هذه الحرب. وبالنسبة للملف الإيراني، فالجميع يُدرك أن هناك حدود لمستوى الضغط الذي تستطيع الصين ممارسته على القيادة الإيرانية، خاصة أن هذه الحرب بالنسبة للأخيرة هي حرب وجودية، لا يمكن فيها تقديم تنازلات تهدد مستقبل النظام الديني القائم.

تشتهر الديبلوماسية الإيرانية بمهارة فائقة ونفس طويل في عمليات التفاوض التي خاضتها سابقاً وتخوضها حالياًً، وما يمكن وصفه اليوم في مسار التفاوض الأميركي-الإيراني، هو نموذج عن هذا الإسلوب في التفاوض عبر مزيج من الديبلوماسية والنار والإدارة لأزمة مضيق هرمز، والاستراتيجية الإيرانية الحالية ليست تناقضًا بين التفاوض والتصعيد، بل هي نموذج جديد هجين يجمع بين المهارة الديبلوماسية، الضغط على مصادر الطاقة، تهديد التجارة البحرية وسلاسل الإمداد والتوريد، تهديد إستقرار الخليج، ورفع كلفة الإنتشار الأميركي في المنطقة، مستفيدة من عدة إعتبارات داخلية في الولايات المتحدة، أبرزها المهلة القصوى لأي حرب يعلنها ترامب دون موافقة الكونغرس.

في الوقت الذي يستمر فيه تبادل الرسائل بين إيران والولايات المتحدة، يبدو ملفتاً الموقف الإيراني الصلب والمتشدد تجاه أكثر من نقطة، وسلوكها الديبلوماسي والعسكري الحالي يقول حرفياً:  “إذا لم أحصل على ضمانات ومكاسب سياسية وإقتصادية، فسأجعل الإستقرار العالمي أكثر تكلفة من ما أطلبه في هذه المفاوضات”.

تدرك إيران جيداً أنها لا تستطيع مواجهة أميركا في حرب تقليدية، لكنها تستطيع تحويل كل الممرات البحرية في المنطقة إلى نقطة ابتزاز جيوسياسي، وعلى الرغم من الضربات العسكرية الساحقة التي تلقتها، إلا أنها تحاول إثبات أن هذه الضربات لم تؤد إلى تحقيق أهداف الإدارة الأميركية، وبالتالي فهي تطرح خيارين على الخصم الأميركي، الأول أن يقبل بالشروط الإيرانية التي قد يتم صقلها إلى حدٍ مقبول، والثاني جولة عسكرية أكثر عنفاً لا تضمن إستسلام القيادة الإيرانية، مع الإشارة هنا إلى أن إيران تعوِّل على التعقيدات والإعتراضات على جولة عسكرية إضافية في الداخل الأميركي.

تعتقد إيران أن واشنطن لا تخشى السلاح الإيراني في هذه المواجهة، ولكنها تخشى:   حرب استنزاف طويلة، ارتفاع أسعار الطاقة، تحوّل منطقة الخليج إلى بيئة خارجة عن السيطرة، وأخيراً والأهم إنهيار هيبة القوة الأميركية. إيران تعلم أنها لن تنتصر في المواجهة العسكرية، ولكنها تجعل من إدارة الصراع قضية مكلفة ومؤلمة ليس فقط للولايات المتحدة، بل لكافة الأطراف الإقليميين والعالميين، والذين قد يضغطون بقوة للتوصل إلى إتفاق سريع لإنهاء أزمة مضيق هرمز.

وهنا يُطرح سؤال هام جداً، ماذا لو كانت إيران لا تريد الإتفاق أصلاً؟ وماذا لو أنها تريد اللعب على حافة الهاوية بعد ان قدَّمت أغلى ما عندها ولم يعد لديها ما تخسره؟ في الحقيقة إن هذا الطرح واقعي ومنطقي بالنسبة للخبراء في الشأن الإيراني، وهو يستند إلى رغبة القيادة الغيرانية بمعاقبة ترامب ومنعه ليس فقط من تحقيق أي نصر، بل أيضاً منعه من التوصل إلى أي إتفاق، ومنعه من إنهاء الصراع ولو بالحد الأدنى المقبول عند إدارته.

