صاروخ “نشتر” التركي: كيف استبدلت “روكتسان” الرأس الحربي المتفجر بشفرات تنبثق قبل الاصطدام؟

صاروخ "نشتر" التركي
صاروخ "نشتر" التركي

خاص – Defense Arabia

أزاحت شركة روكتسان التركية الستار، يوم 5 من أيار/مايو الجاري، عن صاروخ “نشتر” (Neşter)، الذي تعني تسميته بالتركية “المبضع”، بوصفه ذخيرةً دقيقةً صُمِّمت لتنفيذ ضربات حركية دون استخدام مواد متفجرة، وذلك ضمن فعاليات معرض “ساحة 2026” الدولي للصناعات الدفاعية والطيران والفضاء في إسطنبول.

وأعلنت الشركة أن الصاروخ يستعيض عن الرأس الحربي التقليدي برأسٍ حركي مزوَّد بشفرات معدنية تنبثق قبل لحظة الاصطدام مباشرة، في تصميمٍ يستهدف الأفراد والمركبات المدرعة الخفيفة بدقةٍ “جراحية”.

مبضعٌ بلا متفجرات.. مواصفات نشتر التقنية

يبلغ طول صاروخ نشتر 0.95 متر، ويزن 23 كيلوغرامًا فحسب، وهو ما يجعله مرشحًا مثاليًا للإطلاق من الطائرات المسيّرة والطائرات الهجومية الخفيفة، ويصل مداه الأقصى إلى نحو 15 كيلومترًا عند إطلاقه من ارتفاع 20 ألف قدم بسرعة 100 عقدة.

يستند الصاروخ في توجيهه إلى نظام ملاحة بالقصور الذاتي (INS) مدعومًا بباحث ليزري شبه نشط لتعقّب انعكاس الهدف، وهي توليفة شائعة في الذخائر الدقيقة المصمَّمة للاشتباك مع أهدافٍ نقطية. غير أن الفارق الجوهري بين نشتر ونظيراته يكمن في رأسه الحربي؛ فالصاروخ لا يحمل مادةً متفجرة، بل يستثمر الطاقة الحركية وشفراتٍ معدنية تنبثق بفعل مستشعر اقتراب قبيل لحظة الإصابة.

ورغم الترويج لهذا التصميم كتحول جديد، إلا أنه يمثل فعلياً الاستجابة التركية لمفهوم تشغيلي أثبتته الولايات المتحدة مسبقاً عبر صاروخ (AGM-114R9X Hellfire) المعروف بـ “صاروخ النينجا”، والذي استُخدم لسنوات في عمليات الاغتيال الدقيقة.

فلسفة “صفر أضرار جانبية”

يعكس هذا التصميم تحوّلًا في عقيدة الاستهداف لدى الجيش التركي. فقد صرّح المدير العام لروكتسان، مراد إيكينجي، بأن نشتر طُوِّر استجابةً لطلبٍ من القوات المسلحة التركية على ذخائر مخصَّصة لعمليات لا تُحدث أي أضرار جانبية، وفق ما أوردته وكالة الأناضول في تقريرها المنشور في الثامن من أيار/مايو. ووصف إيكينجي الصاروخ بأنه منتجٌ “سيُحدث فارقًا في ساحة المعركة بدقةٍ جراحية”.

ينسجم هذا التوجه مع تحوّلٍ أوسع في عقيدة الذخائر الذكية عالميًا؛ إذ يتنامى الطلب على ذخائر تستهدف هدفًا نقطيًا بعينه دون توسيع نصف قطر الإصابة، خاصة في البيئات الحضرية الكثيفة أو حين يُحاذي الهدفُ مدنيين أو منشآت حساسة، وذلك في سياق نقاشاتٍ قانونية وأخلاقية متصاعدة حول الأضرار غير المباشرة للضربات الجوية تتقاطع مع صراعاتٍ حضرية متعددة في الإقليم.

ليس وحده.. ثلاث ذخائر أخرى تكشف ملامح الجيل المقبل

لم تَقصِر روكتسان كشفها على نشتر، بل دشّنت في المعرض ذاته 3 منظومات إضافية تعكس مجتمعةً اتساع طموحات أنقرة الدفاعية.

يتصدّر هذه المنظومات صاروخ “جيدا” (Çıda) المضاد للدروع، الذي يصل مداه إلى 35 كيلومترًا من المنصات البرية و55 كيلومترًا من المروحيات، ويستخدم باحثًا هجينًا تلفزيونيًا/حراريًا/ليزريًا، ويليه نسخةٌ مضادة للطائرات المسيّرة من صاروخ “جيريت” (Cirit)، مزوَّدة بمستشعر اقتراب ورأسٍ حربي مخصَّص لمواجهة المسيّرات الانتحارية المنخفضة، يصل مداها إلى نحو 8 كيلومترات.

وفي مقدمة المنظومات الجوية، أزاحت الشركة الستار عن صاروخ كروز مصغَّر بمدى 250 كيلومترًا، ووزن 125 كيلوغرامًا، وطول 2.4 متر، مصمَّم للإقلاع من المسيّرات القتالية مثل “أكينجي” و”أنقا”، ومخصَّص أساسًا لاستهداف منظومات الدفاع الجوي المعادية، وفق تصريحات إيكينجي للأناضول.

