هل تملأ كوريا الجنوبية فراغ منظومات الدفاع الصاروخي في الشرق الأوسط؟

جنود كوريون جنوبيون يركضون باتجاه صاروخ أرض-جو من طراز تشيونغونغ-2،
جنود كوريون جنوبيون يركضون باتجاه صاروخ أرض-جو من طراز تشيونغونغ-2،

أحدث اندلاع الحرب مع إيران استنزافاً غير مسبوق في مخزونات الاعتراض الصاروخي لدول الشرق الأوسط، وسط حالة من الغموض تكتنف مآلات الهدنة الأمريكية-الإيرانية الراهنة. في هذا السياق، باتت حكومات المنطقة في سباق محموم لتجديد ترساناتها الدفاعية، وقد أطلّ نظام ‘تشيونغونغ-2’ الكوري الجنوبي للدفاع الصاروخي برأسه بوصفه خياراً استراتيجياً جدياً، بعد أن أثبت كفاءته القتالية على أرض الواقع، مما فتح آفاقاً واسعة أمام صناعة الدفاع الكورية في خضم شحٍّ عالمي حاد في منظومات الاعتراض.

غير أن هذه الفرصة الذهبية تصطدم بعقبة راهنة لا يمكن تجاهلها؛ إذ لا يتجاوز إنتاج التحالف الصناعي المُصنِّع لـ’تشيونغونغ-2′ ثماني بطاريات سنوياً، فيما لا يزال الملف الأشمل للدفاع الصاروخي الكوري يرزح تحت أعباء منظومات قيد التطوير، سواءٌ على صعيد الدفاع الجوي بعيد المدى، أو منظومة الارتفاعات المنخفضة المماثلة للـ’قبة الحديدية’ الإسرائيلية، أو حتى صواريخ اعتراض الطائرات المسيّرة التي لم تتجاوز بعد عتبة الإنتاج الفعلي. أما الميزة الحقيقية فتتجلى في المدى المتوسط: إذ يُكلّف النظام نحو ثُلث تكلفة نظيره الأمريكي ‘باتريوت’، ويملك المصنّعون الكوريون قدرة على التوسع السريع وبتكاليف تنافسية تفوق معظم المنافسين. وإذا نجحت سيول في رفع طاقتها الإنتاجية بما يتناسب مع حجم الطلب، فإن كوريا الجنوبية مرشحة لتصبح حضوراً راسخاً ودائماً في منظومة التوريد الدفاعي لحلفائها.


العجز الإقليمي في مخزونات الاعتراض

كشفت الحربان في أوكرانيا وإيران على حدٍّ سواء عن المكانة المحورية لمنظومات الدفاع الجوي والصاروخي متعددة الطبقات في مواجهة أسراب الصواريخ الباليستية والجوّالة والطائرات المسيّرة. وعلى الرغم من أن هذه المنظومات صُمِّمت أصلاً لاعتراض الصواريخ، فقد باتت تُستنزَف بشكل متصاعد في التصدي لهجمات المسيّرات الرخيصة نسبياً. وفي مواجهة هذا الواقع، ابتكرت أوكرانيا أساليب مضادة للمسيّرات بتكاليف منخفضة بهدف الحفاظ على مخزوناتها الصاروخية المحدودة.

وضمن هذه المعمارية الدفاعية الطبقية المتكاملة، يتولى نظام ‘ثاد’ (THAAD) مهمة اعتراض الصواريخ على الارتفاعات العليا وعلى مسافات بعيدة، في حين يُغطي نظام ‘باتريوت’ التهديدات على الارتفاعات المنخفضة. وعلى الرغم من تكاملهما، يظل ثمة فجوات ملموسة في مواجهة الصواريخ منخفضة التحليق والمسيّرات والمدفعية، وهي الثغرات التي تسدّها بامتياز منظومة ‘القبة الحديدية’ الإسرائيلية. وفي سياق الصراع الراهن، أعادت الولايات المتحدة نشر بطاريات ‘ثاد’ و’باتريوت’ المنسحبة من مناطق أخرى لتعزيز الدرع الدفاعي في الشرق الأوسط، إلى جانب بطاريات ‘باتريوت’ التي سبق لدول الخليج اقتناؤها.

وقبيل اندلاع الحرب، أشارت بيانات صفقات الأسلحة الأمريكية إلى أن المملكة العربية السعودية كانت تمتلك نحو 1,800 صاروخ ‘باتريوت’ اعتراضي، فيما حازت قطر على 1,000 وحدة، والإمارات العربية المتحدة على 900 وحدة. ومنذ اندلاع الحرب، أطلقت إيران ما يزيد على 5,800 ضربة حتى مطلع أبريل/ نيسان، وهو ما أجهد مخزونات الاعتراض الإقليمية إجهاداً بالغاً.