في حال كان ذلك صحيحاً، فما هي نقاط القوة التي تعتمد عليها إيران في هذا الخيار؟

  1. على مستوى التجارة البحرية وسلامة سلاسل الإمداد والتوريد للطاقة، فهناك أمن مضيق باب المندب، لم يتم إستثماره بالشكل الكافي في هذه المواجهة، وقد يتصاعد الصراع ويمتد إلى هذا المضيق، حيث سيصبح نقطة إبتزاز ثانية وأزمة في سلاسل الإمداد والتوريد.
  2. سلامة الحزمة الهائلة من شبكات الألياف الضوئية البحرية التي تمر في أعماق مضيقي هرمز وباب المندب، فهذه الشبكة هي عقدة بيانات معلوماتية مالية وعسكرية هامة جداً، وأي أضرار فيها ستؤثِّر بشكل كبير على أنظمة كثيرة تعتمد عليها، وإن إصلاح أي أضرار فيها في ظروف الحرب، هو مسألة صعبة ومعقدة أكثر من تأمين مرور السفن عبر مضيق هرمز.
  3. أظهرت القيادة الإيرانية البديلة صلابة وتماسكاً في مرحلة حرجة جداً من الصراع، وبالتالي فهي تقبل بمخاطر عالية، تعتقد أنها قادرة على مواجهتها والمحافظة على بقاء النظام، فقوات الباسيج وعناصر أمنية أخرى إستطاعت ضبط الداخل الإيراني، وهي الآن تقبض على هذا الأمن بصرامة وحزم شديدين، لا تسامح ولا تهاون فيهما.

ماذا عن الموقف الأميركي واوراق القوة عند ترامب؟

  1. نقل المواجهة من الصدام الشامل والمباشر، إلى حصار الموانيء الإيرانية، أربك حركة التجارة والنقل للنفط الإيراني إلى الخارج، ومنع عن إيران مليارات الدولارات التي كانت تجنيها من هذه التجارة.
  2. أربك هذا الحصار منظومة الطاقة وعمليات الإستخراج والتخزين والتصدير للنفط، فعلقت إيران في فخ التخزين الذي وصل لأقصى درجاته، وهي حالياً لا تملك خيارات وحلول لهذه المعضلة، وبالتالي فإن صمودها إقتصادياً وطاقوياً لن يستمر طويلاً من وجهة نظر الأميركيين.
  3. سلسلة من العقوبات والتقييدات في التعامل الدولي مع إيران، وهذه ورقة قوة أميركية تمارسها من خلال نفوذها على المؤسسات المالية الدولية والنظام الإقتصادي العالمي.
  4. بدء تشكيل قوة بحرية دولية لحماية المرور في مضيق هرمز، بعد أزمة شلل حركة السفن وارتفاع تكاليف التأمين، حيث تعتقد الإدارة الأميركية أنه من خلال هذه القوة ستنخرط دول عديدة في مواجهة السلوك الإيراني في مضيق هرمز، وربما ستخوض مواجهات عسكرية هناك لتأمين المرور وفتح المضيق. 
  5. دور إسرائيل الحليفة الأولى للولايات المتحدة الاميركية، والتي تمتلك قدرات عسكرية هائلة ونوعية، تستطيع من خلالها معاودة الهجمات على الاراضي والمنشآت والقواعد الإيرانية في حال تطلب الأمر ذلك، وفي حال وجود عوائق قانونية تقيِّد إدارة ترامب في متابعة الحرب مع إيران.

من خلال كل ما تقدم، ومن خلال تحليل المواقف والمعطيات الموجودة، يبدو أن عملية التفاوض وصلت لطريق مسدود، فنحن أمام صنَّاع قرار غير عقلانيين، يقبلون بدرجات عالية جداً من المخاطر، ويجازفون بسلامة وأمن وإستقرار مصالح العديد من الدول التي لا شأن لها في هذا الصراع، وكلاهما يراهنان على ضغوطات دولية على الطرف الآخر.

يبدو أن الواقع الحالي سيستمر، حصار بحري على إيران قد يترافق مع ضربات محدودة لبعض المنشآت والقدرات العسكرية، إستمرار التصعيد على جبهة لبنان بإنتظار نتائج المفاوضات اللبنانية-الإسرائيلية المباشرة، والتي على الأرجح ستقدم عناوين جذابة ولكن غير قابلة للتطبيق الفعلي، ما يعطي إسرائيل ذريعة للتحرك بحرية في الداخل اللبناني، إستمرار لتهديد سلاسل الإمداد والتوريد في مضيق هرمز، وهذا سيدفع إلى التسريع بتشكيل قوة دولية لحماية التجارة في هذا المضيق. إنسداد المسار الديبلوماسي ومراوحة على الرغم من تدخل أطراف دولية أخرى في إنعاش عملية التفاوض.

كل ذلك سيقود على الأرجح إلى جولة عسكرية أخرى قد تكون أشد عنفاً وضراوة، وربما نشهد فيها نماذج جديدة من الإستهدافات والأعمال العسكرية التي لم يسبق لها مثيل.