وحضر وزير الدفاع التركي يشار غولر مراسم الكشف، مؤكدًا أن أنقرة تأمل في توظيف هذه المنظومات للردع، لكنها لن تتردد في استخدامها بفعالية عند الحاجة.

روكتسان نحو تصدير المليار دولار

يتجاوز هذا الكشف حدود المنتج العسكري ليُعلن عن طموحٍ صناعي تركي أوسع. فقد صرّح إيكينجي بأن روكتسان تستهدف الاقتراب من مليار دولار في الصادرات هذا العام، وتتوقع أن تتجاوز إيراداتها الإجمالية 3 مليارات دولار، صعودًا من ملياري دولار في 2025، وفق وكالة الأناضول.

وتترجَم هذه الطموحات إلى استثمارات على الأرض. تعمل الشركة على افتتاح منشأة إنتاج بقيمة مليار دولار، إلى جانب برنامج بنيةٍ تحتية إضافية بنحو ملياري دولار، وما تصفه بأنه “أكبر مصنع رؤوس حربية في أوروبا” قيد الإنشاء. وتتوسّع روكتسان أيضًا في تقنيات الجيل المقبل، فتدمج الذكاء الاصطناعي في منصاتها الصاروخية، وتستثمر في أنظمة ملاحة لا تعتمد على نظام تحديد المواقع GPS، ومستشعرات كمومية، ومنصات إيصال فرط صوتية مثل صاروخ “طوفان بلوك-4” الباليستي.

تتقاطع هذه التحولات مع مؤشّرات معرض ساحة 2026 نفسه؛ إذ ضمّ المعرض ممثلين من 120 دولة وأبرم اتفاقياتٍ بقيمة 8 مليارات دولار خلال أيامه الخمسة، في رقمٍ يعكس انتقال صناعة الدفاع التركية من مرحلة التموضع إلى مرحلة الحصاد.

“يلدريم خان”.. الصاروخ الأكبر في الخلفية

في الموازاة، أزاحت وزارة الدفاع التركية الستار في المعرض ذاته عن صاروخٍ باليستي عابر للقارات أُطلق عليه اسم “يلدريم خان”، يُفترض أن يصل مداه إلى نحو 6 آلاف كيلومتر وسرعته إلى 25 ماخ.

يحمل هذا الكشف رمزيةً تتجاوز مواصفاته التقنية؛ فظهور صاروخٍ بمدى عابر للقارات في عرضٍ علنيٍّ من دولةٍ في حلف شمال الأطلسي يُمثّل تحوّلًا نوعيًا في خارطة القوى الصاروخية الإقليمية، ويمنح أنقرة طبقة ردعٍ كانت حتى وقتٍ قريب حِكرًا على القوى النووية الكبرى.

قراءةٌ من الشرق الأوسط

تطرح هذه التطورات مجتمعةً قراءاتٍ متعدّدة من زاوية المنطقة العربية. فمن جهة، يُتاح لدول الإقليم الباحثة عن مصادر تسلّحٍ بديلة عن سلاسل الإمداد الغربية الوصولُ إلى ذخائر دقيقة بكلفةٍ قد تكون أدنى، وفق تقديرات الصناعة، من نظيراتها الأمريكية أو الأوروبية، فضلًا عن مرونةٍ أكبر في شروط نقل التكنولوجيا والتصنيع المشترك.

ومن جهةٍ أخرى، يُعيد التوسّع الصاروخي التركي رسم معادلات الردع في حوض شرق المتوسط والخليج. فبينما تستثمر عواصم خليجية وعربية متعددة في صناعاتها الدفاعية المحلية، تُقدّم روكتسان نفسها مورّدًا “غير غربي” لكنه ليس صينيًا ولا روسيًا، وهو موقعٌ مغرٍ لدول تسعى إلى التنويع دون الانخراط في معادلات الاستقطاب الكبرى.

لحظةٌ فارقة في صناعة الذخائر

يفرض الكشف عن نشتر سؤالًا أوسع من تفاصيله التقنية: هل تشهد صناعة الذخائر تحوُّلًا نحو نموذج “ما بعد المتفجرات”، يربط بين الفعالية القتالية والقيود القانونية والأخلاقية المتنامية؟ تُقدّم روكتسان “المبضع” التركي بوصفه إجابةً جزئية، لكن قراءة الكشف في مجمله، من الذخيرة الحركية الصغيرة إلى الصاروخ العابر للقارات، تُبيّن أن أنقرة لم تعد تنافس على صفقات الطائرات المسيّرة وحدها، بل تتموضع لاعبًا صاروخيًا متكاملًا.

أمام صنّاع القرار في المنطقة العربية، يبرز خياران: الانخراط مبكرًا في هذه السلسلة الجديدة من الموردين والاستفادة من نقل التكنولوجيا الذي تتيحه أنقرة، أو مراقبة المشهد من بعيدٍ بينما تتشكَّل مراكز ثقلٍ صناعية بديلة شرق المتوسط. لكنّ ما يبدو مؤكدًا أن “المبضع” التركي، في صورتيه الرمزية والمادية، لن يكون آخر ما يخرج من إسطنبول في هذا العقد.