الذكاء الاصطناعي يكشف ملامح الحرب القادمة في المغرب.. African Lion 2026

أ.د. غادة محمد عامر
زميل ومحاضر الأكاديمية العسكرية للدراسات العليا والاستراتيجية
أستاذ هندسة النظم الكهربائية – جامعة بنها

في جنوب المغرب، حيث يلتقي صخب الصحراء الكبرى بصفير أمواج الأطلسي، لم يكن المشهد عادياً. فقد تحولت الرمال الصامتة إلى مسرح لانفجارات متقطعة وأعمدة دخان كثيفة، ضمن أكبر تمرين عسكري تقوده الولايات المتحدة في إفريقيامناورات “African Lion 2026” والتي أقيمت خلال الفترة الممتدة من فبراير حتى نهاية أبريل 2026، بمشاركة واسعة من نحو 30 دولة بقيادة الولايات المتحدة، إضافة إلى المغرب وفرنسا وإسبانيا ودول أوروبية وأفريقية أخرى. هذه المناورات تُعد الأكبر في القارة الإفريقية، وتهدف إلى تعزيز التعاون العسكري والتدريب على مواجهة التحديات المستقبلية، لكن ما جعل هذا التمرين مختلفاً لم يكن فقط حجم المشاركة الدولية، بل إدخال تقنيات الذكاء الاصطناعي إلى قلب العمليات العسكرية، في إشارة واضحة إلى أن مستقبل الحروب لن يكون كما عهدناه. وإليكم بعض ما عرض من تقنيات الذكاء الاصطناعي في هذه المناورة.

Artificial intelligence and robotics will be the focus of Morocco's African  Lion military exercises

الذكاء الاصطناعي يدخل ساحة المعركة

فلم تعد الطائرات المسيّرة والروبوتات مجرد أدوات مراقبة أو دعم لوجستي، بل أصبحت جزءاً من منظومة قتالية متكاملة. في المغرب، ظهرت روبوتات مسلحة تتحرك بصمت عبر الرمال، وطائرات رباعية تحمل أسلحة خفيفة، وأخرى مزودة بمتفجرات. الهدف الأساسي من هذه التجارب هو تقصير ما يُعرف بـ “سلسلة القتل”، أي المدة الزمنية بين تحديد الهدف وتنفيذ الضربة. في الماضي، كان اتخاذ قرار عسكري يتطلب ساعات من التنسيق بين وحدات مختلفة، لكن بفضل الذكاء الاصطناعي أصبح الأمر لا يتجاوز دقائق معدودة. هذا التحول يعكس كيف يمكن للتكنولوجيا أن تغير طبيعة الحرب بشكل جذري.

مشروع مافن: عقل البنتاغون الاصطناعي

يقف مشروع مافن (Project Maven) في قلب هذه التجربة، وهو مبادرة رائدة للذكاء الاصطناعي في وزارة الدفاع الأمريكية أطلق رسميا عام 2017 بهدف استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي لتحليل الصور والفيديوهات التي تجمعها الطائرات المسيّرة، وذلك لتسريع عملية التعرف على الأهداف العسكرية وتقليل الاعتماد على التحليل البشري البطيء. في ساحة المعركة يعتمد المشروع على تحليل كميات هائلة من البيانات داخل الساحة، واستخراج الأنماط، وتحديد الأولويات للقادة العسكريين. المثير أن واجهة مافن تعتمد على نموذج Claude من شركة Anthropic، ما يتيح للجنود التفاعل مع البيانات بلغة طبيعية بدلاً من أوامر تقنية معقدة. هذا الدمج بين الذكاء الاصطناعي والواجهة البشرية يعكس كيف يمكن للتكنولوجيا أن تصبح شريكاً في اتخاذ القرار، لا مجرد أداة.

الروبوتات في الخطوط الأمامية

من أبرز ما عُرض في المناورات مركبة ULTRA التابعة لشركة Overland AI. هذه المركبة الذاتية قادرة على التحرك في التضاريس الوعرة وحمل أسلحة متنوعة، بما في ذلك رشاشات وألغام. وذلك لحماية الجنود عبر إرسال الروبوتات إلى الخطوط الأمامية بدلاً منهم. هذا التطور يعكس تحولاً جذرياً في مفهوم الحرب، حيث يصبح الإنسان بعيداً عن الخطر المباشر، بينما تتولى الآلات تنفيذ المهام القتالية. 

الخلاصة 

إن ما جرى في صحراء المغرب خلال مناورات أفريكان ليون لم يكن مجرد تدريب عسكري تقليدي، بل كان نافذة مفتوحة على مستقبل الحروب. ويمكن القول إن الحروب الروبوتية لم تعد مجرد سيناريوهات خيالية، بل أصبحت واقعاً يقترب بسرعة. فلقد تحولت الروبوتات إلى عناصر أساسية في الجيوش، ليس فقط كأدوات مساعدة، بل كقوة قتالية متكاملة.لقد شهدنا في هذه المناورة جيوشاً هجينة، حيث يعمل الجنود جنباً إلى جنب مع الروبوتات في تشكيلات قتالية متكاملة. لقد أظهرت التجربة أن الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد أداة مساعدة، بل أصبح لاعباً أساسياً في رسم ملامح المعارك المقبلة. فمن مشروع مافن إلى الروبوتات الذاتية مثل ULTRA، يتضح أن التكنولوجيا تتقدم بسرعة تفوق قدرة البشر على استيعابها أو ضبطها. وأنه لم يعد الأمر يتعلق فقط بالشجاعة البشرية أو التفوق العددي، بل بالقدرة على دمج التكنولوجيا الذكية في الاستراتيجيات العسكرية. وبينما يرى البعض أن هذا التطور قد يقلل من الخسائر البشرية، يخشى آخرون أن يؤدي إلى حروب أكثر قسوة، حيث تصبح القرارات آلية بلا رحمة. ومن الناحية الاستراتيجية، الدول التي ستتبنى هذه التكنولوجيا ستتمتع بميزة هائلة، لكنها ستدخل أيضاً في سباق تسلح جديد، حيث تصبح القدرة على تطوير أنظمة قتالية ذكية معياراً للقوة العالمية. هذا السباق قد يعيد تشكيل النظام الدولي، ويطرح تحديات جديدة أمام القانون الدولي الإنساني الذي لم يُصمم أصلاً للتعامل مع حروب تقودها الروبوتات.