وتتعدد أجيال صواريخ ‘باتريوت’ ومتغيراتها، إلا أن الغالبية العظمى المُستخدَمة لدى دول الشرق الأوسط هي النسخة ‘PAC-3’، المتقاطعة في خصائصها مع ‘تشيونغونغ-2’؛ إذ يعتمد كلٌّ منهما مبدأ الاعتراض الصاروخي بالصاروخ، وإن تباينا في المدى والسرعة والارتفاع الأقصى للاشتباك.

وبحلول أواخر مارس/ آذار، كان قد استُنفد ما يُقدَّر بـ75% من مخزونات ‘باتريوت’ الاعتراضية لدى كلٍّ من الإمارات والكويت، في حين بلغت نسبة الاستنزاف في البحرين 87%. أما المملكة العربية السعودية، التي لا تُفصح عن بياناتها المخزونية، فإن تطبيق معدلات استهلاك مماثلة يُرجِّح أن قطر والمملكة والإمارات مجتمعةً قد استنفدت ما لا يقل عن 2,775 صاروخاً اعتراضياً.

يتفوق نظام الدفاع الجوي الكوري الجنوبي على نظام باتريوت في منطقة الصراع  بالشرق الأوسط.

وعلى الجانب الأمريكي، تفيد وثائق داخلية للبنتاغون باستنزاف أكثر من 1,300 صاروخ ‘باتريوت’ و’ثاد’. وتُقدّر تحليلات مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS) أن الولايات المتحدة أنفقت في هذا الصراع ما يعادل 50% من مخزونها الإجمالي من صواريخ ‘ثاد’. وللتوسع في فهم حجم هذا الاستنزاف، يكفي الإشارة إلى أن الضربات الأمريكية على إيران عام 2025 وحدها استلزمت توظيف 92 صاروخ ‘ثاد’ الاعتراضي، أي ما يُشكّل 14% من المخزون الكلي، إضافةً إلى 30 صاروخ ‘باتريوت’. وعلى امتداد أربع سنوات من الحرب في أوكرانيا، تلقّت كييف وأنفقت نحو 600 صاروخ ‘باتريوت PAC-3’، وعدداً مماثلاً تقريباً من نسخة ‘PAC-2’، دون أن تحظى بأي بطاريات ‘ثاد’.

وتجاوباً مع الحاجة الملحة لإعادة تعبئة هذه المخزونات، أجازت الولايات المتحدة صفقات تشمل 5,250 صاروخاً اعتراضياً موجَّهة للبحرين والكويت وقطر والإمارات العربية المتحدة.


اختناقات الإنتاج تفتح الطريق نحو سيول

لا تقف مشكلة دول الخليج عند حدود معدلات الاستهلاك المرتفعة، بل تمتد إلى قيود هيكلية في خطوط الإنتاج. فالطاقة الإنتاجية لصواريخ ‘باتريوت’ و’ثاد’ الاعتراضية تُعاني من سقف منخفض. وتطمح شركة ‘لوكهيد مارتن’ إلى رفع إنتاج صاروخ ‘باتريوت PAC-3 MSE’ من 600 وحدة سنوياً إلى 2,000 وحدة بحلول نهاية عام 2030، فيما تعهّدت بمضاعفة إنتاج صواريخ ‘ثاد’ الاعتراضية من 96 إلى 400 وحدة سنوياً على مدار السنوات السبع المقبلة. بيد أن هذه التوسعات مشروطة بالحصول على تمويل مسبق من الكونغرس.

أما على الصعيد الياباني، فإن شركة ‘ميتسوبيشي للصناعات الثقيلة’ المرخَّصة بإنتاج 30 صاروخ ‘PAC-3’ سنوياً، ولديها القدرة النظرية على الوصول إلى 60 وحدة، تبقى طاقتها قاصرة عن تلبية الطلب المتنامي بمفردها.

والجدير بالملاحظة أن الصفقات الاعتراضية المعتمدة لصالح البحرين والكويت وقطر والإمارات تتجاوز بشكل ملحوظ التقديرات التي يرصدها مركز CSIS لمخزونات الاعتراض الأمريكية، مما يعني أن الجزء الأكبر من هذه الصفقات سيستلزم إنتاجاً جديداً بالكامل، وهو ما يعني سنوات من الانتظار قبل أن يُغطّى الطلب الفعلي.

