عاد مطار الجورة العسكري في شمال سيناء إلى واجهة النقاش الإقليمي، بعد أن نشر المحلل الإسرائيلي بن تسيون مكالس في الحادي عشر من مايو/أيار 2026 منشوراً على منصة إكس وصف فيه ما أسماه تطوراً لافتاً في الموقع، متحدثاً عن أعمال تجريف وإعادة رصف بالإسفلت لمدرج الإقلاع المهجور داخل القاعدة، مستنداً إلى صور أقمار صناعية من مصادر مفتوحة.
وتُشير المعطيات المتاحة إلى أن هذه الأعمال بدأت في يناير/كانون الثاني 2026، وتضمنت إزالة وتسوية التربة داخل نطاق القاعدة، إلى جانب إعادة تأهيل المدرج المهجور. ويقع مطار الجورة على بُعد نحو 14 كيلومتراً غرب الحدود المصرية الإسرائيلية، وتاريخياً هو جزء من قاعدة تستضيف قوات المراقبة متعددة الجنسيات المنبثقة عن اتفاقية كامب ديفيد، وهو ما يُضفي على أي نشاط فيه طابعاً قانونياً وسياسياً بالغ الحساسية.
سياق موسّع: التوتر الإسرائيلي المصري المتصاعد
لا يأتي هذا الجدل منفصلاً عن سياق أوسع. ففي سبتمبر/أيلول 2025، كشف موقع أكسيوس الأميركي أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو رفع خلال لقائه بوزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو في القدس قائمةً بما وصفه انتهاكات مصرية جوهرية لاتفاقية السلام عام 1979، شملت تمديد مدارج قواعد جوية لاستيعاب طائرات مقاتلة وإنشاء منشآت تحت الأرض يعتقد الاستخبارات الإسرائيلية أنها قد تُستخدم لتخزين صواريخ.
وفي الاتجاه ذاته، وصف السفير الإسرائيلي لدى واشنطن يهيئيل لايتر ما يجري بأنه “انتهاك بالغ الخطورة”، فيما سلّم الجانب الإسرائيلي واشنطن قائمة ادعاءات تتضمن تضخم أعداد القوات وتواجد أسلحة ثقيلة وبناء بنية تحتية ذات استخدام هجومي محتمل.
غير أن مصادر دبلوماسية أوروبية أشارت، وفق ما نقلته تقارير متخصصة، إلى أن القاهرة لا تنفي التعزيز العسكري بما فيه إنشاء منشآت جوية، إلا أنها لم تعثر على ما يُثبت نية هجومية. كما رأت الباحثة مريم وهبة من مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات (FDD) أن هذه التحركات ليست بالضرورة خارج المألوف، لكنها تختلف هذه المرة في غياب الإشعار المسبق للولايات المتحدة والموافقة الإسرائيلية المعتادة، وفق ما أفادت به لموقع JNS في فبراير/شباط 2025.
الرواية المصرية الرسمية
تؤكد القاهرة أن حضورها العسكري في سيناء يندرج ضمن إطار تأمين الحدود ومكافحة الإرهاب والتهريب، وأنه يجري وفق آليات التنسيق المنصوص عليها في معاهدة السلام. وكانت الهيئة العامة للاستعلامات قد شددت في مناسبات سابقة على أن مصر تتصرف ضمن الأطر القانونية المنظِّمة للوضع الأمني في شبه الجزيرة.
قراءة تحليلية
يرى مراقبون أن التقارير الإسرائيلية المتواترة تجمع بين بُعدين متشابكين: بُعد استخباراتي يستند إلى صور الأقمار الصناعية والمصادر المفتوحة، وبُعد سياسي يهدف إلى توجيه ضغط على القاهرة في ظل توترات الحرب في غزة والمخاوف المصرية المُعلنة من أي سيناريو تهجير قسري للفلسطينيين نحو سيناء. وقد ربطت مراكز أبحاث دولية، من بينها تشاتام هاوس، بين حدة الخطاب الإسرائيلي تجاه سيناء وهواجس مصر المتعلقة بهذا الملف.
في المحصلة، تبقى وقائع مطار الجورة الأخيرة موثقة جزئياً عبر صور الأقمار الصناعية والمصادر المفتوحة، في حين تظل النية من ورائها ومداها الحقيقي في دائرة التقدير والتأويل، لا الحقائق المُثبتة.






