برز الصاروخ الأمريكي فرط الصوتي «دارك إيغل» (Dark Eagle) كأحد أخطر المنظومات الهجومية، في خطوة تعيد رسم خرائط الردع الإقليمي. وتصاعد الاهتمام به عقب إعلان واشنطن نيتها نشره للمرة الأولى بالشرق الأوسط، مما فتح باب التحليلات حول دوره المرتقب في تحجيم النفوذ الإيراني وموازنة القوى مع خصومها.
هندسة مرعبة تتجاوز الباليستية
يُعد “دارك إيغل” درة تاج منظومة الأسلحة فرط الصوتية بعيدة المدى (LRHW) في ترسانة الجيش الأمريكي. ويُصنف ضمن الجيل الأحدث من الصواريخ الانزلاقية المعززة؛ إذ يتخلى عن المسار القوسي الثابت الذي يسهل تتبعه في الصواريخ الباليستية التقليدية، ليعتمد بدلاً من ذلك على دمج معزز صاروخي ثنائي المراحل مع جسم انزلاقي فرط صوتي مشترك (C-HGB). وينفصل هذا الرأس الانزلاقي بمجرد بلوغ الصاروخ الارتفاع والسرعة القصوى المحددة له.
ولتعزيز قدرتها على البقاء والمناورة في مسارح العمليات المفتوحة، صُممت المنظومة لتُطلق من شاحنات أرضية متحركة، ما يمنحها مرونة تكتيكية عالية، ويجعلها حجر الزاوية في استراتيجية الضربات التقليدية بعيدة المدى للبنتاغون.
سرعة خارقة ومدى استراتيجي تتجاوز القدرات التقنية لـ”النسر المظلم” حدود المألوف؛ حيث ينطلق بسرعة تفوق 5 ماخ (خمسة أضعاف سرعة الصوت)، فيما ترجح التقارير العسكرية المتخصصة قدرته على ملامسة عتبة الـ 10 ماخ.
وإلى جانب سرعته الخيالية، يغطي الصاروخ مدى عملياتي يتجاوز 2775 كيلومتراً، ما يؤهله لضرب أهداف حيوية في عمق أقاليم بعيدة – سواء في آسيا أو الشرق الأوسط – دون الحاجة الماسة للاعتماد على القواعد الجوية أو البحرية المتقدمة.
وتكمن خطورة “دارك إيغل” الحقيقية في قدرته الفائقة على المناورة؛ فبعد انفصال الرأس الانزلاقي، ينطلق بسرعة فرط صوتية داخل الغلاف الجوي، مغيراً مساره وارتفاعه بانحرافات حادة وغير متوقعة. هذه الديناميكية تُعطل شبكات الرادار وتجعلها عاجزة عن التنبؤ بموقع الاستهداف بدقة، ما أكسبه لقب “السلاح الذي لا يُقهر”.
تحالف عمالقة الصناعة الدفاعية
لم يأتِ هذا التطور التقني من فراغ، بل هو ثمرة تعاون مؤسسي بين الجيش والبحرية الأمريكيين، وبشراكة مع حيتان الصناعات الدفاعية. فقد تولت شركة “دانيتيكس” (Dynetics) تطوير الجسم الانزلاقي فرط الصوتي (الرأس المدمر)، في حين تضافرت جهود “لوكهيد مارتن” و”نورثروب غرومان” لتطوير المعزز الصاروخي ثنائي المراحل المسؤول عن إيصال السلاح لارتفاعات شاهقة.
دوافع الظهور وسباق التسلح
وُلد مشروع “دارك إيغل” من رحم المنافسة الاستراتيجية المحتدمة بين واشنطن من جهة، وموسكو وبكين من جهة أخرى. فبعد أن استشعرت الإدارة الأمريكية تنامي القدرات الروسية والصينية في مجال الأسلحة فرط الصوتية، أطلق البنتاغون العنان لبرامجه التسليحية لسد هذه الفجوة. وخلال عامي 2024 و2025، نفذت واشنطن سلسلة اختبارات حاسمة لمنظومة (LRHW) في قاعدة كيب كنافرال، أثبتت نجاح الصاروخ في تخطي سرعة 5 ماخ، وهو ما اعتبرته القيادة العسكرية اختراقاً نوعياً.

لماذا يتصدر عناوين الأخبار؟
تتجاوز شهرة “النسر المظلم” حدود أروقة البنتاغون لتتصدر المانشيتات لسببين رئيسيين: أولاً، سرعته التي “تختصر زمن الحروب إلى دقائق”؛ فهو قادر على قطع 2700 كيلومتر في أقل من 20 دقيقة، متفوقاً بأشواط على صواريخ كروز التقليدية مثل “توماهوك”. ثانياً، البعد الجيوسياسي المتعلق باحتمالية نشره في الشرق الأوسط لمواجهة سيناريوهات التصعيد مع إيران، وهو ما دفع وسائل الإعلام الإقليمية والدولية لتحليله كعنصر قادر على “قلب الطاولة” في أي مواجهة مرتقبة.
رغم هذه الهالة المرعبة، يُجمع الخبراء العسكريون على أن “دارك إيغل” لن يُستخدم ضد أهداف تكتيكية عادية. فالصاروخ الذي تبلغ تكلفة النسخة الواحدة منه نحو 15 مليون دولار، والذي لا يمتلك الجيش الأمريكي منه حالياً سوى أقل من 12 صاروخاً، سيظل سلاحاً نخبويّاً مخصصاً حصرياً للإجهاز على الأهداف الاستراتيجية الكبرى وذات القيمة العالية جداً.