في خضم هذا الواقع، باتت معدلات الاستخدام المرتفعة وقصور الطاقة الإنتاجية الأمريكية واليابانية يدفعان دول الخليج نحو تنويع مصادر تسليحها، وقد احتل نظام ‘تشيونغونغ-2’ صدارة هذه القائمة في أعقاب نجاحاته الميدانية المُثبَتة. والنظام في جوهره تطوير للمنظومة الكورية الأصيلة لصواريخ أرض-جو، استكمل مراحل تطويره وجرى نشره عملياً لأول مرة في نوفمبر/ تشرين الثاني 2020، دون أن يخوض أي اختبار قتالي حقيقي قبل اشتعال الحرب في الشرق الأوسط.

وقبيل الحرب، كانت كلٌّ من العراق والمملكة العربية السعودية والإمارات قد أبرمت عقوداً لاقتناء نظام ‘تشيونغونغ-2’، وهي اليوم تنظر بجدية إلى كوريا الجنوبية بوصفها مَخرجاً من أزمة شُح المخزونات. ففي عام 2022، أبرمت الإمارات عقداً للحصول على عشر بطاريات (تحمل كل بطارية 32 صاروخاً اعتراضياً)، تبعتها المملكة العربية السعودية بعقد لعشر بطاريات، فيما يمتلك العراق عقداً لثماني بطاريات. وحتى اللحظة، سُلِّمت للإمارات بطاريتان فقط من أصل العشر المتعاقد عليها، في حين لا يزال العراق والمملكة ينتظران التسليم، وقد طلبت الدول الثلاث تسريع الجدول الزمني للتوريد.

وتتواصل تقارير عن اهتمام كويتي وقطري بالحصول على النظام، مع مفاوضات تجريها الدوحة على ما يُشار، وطلبها تسليماً مُعجَّلاً. وتجدر الإشارة إلى أن سويسرا تُعدّ وفق المعطيات المتاحة أول دولة خارج نطاق الشرق الأوسط تدرس جدياً اقتناء هذا النظام.


قيود سيول الإنتاجية

على الرغم من تصاعد الطلب، قد تعجز كوريا الجنوبية في المدى القريب عن الوفاء بالاحتياجات الدولية المتنامية.

يُنتج نظام ‘تشيونغونغ-2’ تحالفٌ صناعي كوري: تتولى شركة LIG Nex1 تكامل المنظومة وتصنيع صواريخ الاعتراض، فيما تنتج Hanwha Aerospace المركبات ومنصات الإطلاق، وتُوفّر Hanwha Systems منظومة الرادار المتطور.

وعقب إبرام العقود الخليجية الأولى، عمل التحالف على رفع طاقته الإنتاجية، إلا أنه لا يتجاوز راهناً ثماني بطاريات سنوياً. وبما أن معدلات إنتاج الصواريخ الاعتراضية غير مُعلنة رسمياً، يُرجَّح أنها تقل عن 300 وحدة سنوياً إذا ما توازت مع إيقاع إنتاج البطاريات، وهو ما يُقيِّد قدرة كوريا على سد الطلب الخارجي دون المساس بمخزوناتها الاستراتيجية الوطنية، التي تحجم الحكومة عن إجراء أي تقليص فيها حرصاً على متطلبات الردع في مواجهة كوريا الشمالية.

وعلى صعيد المنظومات المكملة، لا تزال الصورة ناقصة؛ فمنظومة ‘إل-سام’ (L-SAM) للدفاع الجوي بعيد المدى استكملت تطويرها في نهاية عام 2024 ودخلت مرحلة الإنتاج الكمي العام الماضي. وتُسرِّع كوريا تطوير منظومة للدفاع على الارتفاعات المنخفضة مماثلة لـ’القبة الحديدية’ الإسرائيلية، لكنها تفتقر إليها حتى اللحظة، فضلاً عن محدودية قدراتها في اعتراض الطائرات المسيّرة.

وفي نهاية المطاف، يتوقف تحقق هذا الطموح الكوري على حسن التنفيذ: فعلى شركتَي LIG Nex1 وتابعات Hanwha إدارة احتمالات الاختناقات في سلاسل التوريد وضمان توافر قدرات الاختبار اللازمة للحفاظ على معايير الجودة. فإن نجحتا في ذلك، فإن كوريا الجنوبية مرشحة لتغدو في السنوات المقبلة مورِّداً رئيسياً لمنظومات الدفاع الصاروخي في السوق الدولية.

المصدر: Korea Economic Institute of America (KEIA)